من مكتبة القرضاوي - شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان

By : حسن فوزي الصعيدي

 في هذا الكتاب يتناول فضيلة الشيخ القرضاوي الحديث عن الشريعة الإسلامية، بمعناها الشامل الواسع، الذي يعني قانون الحياة الإنسانية بشتى جوانبها: السياسية والاقتصادية، والتعليمية والثقافية، والعلمية والرياضية، والاجتماعية والفنية، إلى غير ذلك من الجوانب، دون الوقوف عند الجنايات والحدود والعقوبات. الشريعة التي تحقق الخير للبشرية، وتدعو إلى عمارة الكون، وترنو إلى ازدهار المجتمع، وتحض المسلم على الأخذ بزمام الريادة، وتحثه على الرقي إلى سدة القيادة.


وفضيلة الشيخ يتعجب قائلا: ما كان يتصور أن تكون مثل هذه القضية موضع ريب أو جدال في أي بلد مسلم. فهذا من لوازم الإيمان ومقتضى الإسلام {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].


ويعزو فضيلته هذه الحالة المتردية عند المسلمين إلى آثار الاستعمار الفكري وغزوه الثقافي، الذي احتلَّ ديارهم في غفلة من أهلها، فلم يدع دعامة من دعائم الحياة الإسلامية إلا زلزلها وزعزعها، أو وضع الألغام من تحتها، لعلها تنفجر يومًا ما فتأتي عليها من القواعد. وما حمل هذا الاستعمار العسكري والسياسي عصاه ورحل إلا وقد ترك وراءَه آثاره و (بصماته) في كل جنبات الحياة التشريعية والفكرية والخلقية والعملية.


وكان أخطر ما تركه الاستعمار وراءَه هو رواسب الغزو الفكري والثقافي الذي عمل عمله في عقول الأجيال الناشئة من أبناء الأمة المسلمة، وبخاصة الذين لم يتح لهم أن يتثقفوا بالثقافة الإسلامية. فقد غير هذا الغزو الفكري كثيرًا من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وأحل محلها مفاهيم غربية دخيلة، وما لم يستطع تغييره من القيم والأفكار أعمل فيه معول التشكيك والبلبلة، حتى تفقد الأمة ثقتها بذاتها وبدينها وبتراثها وتصبح أمة بلا أساس ولا جذور، وبذلك يسهل على أعدائها تيسيرها إلى حيث يريدون، فإن أبت حطموها بغير جهد كبير.


ويرى فضيلة الشيخ أن أسوأ ما روَّج له الغزو الفكري بواسطة المبشرين والمستشرقين وتلاميذهم وعبيد فلسفتهم وحضارتهم، أن الشريعة الإسلامية شريعة قديمة لا تصلح لهذا العصر ولا تقدر على إيجاد حلول لمشكلات الحياة المتجددة وأوضاعها المتطورة؛ لأنها شريعة وجدت منذ أربعة عشر قرنًا، في عصر غير هذا العصر، وبيئة غير هذه البيئة، وأقوام غير هؤلاء الأقوام. فلا يعقل أن تكون شريعة عصر الجمل! صالحة لعصر الطائرات والمراكب الفضائية، العصر القمري، كما قالوا.


ولذلك جاء هذا الكتاب القيم (الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان)، ليكون بمثابة الأساس الفكري والدعامة النظرية الأساسية لفكرة العودة إلى الشريعة المقدسة، وليكون ردًا علميا على المشككين والشاكين في صلاحية الشريعة لعصرنا ولكل الأعصار. تحدث الفصل الأول من هذا الكتاب عن صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، واستدل على صدق هذه الفكرة بأمور، منها:


1. شهادة الوحي القرآني، والهدي النبوي، من خلال العديد من آيات القرآن الكريم، وأحاديث السنة المطهرة.


2. ثم بشهادة التاريخ، الذي أثبت أن الشريعة الإسلامية قد وسعت كل البيئات والحضارات، وكيف نجحت في تحقيق الخير للمجتمع الإسلامي، وتكوين الإنسان الصالح لعمارة الأرض، وتحرير المرأة من ظلام الجاهلية وظلمها، وتحقيق المساواة التي لا تعترف بالفوارق والطبقات، وتحقيق التكافل الاجتماعي الشامل، ورسوخ مبدأ التسامح مع المخالفين، وتربية الفرد على أن يكون حرا عزيزا، والحاكم أن يكون عادلا صالحا، لا يحتجب عن شعبه، ولا يظلمهم، ولا يستعلي عليهم.


ويؤكد فضيلة الشيخ أن الانتصار والازدهار في التاريخ الإسلامي، كان تابعا للتمسك بالشريعة، وأن الويلات والهزائم والانتكاسات تتبع الإعراض عنها.


ويبين فضيلته أن من أهم المعوقات التي تواجه الشريعة الإسلامية: الانحراف السياسي نتيجة ظلم الحكام، والجمود الفقهي لإغلاق المشتغلين بالفقه باب الاجتهاد.


3. ثم شهادة الواقع: ويدل على ذلك أن ما من بلد أعرض عن الشريعة إعراضا كليا، وعارض قطعيات الشرع الإسلامي معارضة ظاهرة، وأعلن العلمانية الكاملة، إلا أصيب بالتمزق، ولم يجن من وراء ذلك إلا الخيبة والإخفاق، في شتى مجالات الحياة.


وكم من نظريات ومبادئ قانونية يباهي بها العصر الحديث، وتزهو بها فلسفات القانون وأنظمته، سبقت إليها الشريعة وأرست قواعدها، وقام على ذلك فقهها وتشريعها وقضاؤها!


وكثير من الأحكام التي جاءت بها الشريعة، وكانت في وقت ما موضع ارتياب واتهام من خصوم الشريعة، لم تجد البشرية بدا اليوم من اللجوء إليها، تحقيقا للعدل، ورفعا للضرر، ومن ذلك تشريع الطلاق، الذي أصبحت الدول الغربية اليوم معترفة به، مقرة بجدواه، وتحريم الربا، الذي قام كبار الاقتصاديين في العالم الغربي بنقض فكرته من أساسها، باسم العلم والاقتصاد نفسه، لا باسم الدين والإيمان.


4. شهادة رجال القانون. وذكر فضيلته شهادات كبار رجال القانون الدولي من المسلمين وغير المسلمين، ومنهم عبدالرزاق السنهوري، وعلي بدوي، وفارس الخوري، وإيزكو إنساباتو، وبرناردو شو، وويلز وغيرهم.


ثم تحدث الشيخ عن الشريعة الخالدة وأوضاعنا المتجددة، وضرورة العودة إلى الاجتهاد، الذي لا يعني إهمال الفقه الموروث، أو الغض من قيمته وفائدته، ولا الجمود عليه. وأكد فضيلته على أهمية الانتقاء والاختيار من الموروث الفقهي من مختلف المذاهب ما يصلح للتشريع والفتوى والقضاء في عصرنا، بطريقة منهجية لا تخضع لأهواء العامة ورغباتهم، ولا يؤثر فيها توجه الفقيه، مع دراسة الأقوال والآراء المختلفة، وعدم الجمود على أقوال المذاهب الأربعة فقط، مع التأكد من ثبوت النصوص التي بني عليها الحكم، ومدى دلالته على الحكم، والتحقق من دعوى الإجماع غير الثابت، وترك ما مأخذه معرفة بشرية ثبت خطؤها، لأنها كانت مبنية على استقراء ناقص، أو الثقة بقول غير متخصص، عدم الاعتداد بما مأخذه مصلحة زمنية تغيرت، أو عرف لم يعد قائما. وتحدث عن موقف المجتهدين من النصوص الشرعية، وأوضح فضيلته أن هناك نصوصا لا يدخلها الاجتهاد بحال، لا بتغيير، ولا بتعديل، ولا بترجيح، ولا بتضعيف، وهي النصوص القطعية المحكمة من آيات القرآن الكريم، والسنة المتواترة، القطعية في دلالتها؛ بحيث لا يختلف فقيهان في فهمها.


وهناك نصوص ظنية، من جهة الثبوت أو الدلالة.. يتسع المجال فيها أمام الاجتهاد البشري، للاستيثاق من ثبوت النص أولا، ثم فهمه وتفسيره والاستنباط منه. واختتم الشيخ الكتاب بالحديث عن الشروط التي يجب توافرها لنجاح تطبيق الشريعة في عصرنا، ومنها: العودة إلى الإسلام كله، والتحرر من ضغط الواقع، والتحرر من التبعية للغرب، ووجود القيادة المؤمنة بالشريعة.


اترك تعليق