هموم دعوية

By : سالم الشيخي

{ هموم دعوية -2-  }
لا أعرفُ على وجهِ التحديدِ متى تسلَّلت تلكَ الفكرةُ المُختزِلة لمفهومِ تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميَّةِ إلى عقولِ كثيرٍ من خاصَّةِ المسلمين وقلوبِهِم ، فضلاً عن عوامِّهِم ، تلكَ الفكرةُ التي تَختَزِلُ مفهوم الالتزام بالمرجعيَّةِ الإسلاميَّةِ في مادةٍ قانونيَّةٍ واحدة ، يُنَصُّ عليها في الدستور بأنَّ الشريعةَ الإسلاميَّةَ هي مصدرُ التشريعات ، أو نحو ذلك من الصِّيَغ والتعبيرات ، ثُمَّ لا يُعرف لها حضورٌ بعد ذلك في مجالاتِ الحياةِ اليوميَّةِ في الدولةِ والمجتمع ، فالاكتفاءُ بهذهِ الصِّياغةِ المصنوعة ، دونَ البحث عن آثارها ، قد أدَّى مع مرورِ الزمان إلى حالةٍ من الاستجابةِ الفكريَّةِ لمفهومٍ ضَيِّقٍ للشريعةِ الإسلاميَّةِ ، حَصَرها في بابِ التشريعات ليس غير ، وحَرَم المسلمين من تحقُّقِ مقاصِدِ الشريعةِ ومكارمها في واقع الدول و المجتمعات ، ومن بركاتِ شُموليَّةِ الأحكامِ الشرعيَّةِ لخيري الدنيا والآخرة .


{ هموم دعوية -3- }
إنّ الدعوة إلى المحافظة على اللغة العربية باعتبارها مقوماً للهُوية الإسلامية إنّما هي دعوة للحفاظ على القوالب اللغوية التي يُفهم بها النص الشرعي المتمثل في كتاب الله – تعالى - ، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما بُني عليهما من أحكام ، ولذا فإنّ أهمية اللغة العربية بالنسبة للهوية الإسلامية تتمثل في كونها قوالب أساسية لفهم مصادر الهداية والرشاد لهذه الأمة.
فقيمة اللغة العربية تتحدد من هذا الوجه الذي يربطها بشكل مباشر بالوحي المنزل من رب العالمين على قلب رسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم - ، فهي لغته ، وبها نزل ، وبها يفهم ، ويفسر ، وليس غير ذلك ، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا } [ طه : 113 ] ،وعليه ؛ فإنَّ على أصحاب اللغات الأخرى من المسلمين أن لا يجدوا أيَّ ضَيرٍ ، ولا حرجٍ في نفوسهم من كون اللغة العربية مكوناً أساسياً لهُويتهم الإسلامية ، فاللغة العربية ليست لغةً محصورةً في أصحابِ عرقٍ أو جنسٍ محددٍ وهم العرب ، بل لغة جميع المسلمين بكلِّ أجناسهم ، وأعراقهم ولغاتهم ، إنّها لغة دين وليست لغة قوم ، فالإسلام بجعله لها لغة فهم لنصوصه وأحكامه ، نقَلَها بشكلٍ صريحٍ وواضحٍ مِن حيز الانتماء والانتساب إلى جنسٍ بشري - وهم العرب - إلى حيز الانتماء إلى دين رب العالمين ، الذي أنزله على خاتم الأنبياء والمرسلين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، إنّه نقلها من ضيق الانتماء البشري إلى رحابة الانتساب العقدي الديني ، وعلى هذا الفهم عاشت الأمة الإسلامية قروناً ، قبل أن تفشوَ فيهم العصبيات ودعوى الجاهلية ، فجميع المسلمين بجميع أجناسهم ، وأعراقهم لم يكونوا يجدون أي حرج أو تأسف ، أو شعور بالنقص أو المذلة عندما كانوا يتفاعلون مع اللغة العربية تعلماً وفهماً ، بل وحتى إتقاناً وتفسيراً فهي لغة دينهم ولا فخر ، ومن هذا المعنى حصلت تلك الظاهرة التاريخية النادرة وهي تحوّل شعوب بأكملها بعد إسلامهم إلى اللغة العربية ، ولم تمض عقود حتى أصبح أبرز علماء اللغة العربية في العالم الإسلامي منهم ، ولم يحدث هذا الانقلاب اللغوي لا بلغة القهر ولا بأدوات الاضطهاد ، كما حاولت فرنسا وغيرها عند احتلالهم لديار الإسلام في الجزائر ونحوها ، وإنما حصل بعمق الإنتماء لهذا الدين ، والاعتزاز بلغته ولسانه.


{هموم دعوية -4-  }


******   قصة الإسلام السياسي   *******
المطالبة بالإسلام كمرجعية للحياة ليست مطالبة معلقة في الهواء ، أو في عقول أصحابها ، وإنّما هي مطالبة قام لها رجال مؤمنون ، ونساء مؤمنات ، التزموا بقوله – تعالى - : { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، [ التوبة : 71] ، مع إيمانهم بأن واجبات الإسلام الكبرى لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار التعاون على البر والتقوى . 
فانتظموا في أحزاب سياسية ، وجمعيات أهلية ليس لها إلا هدف واحد وهو أن تبقى أرض الإسلام إسلامية الهوية والمرجعية ، وإسلامية الغاية والمقصد ، وإسلامية الرسالة والقيم ، وأن ينعكس التزامها بدينها على سائر شؤون حياتها السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والتعليمية ، ونحوها من مفاصل قيام الدول وأعمدتها في زمننا المعاصر.
وقد تعاهد هؤلاء على الدفاع عن صلاحية دين الله الإسلام في أن يحكم حياة الناس وفق تحقيق أعظم مقاصده التي فيها السعادة والرخاء للإنسانية في الدنيا والآخرة ، تلك المقاصد التي انتظمت في حفظ حياة الناس في أمر دينهم وعقيدتهم ، وأمر نفوسهم وأبدانهم ودمائهم ، وأمر كرامتهم وأعراضهم ، وأمر عقولهم وأفكارهم ، وأمر أموالهم ومقومات معاشهم .
وقد تواطأ العالم على تسمية هذه الثلة من المؤمنين والمؤمنات بالإسلاميين حيناً ، وبالأصوليين حيناً آخر ، وكان مقصد هذه الثلة المسلمة الذي اجتمعوا عليه في مؤسسات تحمل مسميات مختلفة ومتعددة : هو إقامة المرجعية الإسلامية في واقع الحياة ، ولم يكتفوا بمجرد الأفكار والأطروحات ، أو المواعظ والخطب ، أو الطرق على أبواب الحكام ليمُنوا عليهم بفتات من قانون ، أو إجراء يقيم بِرّاً ، أو يطمس منكرا ، بل نزلوا إلى ساحات العمل ، وواجهوا الأحزاب بالأحزاب ، والأفكار بالأفكار ، والمشاريع بالمشاريع ، وما زالوا في كل يوم يعمقون النظر ، ويمحصون التجارب ويستفيدون من الأخطاء للوصول في آخر المسار إلى مشروع إسلامي حضاري تستنير به البشرية ، وتسعد به المجتمعات ،ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور ،بإذن ربهم العزيز الحميد .


اترك تعليق