حرية التعلم والتعليم

By : فتحي أبو الورد

لا تكاد تجد تقديرًا للعلم واحتفاء بقيمته وقدره مثلما تجد ذلك في الإسلام ، حيث يقرر صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم أن "طلب العلم فريضة على كل مسلم" . بل إنه يجعل من العلم طريقًا للجنة : "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" . ، ويجعل العالم والمتعلم شريكين في الأجر: "العالم والمتعلم شريكان في الأجر"، وجعل الهدف من بعثته التعليم فقال: "إنما بعثت معلمًا" ، وجعل الله تعالى أتقى طبقة من الناس له هم العلماء ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ﴾ .


ولم يرد نص شرعى يحدد أن هناك علوما محظورة ، بل نصوص الإسلام فى مجموعها تؤكد على أن كل علم ينتهى بنا إلى مصالح دينية أو دنيوية فهو مطلوب شرعا ، وهو حق مشاع للناس جميعا ، الإناث والذكور على حد سواء ، وليس لأحد مزية على آخر فى هذا الصدد إلا بمقدار ما يحقق من نتائج ، وما يقدم من آثار .


لقد دعا الإسلام إلى حرية التعلم ، وكفل لكل فرد تؤهله قدراته ومؤهلاته أن يخوض غمار المجال العلمى الذى يهواه ، ويغلب على ظنه أن يحقق فيه نفعا ، وإفادة مرغوبة .


ولذلك لم يشترط الأصوليون أن يكون المجتهد ذكرا ، بل الباب مفتوح للذكور والإناث على حد سواء ، "وفى ذلك فليتنافس المتنافسون "، " وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ".


والتاريخ يحدثنا عن فقيهات ومحدثات عظيمات ، رغم أن المجتمع قديما لم يكن يهتم بتعليم المرأة اهتمامه بتعليم الرجل لاعتبارات كثيرة ، منها عدم وجود معاهد علمية بالمفهوم المعاصر ، وصعوبة خروج المرأة لطلب العلم وحدها دون محرم خارج بلدها ، ويذكر التاريخ نماذج مشرقة لبعضهن ، من هؤلاء فاطمة ابنة علاء الدين السمرقندي ، وأبوها أحد كبار علماء الأحناف ، وكانت هى من الفقيهات الورعات ، أخذت العلم عن جملة من الفقهاء وأخذ عنها كثيرون، وكان لها حلقة للتدريس ، وكان لأبيها كتاب يسمى " تحفة الفقهاء " فحفظت التحفة ، وكان له تلميذ يسمى "علاء الدين الكاساني "، برع فى علم الأصول والفروع ، وشرح تحفته فى كتاب سماه " بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع " وعرضه على شيخه، فازداد فرحاً به، وزوجه ابنته ، وجعل مهرها ذلك الكتاب ، فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفته وزوجه ابنته. وكان زوجها يخطئ فترده إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها – توقيعها - وخط أبيها قبل زواجها ، فلما تزوجت كانت تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها ، أشبه ما تكون بفتوى جماعية ، أو ما يسمى فى عصرنا بالاجتهاد الجماعى .


ومنهن كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية التى توفيت سنة 463 هـ ،كانت ركناً ركيناً للحديث، ويحضر دروسها العلماء الكبار كالمحدث الخطيب البغدادي، والمحدث السمعاني. جاورت بمكة ، وروت صحيح البخاري عن الكشميهني حتى أن محدث مدينة هراة يأفغانستان (أبا ذر رحمه الله) قد وصى طلابه أن لا يأخذوا الجامع الصحيح إلا عنها، وقد قيل : إن روايتها أصح روايات البخاري .


وقال الشيخ عطية سالم رحمه الله: قد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الأيوبي .


وفى صحراء إفريقية وفى شنقيط ( مدينة في موريتانيا ) تحديدا ، جاءت الأخبار أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل ( متن أصيل لدى المالكية ) للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء. وقد زرت الشيخ أيمن سويد فى بيته بجدة فى عام 2002 ، وعلمت أن زوجته مجازة بالقراءات العشر ، وهو يجيز الرجال ، وهى تجيز النساء .


وليس هنالك من نص شرعى يحجر على علم ، أو يضيق بآخر ، غاية ما هنالك ألا يخرج ذلك العلم عن الحكمة إلى العبث ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الإعمار إلى التخريب ، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد – كما يقول ابن القيم -، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل .


ولم يعرف المسلمون الدعوة إلى دراسة العلوم الشرعية ، وإهمال العلوم التجريبية ، بل دعوا إلى وجود من يقوم بفرض الكفاية عن الأمة فى كليهما ، وكان لعلمائنا فى كل منهما نصيب كبير ، حتى إن بعضهم جمع بين العلوم الشرعية وعلم الطب فى زمانه ، وقد قيل فى ترجمة الإمام ابن رشد الحفيد : كان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه ، وله فى الفقه كتاب "بداية المحتهد ونهاية المقتصد "، وفى الطب كتاب "الكليات فى الطب ".


اترك تعليق