حرمة الدماء البشرية بين داعش وفاحش

By : جعفر الطلحاوي

الحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد فقد سبق مرارا وتكرارا أن قررنا وأكدنا – بما لا يدع مجالا للريبة والشك – عقيدتنا التي ندين لله تعالى بها وهي عصمة الدماء البشرية – أي نفس بشرية وحرمة إراقة أي قطرة دم بغير حق من أي نفس بشرية ( مسلمة أو غير مسلمة ) ذلك إن حُرْمَةَ الدِّمَاءِ فَوْقَ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ ; ففى ديننا الحنيف رَأَيْنَا الْعَبْدَ يَسْرِقُ مَالَ مَوْلَاهُ فَلَا تُقْطَعُ يدُه, وَإِنْ كَانَ قَدْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزٍ، بينما رَأَيْنَاهُ يَقْتُلُ مَوْلَاهُ عَمْدًا فَيُقْتَلُ به قصاصا ، لهذا كَانَ الدَّمُ فِي الْحُرْمَةِ أَغْلَظَ مِنَ الْمَالِ.


كما هو مقرر فى كتب الفقه والْعُقُوبَةُ فِي انْتِهَاكِ الدِّمَاءِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْمِلَّةِ وَبِالذِّمَّةِ سَوَاءً ، فعُرِفَ مِنْ ذلك رُجْحَانِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ عَلَى الْأَمْوَالِ. وها هي الأدلة من الوحيين


أولا : من القرآن الكريم يقول الله تعالى

1-"مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا"[2] بأسلوب لا أبلغ منه فى التنفير من قتل نفس واحدة بغير حق اعتبر الإسلام هذه جريمة فى حق الناس بل قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا!!! كل الناس !!! وهذه الآية تقرر أن عصمة وحرمة الدماء مقررة فى كل الشرائع السماوية التي أنزلها الله تعالى.

2-"وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"[3] جاءت هذه الآية مع مجموع الوصايا العشر التي تضمنتها سورة الأنعام واعتبر الاسلام اتباع هذه الوصايا صراطا مستقيما " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه"[4] ومن معالم هذا الصراط الكف عن النفس المعصومة .

3-"وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا"[5] وجاءت هذه الآية مع مجموعة أوامر ونواهي بدأت بقوله تعالى " وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه ...وانتهت بتقرير أن امتثال هذه الأوامر واجتناب ما ورد خلالها من النواهي من الحكمة" ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة"[6]

4-"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا*يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا"[7] وترد هذه الآية فى تعداد أوصاف عباد الرحمن ومن أوصافهم كفهم عن النفس المعصومة بالملة ( أي المسلمين ) وعن النفس المعصومة بالذمة (أي غير المسلمين) حيث يرد فى الكل النهي عن قتل النفس بغير حق أي نفس مسلمة أم غير مسلمة ، وكذا يرد المدح لتأمين أناس على أرواحهم ودمائهم لنفسهم البشرية بمطلق الإنسانية لبقاء العصمة وعدم زوالها عنهم بحق.

ثانيا: من السنة النبوية المطهرة

فى الصحيح كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»[8]

وفى الصحيح أيضا " إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ»[9]

لعلك تلاحظ أن النبي صلوات الله وسلامه عليه ، قد بدأ فى هذين النصين بالدماء مما يدل على ما قررناه من أن حرمة الدماء فوق كل الحرمات ويشهد لشدة الأمر في القتل العمد بغير حق ماورد في الصحيح من قَول ابْنِ عُمَرَ: إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأمُورِ الَّتِى لا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ[10] والمعنى : أَي ذَنْب وَقع كَانَ فِي الدّين وَالشَّرْع لَهُ مخرج إِلَّا الْقَتْل، فَإِن أمره صَعب والورطات جمع ورطة: وَهِي كل بلَاء لَا يكَاد صَاحبه يتَخَلَّص مِنْهُ. يُقَال: تورط واستورط[11].

ثالثا: حرمة دماء غير المسلمين بالذمة

رغم أن النصوص السابقة تضمنت التأكيد على حرمة الدماء كل الدماء المعصومة سواء كانت عصمتها بالإسلام أو بالذمة ( وكلمة الذمة مصطلح فقهي يطلق على غير المسلمين فى المجتمع المسلم وهي محل مدح وفضيلة لهم ولا ذم فيها لهم فمعناها أن كل المسلمين معهم فى هذا المجتمع فى ذمتهم أن يرعوا هؤلاء ويحافظوا عليهم كما تقول فى موقف من المواقف تأكيدا وبناء للثقة فى نفس من تتحدث إليه هذا فى ذمتي) أقول رغم أن النصوص التي أوردتها من الوحيين تشمل حرمة دمائهم مثل حرمة دماء المسلمين ، إلا أن الإسلام العظيم تضمنت نصوصه النص عليهم بالذكر وعدم قتال مواطنينا منهم بل النص على معاملتهم بالبر والعدل .
أ‌. فى القرآن الكريم
1-قال تعالى :"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"[12]

وحول هذا البر الذي أمرنا االله تعالى به فى التعامل مع مواطنيَّ من غير المسلمين يقول الفقيه الأصولي المحقق الإمام شهاب الدين القرافي– رحمه الله تعالى - شارحًا معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم؛ فذكر من ذلك فى الفروق أنوار البروق في أنواء الفروق: " وَأَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ بِرِّهِمْ وَمِنْ غَيْرِ مَوَدَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ فَالرِّفْقُ بِضَعِيفِهِمْ وَسَدُّ خُلَّةِ فَقِيرِهِمْ وَإِطْعَامُ جَائِعِهِمْ وَإِكْسَاءُ عَارِيهِمْ وَلِينُ الْقَوْلِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخَوْفِ وَالذِّلَّةِ وَاحْتِمَالِ إذَايَتِهِمْ فِي الْجِوَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لُطْفًا مِنَّا بِهِمْ لَا خَوْفًا وَتَعْظِيمًا وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَأَنْ يُجْعَلُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَنَصِيحَتُهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَحِفْظُ غَيْبَتِهِمْ إذَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِأَذِيَّتِهِمْ وَصَوْنُ أَمْوَالِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ وَأَنْ يُعَانُوا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَإِيصَالُهُمْ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَكُلُّ خَيْرٍ يَحْسُنُ مِنْ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عَدُوِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ "[13]فماذا بعد هذا ؟؟!!!

2- بل امتدح الإسلام واعتبر من الأبرار المؤمن الذي يبر بعض الأفراد الكفار المحاربين لداعية القرابة أو النسب أو غير ذلك ما لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية عليهم لهم بمعلومات أو سلاح وما لم يكن براً يدل على مودة القلب , قال تعالى في وصفه للأبرار (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا)[14] , ومن المعلوم أنه لم يكن وقت نزول الآية أسيراً إلا الكافر المحارب.

ب:فى السنة النبوية المطهرة

إن شأن القتل – بغير حق - في الإسلام عظيم، ولو لغير مسلم فى الصحيح بيان إثم من قتل معاهدا ( غير مسلم ) بغير جريمة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»[15] وفى رواية أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلَا يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا»[16] وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي عَهْدِهِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ من مسيرة خمس مائة عام"[17]

وفى الصحيح قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا , أَوْ انْتَقَصَهُ , أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ , أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ , فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "[18]

رابعا: المسيحي المواطن حمايته ونصرته واجبة فى ذمة المسلمين

يعتبر الدفاع عن أهل الذمة - هم المسيحيون المواطنون فى الدولة المسلمة - ضد العدوان الخارجي ـ يعتبر هذا الدفاع من الجهاد الواجب في سبيل الله لأنهم في جوارنا وخفارتنا، ، وفى ذمة الله -تعالى- وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله -تعالى- وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وذمة دين الإسلام. والدفاع عنهم والثأر لهم واجب بشروط وآداب الإسلام الإسلام فى القتال " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "[19]وفى المسند بإسناد صحيح " إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ"وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع على أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لذمة الله -تعالى- وذمة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة، وحكى على ذلك إجماع الأمة...

وإذا وقع أسيرا كان من البر به السعي لفك أسره وإطلاق سراحه وعلى هذا الفقه الإسلامي والتاريخ الإسلامي شاهد فى معارك المسلمين مع التتار وقع فى أيديهم أسارى من المسلمين ومن أهل الذمة من رعايا الدولة المسلمة فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ساعيا فى إطلاق سراحهم فقال غازان ملك التتار نطلق لك الأسارى المسلمين منهم فقط، فقال له ابن تيمية: « بَلْ جَمِيعُ مَنْ مَعَك مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا نُفْتِكَهُمْ وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فأَطْلَقَهُمْ غازان »[20] أي عظمة فى هذا الدين ؟؟!!

خامسا : ختاما

الدم المعصوم كله حرام : فأعظم الْفَوَاحِش وَالْكَبَائر بعد الشرك بالله تعالى قتل النفس المعصومة بغير حق. كما فى آيتى الأنعام[21] والفرقان[22]التي مرت معنا وفى الصحيح عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ "[23] والمعصومة بالملة الحنيفية أشد حرمة عند الله تعالى من الكعبة لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَك وَمَا أَطْيَبَ رِيحَك، مَا أَعْظَمَك وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَك، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَتِك مَالِهِ وَدَمِهِ»[24] .. قَالَ ابن الْعَرَبِيِّ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْبَهِيمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْوَعِيدُ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ بِقَتْلِ الْآدَمِيِّ فَكيف بِالْمُسلمِ فَكَيْفَ بِالتَّقِيِّ الصَّالِحِ.، ولئن كان هذا مقررا على وجه العموم ، فإنه لا ينبغي فى زحمة وبشاعة وشناعة الحدث الذي وقع فى ليبيا وراح ضحيته عدد من مواطنينا المصريين ، لا ينبغي فى زحمة ووطأة الحدث أن يفوتنا التقرير المؤكد على حرمة الدم كل دم مصري وغيره – بتحريم الله- ، وعصمة كل نفس تنتمي إلى هذا الوطن بل إلى الإنسانية جمعاء – بعصمة الله – كل نفس ( جندي جيش أو شرطة أو فرد من عامة الشعب ) أيا ما كانت اليد المجرمة فى الداخل أو الخارج مِنْ داعش أو مِنْ فاحش ، فالجريمة جريمة ، والجناية جناية على بنيان الله تعالى لا فرق فى ذلك بين أن تكون اليد من الداخل – فيكون الدم هدرا ، ولا بواكي لمن تم قتله فى الداخل ، فلا تحقيق ، ولا حساب ولا مساءلة ، ولا محاكمة ، فكم قٌتل وكم سُفِك من دماء المصريين فى الداخل منذ الثلاثين من يونيو 2013 م حرقا وخنقا وصعقا ودهسا وقنصا وحسرة بغير جريرة إلا المطالبة بالشرعية وإحقاق الحق ورد البغي والبغاة ، وذلك مما يعرفه القاصي والداني المنصف والمتجرد للحق ، وتم تلحين أغنية – وهو مما بيَّنا حرمته فى حينه بأدلته الشرعية - ليرددها من لم يحترق له كبد على حبيب ولا عزيز ، من أب أو أخ أو جار أو صديق أو ولي حميم أو فلذة كبد أو زوج أو قريب ، ومن لم تزرف لهم عين دمعة أسفا على حق مضاع أو كرامة مُهانة ، والواجب شرعا إنكار هذا القتل المحرم المنكر كله جملة وتفصيلا لا إقرار ولا سكوت على أي صورة منه ، وذم مرتكبي هذه الجرائم لا مدحهم ، والأخذ على أيديهم ، وتحقيق شرع الله فيهم بالقصاص ففيه حياة للناس أجمعين " ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب"[25]، كما لا ينبغي أن تنسينا هذه الأحداث ، أن أرض الكنانة لم تعرف إرهابا بهذا العنف وبهذه الشراسة والضراوة إلا منذ التفويض المشؤوم، هذه الحادثة المروعة لمواطنينا فى ليبيا وقبلها فى سيناء فأين مسافة السكة إذا ؟؟!!! وأين عمل أجهزة المخابرات التي تستبق الجرائم وتحول دون وقوعها ، أليس عملها فى المقام الأول وقائيا ، أم أن مسافة السكة لغير المواطنين ، أما المواطنون فالسكة بعيدة؟؟؟!!! ونخشي ما نخشاه أن تكون أجهزة المخابرات الغربية وراء هذه الجرائم ، لمحاولة جر الجيش المصري واستنزاف قواه ، والعمل على الإيقاع بين الدولتين المتجاورتين ، وهكذا يأكل العرب بعضهم بعضا والعجب أن مقطع الفيديو يتردد فيه أنهم فعلوا ذلك انتقاما وأخذا بثأر ابن لادن ، والسؤال ، أليس أمريكا هي من قتل بن لادن ؟ فما ذنب المواطنين المصريين ، وما السر فى أنها عملية نوعية انتقائية ويصعب أن تكون اعتباطية أو ارتجالية إذ كيف يكونوا كلهم مسيحيين ، هل جاءت هذه صدفة ؟؟!!، وما السر فى أن يتم قتلهم بهذه الطريقة البشعة؟؟!! وإذا كانت هذه العملية قام التنظيم المذكور بها وله مساحة جغرافية فى العراق والشام فلماذا تقع الجريمة على أرض ليبيا؟؟!! وبأي ذنب ، إنها المؤامرة الكبرى التي يُراد بها استنزاف قوى الجيش الوحيد الباقي فى المنطقة بعد جيش العراق وسوريا واليمن وليبيا، وأكبر مستفيد من ذلك الصهيونية العالمية ويهود العالم ، فمن هي القوة التي تصلح للوقوف فى وجهها وحسر مدها فى العالم الإسلامي بعد انهيار الجيوش العربية فى المنطقة ، فهل هناك من يعقل ، ومن يفكر ؟؟؟!!! اللهم إنَّا والإسلام الذي ندين لله تعالى به برآء من هذه الجرائم ، والقائمون بها – داعش وفاحش - لا يمثلون الإسلام . ونبرأ إلى الله تعالى من سفك أي قطرة دم معصوم بالملة الحنيفية أو الذمة . والله شهيد يقول الحق وهو يهدي السبيل.
 ________________________________

[1]

[2] المائدة : 32

[3] الأنعام : (151)

[4] الأنعام : 153

[5] الإسراء : (33)

[6] الإسراء : 39

[7] الفرقان:68- (69)

[8] صحيح مسلم كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ بَابُ تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَخَذْلِهِ، وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَالِهِ

[9] صحيح البخاري بَابُ فَضْلِ العِلْمِ بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»

[10] [شرح صحيح البخارى لابن بطال 8/ 491]

[11][كشف المشكل من حديث الصحيحين 2/ 590]

[12] الممتحنة 8:(9)

[13] الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق (3/ 15)

[14] الإنسان : 8-9

[15] صحيح البخاري كِتَابُ الجِزْيَةِ بَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ

[16] سنن ابن ماجه كِتَابُ الدِّيَاتِ بَابُ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا

[17] الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان

[18] الصَّحِيحَة: 445

[19] البقرة : 190

[20] مجموع الفتاوى (28/ 618)

[21] الأنعام : 151

[22] الفرقان : 68+69

[23] صحيح البخاري كِتَابُ الوَصَايَا باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]

[24] ابْنُ مَاجَهْ

[25] البقرة : 179


اترك تعليق