الأمين العام للإتحاد: داود الشريان يَتَقَوَّل عليّ بادعاء الغيب

By : أ. د. علي القره داغي

داود الشريان : يَتَقَوَّل عليّ بادعاء الغيب 
وكلامي حول تنبأ القرآن الكريم ، وليس تنبأ القره داغي وعليه الاعتذار

بقلم أ.د. علي محيى الدين القره داغي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ونائب رئيس المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث

كتب الأستاذ داود الشريان في مقالته اليومية بالحياة بتأريخ 11 يونيو2015 بالعنوان العريض : أضعف الإيمان (القره داغي يدّعي علم الغيب) هذا هو العنوان ، وهو عنوان لا يتناسب حتى مع ما ذكره عن بحثي ، حيث قال الشريان : ( على القره داغي .. قال : ( إن القرآن تنبأ في آياته بالأزمة المالية العالمية ... بسبب الربا السائد...) مما يدل بوضوح وبدلالة قطعية أن التنبأ للقرآن الكريم وليس لعلي القره داغي ، ثم نقل عني حول الاعجاز العلمي الاقتصادي في القرآن الكريم ، ثم انتقد هذه الفكرة - كما سيأتي-

ولنا مع هذه المقالة الوقافت الآتية :

الوقفة الأولى : إن هذا العنوان يحمل بوضوح الحكمَ عليّ بالفكر، من حيث يدري الشريان أولا يدري ، لأن من ادعى علم الغيب فهو كافر ، فقد قال تعالى : (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [النمل : 65] وقال تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) [الجن :26- 27] وقال تعالى : (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) [الأنعام : 50] ، والأحاديث على ذلك أكثر من أن تحصى.


فهذه المسألة مما علم في الدين بالضرورة وعليها إجماع علماء المسلمين من أن علم الغيب هو لله وحده ، وإذا أراد أن يطلع أحداً من رسله فلله الأمر والحكم ، وأجمعوا على أن من ادّعى علم الغيب فهو كافر لأنه مكذب لعدد كبير من هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المطهرة وإجماع الأمة.


فهل يريد الأستاذ الشريان أن يحكم عليّ بالكفر ، وأنا مسلم لله تعالى ، ومؤمن إيماناً قاطعاً بأنه : لا يعلم الغيب أحد إلاّ الله تعالى ، وأقول : (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور : 16].


وبالتالي فأصبح مفتياً للتكفير ، والتحق بالمفتين التابعين للمتطرفين التكفيرين الذين يكّفرّون بعض المسلمين؟ لأن التكفير هو منهج الخوارج والمتطرفين ، وليس منهج السلف الصالح وأهل السنة أجمعين.


إن ما قاله الأستاذ الشريان قول خطير جداً وهو تكفير لأحد المسلمين ، بل للأمين العام الذي ارتضاه آلاف من علماء المسلمين ليكون أميناً للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - لذلك نطلب منه الاعتذار الشديد لعلماء المسلمين ، وللمسلمين ، وإعلان ذلك- ، وهو أيضاً افتراء عليّ وزور بغير وجه حق فقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور : 19] وقال تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) [الأحزاب : 58] قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية : ( وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم..) ثم ذكر : (إن هؤلاء جهلة منكسو القلوب : يذمون الممدوحين عند الله تعالى ، ويمدحون المذمومين).


وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتدرون ما الغيبة ؟) قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : (ذكرك أخاك بما يكره) ثم قال : ( إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه). رواه مسلم


إن إسناد قول فيه كفر إلى أحد المسلمين ليس بالأمر الهيّن ، بل يجب التثبت منه ، بل هو حكم بمثابة الحكم القضائي الذي يحتاج إلى بيّنات واضحات مثل الشمس ، وإلاّ فيكون افتراءً وإثماً عظيماً.


الوقفة الثانية : يهاجم الشريان (الإعجاز العلمي في القرآن) فقال : ( وهو علم مزيف ، وقائم على الوهم ، وهو تغييب للعقل ، وتشويه للعقيدة ، ومؤشر إلى هزيمة حضارية وفكرية ، الأكيد أن تفسير القرآن بهذه الطريقة خطأ في أحسن الأحوال ، وخطر في الأسوأ..) ثم شبه ذلك بفكرة خلق القرآن.


والذي نلاحظ عليه في هذه المسألة ما يأتي : 
1- أن احترام التخصص مطلوب ، فالأستاذ الشريان أصبح مفتياً يفتي بالكفر ، ثم هنا يصبح عالماً في العقيدة والتفسير فيحكم حكماً قاطعاً بأن الاعجاز العلمي في القرآن الكريم علم مزيف..الخ ، وأنه خطأ وخطر، وانه شبيه بخلق القرآن الكريم ، وأنه تشويه للعقيدة .


وكنا نتوقع منه أن لا يصل كلامه إلى الحكم القاطع .


2- أن كل ما حكم به حول (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) لم يكن صحيحاً عند جمهور العلماء المتخصصين ، وهذا العلم منضبط بضوابط محددة ، وليس قائماً على الوهم ، وأنه قد ثبتت فوائده على عامة الناس وعلى علمائهم ، وأسلم بسببه الكثيرون .


ولو حضر الأستاذ الشريان المؤتمر الأخير للإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد في مدريد لتغيّر رأيه ، حيث جاء علماء كبار متخصصون فأثبتوا لنا قضايا علمية نستفيد منها في الحكم الشرعي ، فمثلاً أن الرضاعة بعد الحولين من عمر الرضيع لماذا لا تحرم؟ فأثبتوا أنها لا يبقى لها دور في النمو والعظام بعدهما ، بينما يحمل حليب الأم خلال الحولين بين طياته الخلايا الجذعية التي تدخل في صنع العظام واللحم ، وفتق الأمعاء.


وهنا استفدنا كثيراً من هذه المعلومة في الجانب الفقهي ، وهكذا بقية المعلومات العلمية التي تناولها هذا المؤتمر ، وبقية المؤتمرات السابقة ، حيث كانت غرة في جبين هيئة الإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي.


3- وأؤكد على أهمية الصدق والتثبت في النقل ، وعدم إلقاء الأحكام الجائرة جزافاً ، واحترام مهنة الإعلام ، وبخاصة الصحافة في توجيه الأمة إلى الخير ، والوحدة والسلوك الحضاري ، فما أحوج أمتنا إلى لمّ الشمل وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف ومواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه أمتنا في الداخل والخارج .


فالمفروض أن تصرف جهودنا كلها في مواجهة هذه التحديات ، وليست في التفريق والافتراء والبهتان ، ولا سيما على أهل العلم الذي يتبنون المنهج الوسطي المعتدل . سبحان الله فإن العلماء المعتدلين (أصحاب المنهج الوسط) يقف ضدهم المتطرفون المتشددون ممن ينتسبون إلى فكر الغلو في الدين ، والمتشددون الذي يسمون أنفسهم بالعلمانيين ، وبالتالي فالمتطرفون من كلا الفريقين المتضادين (في الظاهر) يحاربون الوسطية الحقيقية ، ويقدمون خدمات جليلة لأعداء الأمة ، ويساهمون في هذه التفرقة والتمزق الذي وصلت إليه الأمة .


والله المستعان


اترك تعليق