القانون الوظيفي

By : فضل مراد

اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم

تقديم طلب وظيفي لبارع اقتصادي، وحفيظ أمين على المال.

هذا ما تعطيه هذه الآية.

إن هذا التقدم بهذا الطلب كان عرضاً لإنقاذ البلاد اقتصادياً، فقد وصلت الأوضاع الاقتصادية إلى الجوع، الذي هو في الحقيقة عذاب بكل ما تحمله الكلمة، دعا به النبي صلى الله عليه وسلم على طوائف من الظالمين أجحفت في حق الله تعالى فأدمنت محاربته ، وأجحفت في أبسط حقوق الإنسان المتمثل في حماية الحريات لمن أراد أن يؤمن بالله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف).

لقد أدهشني هذا الإقدام من يوسف عليه السلام لإدارة المال والأعمال مع أنه أمام انهيار اقتصادي لبلاد بأسرها فما هي المقومات المرفقة بالطلب الوظيفي؟ هل كان تقديم طلب الوظيفة للمقايظة بتعويض عن السنين التي قضاها في السجن مظلوما بتهمة ملفقة ؟ كلا.. فإن قادة الخير والهدى يكتفون بأن يعرف الشعب الحقائق فحسب، ولا يمنون ولا يطلبون الوظائف للهبات أو التعويضات ولا حتى لتحقيق نفوذ شخصي يمكن من خلاله الحصول على تسهيلات ضريبية أو تجارية أو حماية شخصية، إن الأحرار لا يتاجرون بالقضايا الكبرى ويجعلون القضايا المصيرية رهناً محبوساً في اليد يضغطون به للحصول على مطالبهم الشخصية ولو كانت حقوقاً، وهذا هو الفرق الذي يميز الحر والنظيف والشريف عن غيره.

ولهذا كان الضغط الانتهازي في عصرنا في كثير من القضايا لنيل مطالب تتدثر بالحقوق لكنها من أناس في قلوبهم نزعات عبودية للغير، للخارج، للعدو أو حتى للمجهول، ومن جهة أخرى جعل القانون الوظيفي سارياً على من كان له وسيط أو خط تلفون مميز أو ساخن، إنما هو في الحقيقة كالذين يخربون بيوتهم بأيديهم وينسفون التعليم بألغام الصحبة والمعرفة وتبادل المنافع، لأن المؤهلات والخبرات يصبح صاحبها كحامل ملف القضية الأوسطية في مجلس الأمن، لا فائدة ولا جدوى، إن هذه والله جرائم ضد الأوطان خائن لله ورسوله والمؤمنين من فعلها.

يوسف عليه السلام هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم لم يتخذ هذا النسب مؤهلاً للولاية

كما يفعل الكثير من المنتسبين لعرق أو لون أو بطن نسبي

: إنما جعل مؤهله الوظيفي إنقاذا للبلاد من الانهيار الاقتصادي هو "إني حفيظ عليم".

حفيظ: أي أمين فلا يمكن أن يصرف شيئاً وهمياً، أو باسم نثريات عامة، أو بدلات سفر، أو علاج، أو مخاطر أو... إلى آخر ما يحتمل الصدق والكذب.

لا يمكن للحفيظ أن يصرف بدون قانون الحفظ، وهو قانون الاستحقاق.

إن الحفظ هو حفظ الخزينة المالية، حفظ العملة، وحفظ انهيار السوق، وحفظ السعر وحفظ وحماية المستثمرين من الابتزاز، حتى حفظ أصحاب البسطات الصغيرة والدكاكين من المساكين الذين يهرع المكاسون في بعض البلاد اليهم تحت مسميات عديدة لابتزازهم.

فيا لهم من أكلة زقوم جهنم إن لم يتوبوا ويكفوا أيديهم ويلقوا السلم.

إن قانون الحفظ هو قانون النزاهة الذي لن تحفظ الأموال إلا به، وبقرينته وهي الخبرة الكافية لإدارة المشروع الاقتصادي، أو أي مشروع.

وهو ما لخصه يوسف في قوله "عليم" أي: صاحب خبرة، وهذه هي المتلازمة الوظيفية "الحفظ والعلم" وهي المذكورة في قوله تعالى: "إن خير من استأجرت القوي الأمين" القوة في الحفظ والإدارة وتحمل المسئولية والأمين في ذلك كله، وهو المعبر عنه في الأعراف الوظيفية بـ"الخبرة والنزاهة" وهذا مجموع في كلمة واحدة هي "الكفاءة".

لقد تقدم يوسف بهذا المؤهل "إني حفيظ عليم" فأنقذ البلاد فعلاً من كارثة حقيقية،

لكن هل لقي قرار تعيينه صعوبة في المعاملة، أو مماطلة، أو إسقاط اسمه سهواً؟

هل كان عرضه للسلطان مقبولاً في الوجه فحسب مع تبييت المكر ومبدأ "قدم ملف"، "سر وارجع"، "سنتواصل بك"، "إمسك دور"؟ كلا وألف كلا..

هل سئلت أجهزة سرية عن انتمائه العقائدي مع أنه في دولة غير مسلمة وهو مسلم.

لقد أدهشني هذا الملك الذي أصدر قرار تعيين يوسف مع أنه لا يعرفه ولا يصرفه نسباً وصهراً وحزباً، بل عرف كفاءته في وضعه خطة اقتصادية لإنقاذ البلاد، عرف مصداقيته إذ لم يأل جهداً في نصحهم وهو لا يزال في سجنه، وعرف نزاهته وأمانته من التحقيقات المعلنة أمام الجمهور في قضيته المبرأ منها.

أيها المواطنون أيها العاطلون أيها المسئولون، أيها المتنفذون.. هل نحن على نية صادقة لإنقاذ البلاد والاوطان والأمة .... للعمل الصادق المخلص ..لتناسي الضغائن، ولدفع الدفة إلى المؤهل الخبير الأمين كائناً من كان.. إن هذا هو ما سينهي الفساد العصابي.

وأرجوك أيها القارئ أن تتنبه معي في هذا السؤال المطروح.. هل أعطى الملك سائر الصلاحيات ليوسف أم عينه من جهة وسرق صلاحياته من جهة أخرى بلغة "سحب البساط"؟ الجواب: إن هذه اللغة مرفوضة في عرف المصلحين، لذلك صدق الله إذ قال عن هذا التعيين "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين".

إنه تمكين كامل كما يعطيه لفظ التمكين ولفظ الأرض يعني مصر حيث مقر الحكم وسلطان الحكومة وحدود الدولة.

"إن يوسف يتبوأ منها حيث يشاء" والتبوء هو النزول وهو ما يعطي صورة عن حرية التفتيش الكامل والمفاجئ والمستقل والحر في أي مكان وفي أي زمان وفي أي إدارة.

ومن هنا يكون الإصلاح ويبدأ الإنقاذ، وبهذه اللغة ينحسر الفساد، أما أن يعين وزير أو مدير وهناك من هو أقوى منه دولة وإدالة مع أنه أدنى منه مرتبة، فهو تمكين للفساد والإفساد وتصريح من السوق السوداء للموظفين بذلك.

نعم إن هناك وللأسف سوق سوداء تسير أمور التوظيف لا تنفع معها الأوامر الوزارية، وليس هناك مكان لمن ليس له يد معهم ولو كان من أبرع الناس إدارة ونظافة ونزاهة، وهنا تكون الوظيفة والإدارة عذاباً لا رحمة.

الرحمة التي فاجأتني وأنا أتأمل فقه هذه الآيات التنزيلي حيث قال الله عن تعيين يوسف وتمكينه الكامل في الأرض "نصيب برحمتنا من نشاء" إنها رحمة على المولّى وعلى المولّى عليهم.. على الراعي والرعية، هنا تكون الولاية رحمة، قانون يمضي وتمكين كامل، فلا ينتصر المفسد بأحد ولا يحرج المدير مع أحد، ولا تصيبه نوبة الخوف إذا حصل اتصال من مفسد لتوظيف مفسد.

لماذا؟ لأن سلطان قانون التمكين التام هو الحاكم، لا أفراد السوق السوداء الوظيفي، هنا يرتاح المدير في منزله ويأمن الموظف على حقوقه ويأمن الشعب على ثرواته، هنا يمشي المسئول ولا يحتاج إلى بواب أو حارس أو حماية، لن يسمع تهديداً مجهولاً، ولن يقف للمساءلة وإذا وقف فلا خوف ولا حزن.

لماذا؟ لماذا؟ إنها العلة التي أدركها الأعرابي قديماً مخاطباً لعمر قائلاً: (حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر) إنها الولاية حيث تكون رحمة، لا نقمة ولا صراعاً.. وإلى لقاء آخر نواصل فقه التنزيل مع "قانون الولاية2


اترك تعليق