الرضيع الذى أبكى عمر

By : فتحى أبو الورد

الطفولة عنوان البراءة ، والطفل إذا ابتسم ، ابتسمت معه الدنيا ، لأن ابتسامته تأسر القلوب ، وتأخذ بالأفئدة ، وإذا بكى تألمت القلوب من حوله ، فلا تهدأ حتى ينقلب بكاؤه ابتساما مرة أخرى .


كما أن ضعفه هو سر قوته ، وبراءته هى أداته الفطرية التى لها سلطان على القلوب ، وعدم إدراكه هو سر شدة الرحمة به ، والعطف عليه .


إذا أغضبته أو ضجرت منه سرعان ما ينسى عبوسك وضجرك ، ولو بسمت إليه بعد لحظات لصفح عنك وبادلك بسمة صافية ببسمتك ، تعبر عن نسيانه لما فعلت ، لا يعرف الحقد طريقا لقلبه ، ولا البغض موطنا فى نفسه .


تروى كتب الآثار والسير أن عمر سمع بكاء صبى ذات ليلة فتوجه نحوه، فقال لأمه: اتقى الله وأحسنى إلى صبيك، فأعلمته أنها تكرهه على الفطام ، فقال: ولم ؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطيم . قال: وكم له ؟ قالت: كذا وكذا شهرا، قال: ويحك لا تعجليه، ثم صلى الفجر بالناس إماما ، وما يستبين الناس قراءته ، من غلبة البكاء ، فلما سلم قال : يا بؤسا لعمر ، كم قتل من أولاد المسلمين ! ثم أمر مناديا فنادى : ألا لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام ، فإنا نفرض لكل مولود فى الإسلام ، وكتب بذلك إلى الآفاق: إنا نفرض لكل مولود فى الإسلام . راجع كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للعلامة المتقى الهندى .


لقد تألم عمر لبكاء الرضيع ، وتألم لتألمه ، وتألم لجوعه ، ثم بكى لبكائه ، لأنه السبب فى بكائه دون أن يعلم ، وهو مسؤول عنه.


وبكاء الصبى شىء يحرك القلوب الحية ، ويدعوها إلى تهدئته شفقة ورحمة ، حتى وإن كانت فى لقائها مع الله ، وإن السنة لتحدثنا عن نبى الرحمة حين سمع بكاء طفل فى صلاته ، فأشفق عليه وعلى أمه ، فتخفف فى صلاته ، وأتى منها أقل ما تجوز به ، حتى يرحم بكاء الصبى ، ويرحم قلق أمه عليه.


روى البخارى بسنده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني لأدخل الصلاة ، فأريد إطالتها ، فأسمع بكاء صبي ، فأتجوز لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ". والتجوز هو التخفيف ومعناه : تقليل القراءة .


وفى رواية الترمذى علل تخفيف الصلاة بقوله :" مخافة أن تفتتن أمه " . لأن أمه كانت تصلى مع النبى صلى الله عليه وسلم ، ويخشى أن يشغل قلبها به .

وفى مصنف ابن أبى شيبة توضيح لقدر التخفيف ، بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قرأ في الركعة الأولى بسورة ، نحوًا من ستين آية ، فلما سمع بكاء الصبي ، قرأ في الركعة الثانية بثلاث آيات .

لقد حرك بكاء الرضيع عمر فأبكاه ، وسن تشريعا بعدم الفطام قبل موعده ، ليمنع بكاء الرضع ، وحرك بكاء الرضيع قلب النبى صلى الله عليه وسلم ، فترخص فى صلاته وتخفف شفقة عليه وعلى أمه ، فهل يحرك إحراق رضيع فلسطين "على الدوابشة " - الذى أحرقه المستوطنون الصهاينة - قلب حاكم ، أو حمية نظام ، أو ضمير برلمان ، أو غضب هيئة حقوقية ، أو هبة منظمة إنسانية ، أو انتفاضة مؤسسة دولية ؟

إن المستوطنين الإسرائيليين الذين شنوا هجوما بالزجاجات الحارقة على منزل عائلة فلسطينية، فأدى إلى احتراق رضيع عمره 18 شهرا، يعبرون عن نمط جديد من النازية التى اكتست بثوب التدين اليهودى المتعصب .
هؤلاء الهمج لا نعرف لهم نسبة إلى الإنسانية ، فليس بإنسان من يقدم على هذا الصنيع ، ولا نستطيع كذلك نسبتهم إلى الحيوانية ، فلم نعلم أن حيوانات أحرقت حيوانات رضيعة فى عالم الحيوان .


لقد برء الإنسان والحيوان على حد سواء من هذا الصنيع ، ويبقى أن نجد لهؤلاء النازيين الجدد تصنيفا آخر ، ريثما يتغير الحال ، ويفكر هؤلاء الهمج ألف مرة قبل أن يقدموا على مثل هذا الصنيع .


اترك تعليق