ابن تيمية والقرضاوي

By : إسماعيل إبراهيم

شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يبتلى الإنسان في الحياة الدنيا، لا سيما الأنبياء والصالحون، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل، فالأمثل من الناس". فالبلاء ليس مقصورا على أحد، وإن تباينت صوره وتفاوتت مراتبه ومراتب الناس فيه تبعاً لذلك، وما ادعى أحدٌ إيماناً بالله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم، إلا كان له نصيب من الابتلاء على قدر إيمانه.

وقد ابتلي أئمة الإسلام وأعلامه في القديم والحديث، فرسالتهم واحدة، وأعداؤهم كذلك، تتشابه قلوبهم، وتتماثل تصرفاتهم على مر العصور، فابن جبير، وأبو حنيفة ، ومالك، وابن حنبل، وابن عبد السلام، وابن تيمية، والبنا، وأبو غدة ، والألباني، والقرضاوي يمثلون جانب الحق كل في زمنه، ومن سامهم الظلم والعذاب والافتراء يمثلون جانب الباطل كل في زمنه، وكما تتشابه قلوب أهل الباطل، تتشابه شخصيات ومواقف أهل الحق كذلك.

ولقد نبهني الخبر المنقول من دمشق عن قضاء السفاح بشار الأسد، بصدور حكم الإعدام ضد العلامة يوسف القرضاوي، بعد أن صدر عليه حكم بالإعدام من قضاء السفاح عبد الفتاح السيسي في القاهرة، بوجه شبه بينه وبين شيخ الإسلام ابن تيمية.

كل منهما علم الإسلام في حينه، ورمز رموز تجديده، ومن أصحاب التصانيف التي امتازت بالشمولية، كتبا في القرآن وعلومه، وفي السنة وعلومها، في الفقه وأصوله، وفي العقائد، وفي التزكية.

وكلاهما مستقل التفكير، شجاع الرأي، نزاع إلى التجديد، يعرف الشريعة وأحكامها، ومقاصدها، حق المعرفة، ويعرف الواقع الذي يعيش فيه، يحاول أن يغيره ما استطاع، ويتحمل ما يصيبه في ذلك صابرا محتسبا، حين يجبن الناس، ويسكت الساكتون، وينافق المنافقون، وخاصة من يتلبس بثوب العلماء.

كما أن لكليهما حيوية متوهجة في كلماته وكتاباته، ومواقفه مشهودة، واهتمامهما بجهاد الأعداء، جاهد أحدهما التتار وغيرهم والآخر جاهد اليهود وأعداء الأمة، كما اهتم الأول بالرد على الفرق الضالة والمبتدعة من الروافض والفلاسفة وغلاة الصوفية ... ، والآخر بالرد على شبهات العلمانيين والقوميين واليساريين وغيرهم، لم يخافا في الله لومة لائم.

عاشا يعلوان كالنجم، ويسطعان كالفجر، ويهدران كالسيل، ضد الشرك، وصرف القلوب عن باريها، والإقطاع، وديكتاتورية البشر، والنفاق والعمالة، وحصر الإسلام في الزوايا، ويعملان لنصرة الدين، وربط القلوب برب العالمين، والعدالة الاجتماعبة، والشورى والوسطية وشمولية الإسلام.

وشأنهما شأن كل عظيم، لهم أعداء يكيدون لهم المكايد، ويختلف الناس حولهم، كما قال العقاد: إذا رأيت رجلاً اختلف الناس فيه مادحاً وقادحاً فاعرف أنه عظيم. افترى عليهما المفترون، وكذب عليهما الكاذبون، وكيف لا وقد افتري على إمام ركبهما، وصفوة الله من خلقه الأنبياء والمرسلين، قال تعالى تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات :52-53].

فلا عجب أن يسجن شيخ الإسلام ابن تيمية في مصر، ثم في دمشق إلى أن مات في السجن، وأن يسجن الشيخ القرضاوي في مصر قديما، ثم يحكم عليه بالإعدام في مصر من شهرين، ثم يحكم عليه بالإعدام في سوريا من يومين!

فالطريق واحدة وحاملو رايتها من العلماء إلى الله سائرون؟


اترك تعليق