حاملات همٍّ أم صانعات همَّةٍ؟

By : ديمة طهبوب

 لم يكن عبد الرحمن بن عوف أي صحابي؛ بل من العشرة المبشرين بالجنة، و من أصحاب السبق و الموقف في حياة المصطفى و بعد مماته صل الله عليه و سلم؛ لذا فرؤيته و تصرفه تنبع من المدرسة النبوية و التصاقه و التزامه بها، و تصدر عن مشكاتها، ثم وجوده في موقف حساس عهدت إليه الأمة بأمانة الترجيح بين مرشحين في زمن الخلافة الثالثة بين عثمان و علي، فكان فعله غاية في السمو و التقدم و الوعي. و قد جاء في الحديث الذي يخبر عن هذه المرحلة: "ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس جميعا فيهما و يجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس و أقيادهم جميعا و أشتاتا مثنى و فرادى و مجتمعين ...حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن..."

و في العبارة "حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن" إيحاءات غاية في الدقة؛ فهو في هذا الأمر العظيم و الوقت العصيب و مفترق الطرق من حاضر و مستقبل الأمة لم يقبل أن يُهمش نصف المجتمع، لم يرض أن تكون المرأة متلقية للقرار السياسي الذي سيؤثر في حياتها؛ بل أرادها مشاركة و صانعة له منذ الخطوة الأولى، لم يقبل بالرجال لينوبوا عنها أو توكلهم في أمرها، فلماذا يكون رأيها مطلوبا في زواجها تصريحا أو تلميحا، و لا يكون مطلوبا في قضايا المجتمع؟! ألا تتأثر فيها بذات درجة تأثر الرجال؟! ألا تصب القرارات التي يأخذها الرجال في محافلهم العامة في صلب و منتصف حياتها و بيتها ؟فلماذا يسد عنها أحد في القرار و الرأي؟ و ماذا يمنع أن تكون هي حاضرة في صناعة الحدث؟! في العبارة إشارات أخرى يدل عليها فعل (خَلُصَ) بمعنى أن ابن عوف بذل جهدا في تغيير المجتمع و عاداته و إقناعه حتى يخلّوا بينه و بين استشارة النساء؛ فالمجتمع القبلي المحافظ إلى غير ذلك من  تعدد الصور و الألقاب كان بعمومه لا يرى المرأة سوى حاملة للذرية و راعية للبيت حتى جاء الإسلام و أكرمها بالفاعلية و العطاء؛ و لكن بقيت علائق فكرية و ممارسات تحصرها فقط في خدرها، و تبالغ في وضع القيود عليها، أو تفسر الدين على الهوى و تعزله عن سياقه؛ حتى بلغت السفاهة أوجها في أيامنا، فجرى المثل "شاوروهن و خالفوهن"، و لم تعد المرأة تذكر إلا و يستدل المغرضون و الجهلة بحديث ناقصات العقل و الدين دون فهم معناه و سياقه؛ فيسيؤون للدين و صورة الدين الذي أتى لإكرام المرأة!

لم يرض ابن عوف و هو في موقع المسؤولية و الأمانة أن تقبل المرأة أن تنأى بنفسها عن الميدان، أو تكون مجرد زوجة أو ابنة أو راعية بيت أو ربة منزل فقط، كل هذه منازل عظيمة، و لكن لا يمنع معها أن تكون صاحبة وعي و فكر و دور اجتماعي؛ فحولها من دور المتلقي و المنفّذ إلى دور الاطلاق و المبادرة، فَهِم أن دوره كرجل مسؤول يقتضي أن ينهض بالجميع رجالا و نساء حتى من اخترن لأنفسهن ميدان العائلة فقط، ففي أمر الأمة رأى ابن عوف أن دور  المرأة و رأيها بذات الأهمية كدور الرجال، و لم يقبل بالوكالة أو الإنابة عنهن.

تأتي هذه الممارسة في العصور الراشدة؛ لتوضح التباين الكبير الذي وصلت إليه مشاركة المرأة فيما يعرف بمواطن صنع القرار، و حالة الغياب شبه التام أو الوجود التجميلي للمرأة فيها؛ الذي جعل المجتمعات الدولية تلاحقنا بعصا العولمة و العلمنة لما يعرف بحرية المرأة، و حقوقها التي أدركناها، و هم ما زالوا في أوروبا يتناقشون في روح المرأة و كيانها من روح الرب أم من روح الشيطان؟!

تأتي هذه الممارسات لتكون شاهدا على الحركات الإسلامية التي تتبنى المرجعية الدينية في أيدلوجياتها، و ما زالت تناقش في وجود المرأة و محدداته و الأبعاد الشرعية، و يتشدد بعضهم و يتساهل آخرون، و تضيع المسألة، و يبقى وضع المرأة في الحركات الإسلامية كما عدديا و ليس نوعيا× بل يلجأون إلى الكوتا من باب التمكين التدريجي لإدماج المرأة في العمل السياسي الإسلامي. و أي تدرج ظل و نحن في القرن الواحد و العشرين و بعض الدول تقودها نساء؟! بل أي رجل من الذين يعملون في الحركات الإسلامية يمكن أن يقدّم أو يؤثر امرأة كفؤة بمنصب شغله الرجال من قبل؟ بل أية حركة أخرجت النساء من قطاع العمل النسائي الصرف إلى العمل في كل القطاعات؟!

لقد عدنا نحبو بعد أن كنا قطعنا السباق كله في عصر الرشد؛ و لكن الرائد يومها كان ألمعيا مجددا، استفز في المجتمع كل طاقاته، و حرك كل أفراده، و لم يرض للنساء أن يبقين في حجرهن، لم يرض أن تحمل النساء همَّ قرارات الرجال في الحرب أو السلم، في الإقدام أو الإحجام؛ بل أراد لهن أن يكن صانعات القرار، و باعثات الهمة و منطلق العمل. فكل العظيمات من النساء اللواتي خُلّد اسمهن في التاريخ كن جنبا إلى جنب رجالهن، و ليس كما يقول المثل "وراء كل رجل عظيم امرأة"!

إرثنا الإسلامي و الحضاري متقدم، بل و سار كل المسيرة و قدم النموذج، نحن الذين تأخرنا عن اللحاق، و أعاقنا بعضهم من الداخل؛ فمن أراد العود إلى السكة فعليه بنهج الراشدين المهديين كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في تفعيل المرأة و دورها؛ حتى لا يبقى المجتمع يحجل على قدم واحدة، و يعمل بنصف طاقته! 


اترك تعليق