من مكتبة الإمام القرضاوي (الخصائص العامة للإسلام)

By :

تحدث فضيلة الإمام يوسف القرضاوي في هذا الكتاب عن الخصائص العامة للإسلام كله، بوصفه عقيدة وعبادة وخلقا وتشريعاً.


وذكر أن الشهيد سيد قطب رحمه الله، قد أخرج -وهو في سجنه- كتابه القيم: خصائص التصور الإسلامي، وهو يعنى بجانب التصور والاعتقاد.


ورأى فضيلة الشيخ القرضاوي أن يتوسع في هذا الكتاب ويتحدث عن خصائص النظام الإسلامي كله -بما في ذلك العقائد والعبادات والأخلاق والشرائع- ولهذا يرى فضيلته أن هذا الكتاب تتمة لكتاب الشهيد رحمه الله.
وقد تناول فضيلة الشيخ هنا سبع خصائص، هي:

1 - الربانية:
والمراد بها أمران:


أ. ربانية الغاية والوجهة: التي تجعل غاية المسلم الأخيرة وهدفه البعيد، هو حسن الصلة بالله تبارك وتعالى، والحصول على مرضاته، فهذه هي غاية الإسلام، وبالتالي هي غاية الإنسان المسلم. وكل ما في الإسلام من تشريع وتوجيه وإرشاد، إنما يقصد إلى إعداد الإنسان ليكون عبداً خالصاً لله، لا لأحد سواه.


ب. ربانية المصدر والمنهج: فالمنهج الذي رسمه الإسلام للوصول إلى غاياته وأهدافه، منهج رباني خالص، لأن مصدره وحي الله تعالى إلى خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم، الله تعالى هو صاحب هذا المنهج، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الداعي إلى هذا المنهج، المبين للناس ما اشتبه عليهم من أمره، يقول تعالى مخاطباً رسوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.


2 - الإنسانية:
فالإسلام يمتاز بنزعته الإنسانية الواضحة، في معتقداته وعباداته، وتشريعاته وتوجيهاته.. إنه دين الإنسان. وإذا نظرنا إلى الشخص الذي جسد الله فيه الإسلام، وجعله مثالاً حياً لتعاليمه، وكان خلقه القرآن، نستطيع أن نصفه بأنه الرسول الإنسان، وسيرته هي سيرة النبي الإنسان: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}، {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً}. الإنسان إذن في نظر الإسلام مخلوق متميز، مخلوق مكرم، ميزه الله وكرمه وفضله على كثير من خلقه. وأكد الإسلام حرمة عرض الإنسان وكرامته، مع حرمة دمه وماله، وحق كل إنسان أن تهيأ له كفايته التامة من العيش بحيث يتوافر له الحاجات الأساسية للمعيشة. وحرم الإسلام الإيذاء الأدبي للإنسان حيا، وكفل له الاحترام بعد موته.

3 - الشمول:
ونعني به شمول الزمان والمكان والإنسان، إنه شمول يستوعب الزمن كله، ويستوعب الحياة كلها، ويستوعب كيان الإنسان كله. كما عبر الشهيد حسن البنا: إنها الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة. إنها رسالة لكل الأزمنة والأجيال، ليست رسالة موقوتة بعصر أو زمن، ينتهي أثرها بانتهائه، وهي كذلك غير محدودة بمكان ولا بأمة، ولا بشعب ولا بطبقة. إنها الرسالة الشاملة، التي تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب، وكل الطبقات. وهي كذلك رسالة الإنسان من حيث هو إنسان متكامل. إنها ليست رسالة الإنسان كله: روحه وعقله، وجسمه، وضميره، وإرادته، ووجدانه. رسالة الإنسان في كل مجالات حياته.

4 - الوسطية أو التوازن:
خصيصة أخرى من أبرز خصائص الإسلام، وهي الوسطية ويعبر عنها أيضاً بالتوازن ونعني بها التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين: الروحية والمادية، والفردية والجماعية، والواقعية والمثالية، والثبات والتغير، وما شابهها، ولا يخلو منهج أو نظام يصنعه بشر -فرد أو جماعة- من الإفراط أو التفريط، كما يدل على ذلك استقراء الواقع وقراءة التاريخ. إن القادر على إعطاء كل شيء في الوجود -مادياً كان أو معنوياً- حقه بحساب وميزان، هو الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأحاط بكل شيء خبراً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل شيء رحمة وعلماً.

5 - الواقعية:
وإنما نعني بالواقعية: مراعاة واقع الكون من حيث هو حقيقة واقعة، ووجود مشاهد، ومراعاة واقع الحياة من حيث هي مرحلة حافلة بالخير والشر، تنتهي بالموت، وتُمهِّد لحياة أخرى بعد الموت، تُوفى فيها كل نفس ما كسبت، وتَخْلُد فيما عملت. ومراعاة واقع الإنسان من حيث هو مخلوق مزدوج الطبيعة، فهو نفخة من روح الله في غلاف من الطين، ففيه العنصر السماوي والعنصر الأرضي، ومن حيث هو ذكر أو أنثى لكل منهما تكوينه ونزعاته ووظيفته، ومن حيث هو عضو في مجتمع، لا يستطيع أن يعيش وحده ولا أن يفنى تماماً في المجتمع، ولهذا تصطرع في نفسه عوامل الأنانية والغيرية. لم ينس الإسلام -في توجيهاته الفكرية، وفي تعليماته الأخلاقية، وفي تشريعاته القانونية- واقع الكون وواقع الحياة، وواقع هذا الإنسان بكل ظروفه وملابساته: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. والواقعية بهذا المعنى ليست نقيضاً للنزعة المثالية المعتدلة في الفلسفة والأخلاق، فإن هذه النزعة مبنية على فطرة الإنسان وتطلعها إلى الترقي، وشوقها إلى المثل الأعلى، فهي إذن واقعية مثالية، أو مثالية واقعية.

6 - الوضوح:
أول مظاهر الوضوح في الإسلام: أن أصوله ودعائمه الكبرى واضحة بينة، لا لزعمائه وقادة الفكر والدعوة إليه فقط، ولا لخاصة المثقفين من أتباعه وأنصاره فحسب، بل لجمهرة المؤمنين به أيا كانوا، يستوي في ذلك الأصول الاعتقادية، والشعائر التعبدية، وأمهات الفضائل الكبرى، والأحكام التشريعية. الإسلام واضح في أصوله الاعتقادية، وفي شعائره التعبدية، وأصوله الأخلاقية، وآدابه الإنسانية، وشرائعه الإسلامية. ومن مظاهر الوضوح في النظام الإسلامي أن له مصادر محددة بينة، تُستقى منها فلسفته النظرية، وتشريعاته العملية، وأن أهدافه وغاياته، ومناهجه وطرقه واضحة غاية الوضوح.

7 - الجمع بين الثبات والمرونة:
الحقيقة أن المجتمع المسلم قد اختص بظاهرة فذة، تعتبر من أبرز ما يميزه عن سائر المجتمعات الأخرى، تلك هي ظاهرة التوازن، وإن من أجلى مظاهر التوازن التي يتميز بها (نظام الإسلام): التوازن بين الثبات والتطور، أو الثبات والمرونة، فهو يجمع بينهما في تناسق مبدع، واضعاً كلا منهما في موضعه الصحيح.. الثبات فيما يجب أن يخلد ويبقى، والمرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور. إن للثبات والمرونة مظاهر ودلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام، وشريعته وتاريخه. يتجلى هذا الثبات في المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع من كتاب الله، وسنة رسوله، فالقرآن هو الأصل والدستور، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن وكلاهما مصدر إلهي معصوم، لا يسع مسلم أن يعرض عنه، وتتجلى المرونة في المصادر الاجتهادية التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق ومقل ومكثر، مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة وأقوال الصحابة، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من مآخذ الاجتهاد، وطرائق الاستنباط. ويختتم الشيخ كتابه بقوله: ولا أزعم أن هذه هي كل خصائص الإسلام العامة، فمن الممكن أن يزاد عليها، كما لا أزعم أني وفيت كل خصيصة منها حقها، ولكني اجتهدت وحاولت ولكل مجتهد نصيب.
-------------------------------------------------------------------
نقلاً عن جريدة العرب القطرية : 


اترك تعليق