ماذا فعل الاستبداد ببني إسرائبل؟

By : غازي التوبة

حرر موسى عليه السلام بني إسرائيل من استعباد فرعون لهم، وخلصهم من بطشه وجوره وعسفه، ورأوا الآيات البينات على ذلك في عدة أماكن: في مواجهة موسى عليه السلام مع السحرة عندما حول الله عصاه إلى حية أبطلت سحر الساحرين، وفي مواجهة البحر عندما أمره الله بضرب البحر بعصاه فانشق البحر عن اثني عشر طريقا لعبور بني إسرائيل، ومع ذلك لم يطيعوا موسى عليه السلام في شيء بعد ذلك، لأن الاستبداد أفسد عقولهم.

وهكذا عندما رأى بنو إسرائيل الأقوام الأخرى تعبد آلهة متعددة طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها كما لهذه الأقوام آلهة، وهذا مناف للتوحيد الذي دعاهم إليه موسى عليه السلام، فقال تعالى: "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" (الأعراف، 138-140).

أفسد الاستبداد نفوس بني إسرائيل وقلوبهم، وأورثهم مخالفة الأوامر والعصيان، فعندما طلب منهم موسى عليه السلام أن يقولوا "حطّة" بدلوا الكلمة، وعندما طلب منهم أن يدخلوا القرية سجدا دخلوها على أدبارهم، قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" (البقرة، 58-59).

عندما طلب موسى عليه السلام من بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة التي وعدهم الله إياها رفضوا ذلك لفساد قلوبهم وعقولهم، ولأن الجبن والذلة قد تجذرا في نفوسهم وقلوبهم، فقال تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" (المائدة: 20-24).

جاء الأمر الإلهي لبني إسرائيل بأن يتيهوا أربعين سنة من أجل تطهير قلوبهم ونفوسهم من هذه الأمراض التي أورثهم -إياها- الاستبداد، قال تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ" (المائدة، 25-26).

لم يفسد الاستبداد عقول بني إسرائيل وقلوبهم فقط، بل أفسد أذواقهم، فعندما أعطاهم الله المن والسلوى، وهما طعامان من أفخر الأطعمة وأفضلها، طلبوا القثاء والفوم والعدس والبصل، قال تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ" (البقرة، 61).

أبرز درس نستفيده من قصة موسى عليه السلام مع فرعون هو أن مفعول الاستبداد لا ينتهي بزوال المستبد، بل قد يستمر مع الشعوب، لذلك لا بد من انتزاع المستبد من عقول وقلوب الشعوب المستعبدة، وذلك من خلال عملية بناء تحتاج خطة وإعدادا وتأهيلا نفسيا وعقليا، وهذا أخطر ما يورثه المستبد للشعوب كما وضحت الآيات الكريمة، وهذا ما يجب أن تقوم به القيادة التي خلصت جماهير الشعب من المستبد الطاغية.

إن الاستبداد جريمة كبرى في حق أبناء أمتنا وشعوبنا، وقد ثارت شعوبنا على هذه النظم المستبدة، وأفلحت في اقتلاع بعضها ولم تفلح في اقتلاع بعضها الآخر، وقد جاءت قصة موسى عليه السلام مع فرعون في القرآن الكريم دالة على وجوب تحرير الشعوب من المستبدين، كما فعل موسى عليه السلام مع بني إسرائيل. ولكن القرآن الكريم وضح من خلال قصة موسى عليه السلام أيضا أمورا أخرى، منها: كيفية بناء النفوس لمواجهة المستبدين. 


اترك تعليق