تفرّق الأمة على المصالح الفردية

By : أ. د. علي القره داغي

إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وليقوم بواجب التعمير والخلافة في تطبيق ما يريده الله سبحانه وتعالى من خلق الإنسان وخلق الأرض (وأنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، ولذلك زود الله الإنسان بالحواس الخمس حتى يحس بالمخاطر التي تحدق به، وهي المخاطر المباشرة، كما زوده بالعقل ليكون قادراً على التحليل لهذه المعلومات التي يتلقاه العقل من خلال الحواس، التي هي بمثابة أجهزة الرصد للعقل الإنساني، فيكون قادراً حينئذ على ما هو من المخاطر وما هو من المصالح وما هو من المفاسد والمضار والخبائث.

ولكن العقل الإنساني مهما كان فهو محدود، لذلك أرسل الله تعالى الرسل، وأنزل معهم الكتاب، الذي هو وحي من عند الله، ليحقق كل ذلك ما يريده الله من الإنسان من تحقيق العبودية لله تعالى، وتحقيق التعمير على هذا الأرض وتحقيق السعادة والخير في الدنيا والآخرة.

هذه الأمور كلها تحتاج إلى أن يكون هذا الإنسان الذي يريد أن يحقق الحضارة أو أن يحقق الخير لنفسه ولجماعته ولأمته أن يكون لديه ما يسمى بالوعي الجماعي أو بالضمير الجمعي و أنه لا يمكن أن تتحقق الحضارة الحقيقية ولا الدولة القادرة على البقاء إلا من خلال صناعة هذا الوعي الجماعي أو الضمير الجمعي الذي يجمع أهل الدولة أو القبيلة أو الأمة يجمعهم على مجموعة من المشتركات تتعلق بما يحقق المصالح وما يدرأ المفاسد .

وهذا الوعي الجماعي خلقه الله سبحانه وتعالى داخل الإنسان من خلال العقل وتركيز الوحي على هذا الوعي بحيث يحس الإنسان بأخيه ويحس بمسؤوليته أمام كل إنسان وأنه لا يستطيع أن يعيش وحده فهو بحاجة إلى الآخرين وأن هذه الحاجة لن تتحقق إلا إذا ترتبت عليها مسؤوليات وبدون المسؤوليات والإحسان بالمسؤولية يظل الوعي لا قيمة له.

يريد الله أن يكون للإنسان الوعي الفردي ولكن أهم من الوعي الفردي الوعي الجماعي وهذا ما أكد الله خاصة في القرآن الكريم في آيات كثيرة ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) وآيات كثيرة عن مسؤولية الحكام وأولي الأمر ومسؤولية العلماء وعن مسؤولية كل إنسان عن أمته وهذه الآيات لا تعد ولا تحصى، وقد لخص ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال الإحساس بالمسؤولية حينما قال في حديث صحيح ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته قال: وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته ).

هذا الحديث النبوي الشريف يصنع في الإنسان المسلم هذا الضمير الجمعي وهذا الوعي الجماعي ثم أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك من خلال تشبيه المؤمنين الحقيقيين الذين يستحقون الجنة بفضل الله سبحانه وتعالى من خلال حديث صحيح آخر ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى شيئاً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) هذا هو الوعي الجماعي الذي يحس الإنسان وهذا أمر طبيعي حينما يكون الإنسان يمرض في عضو من أعضائه أن يكون هناك معركة لقضاء على هذا الفيروس الذي أدى إلى هذا المرض والذي دخل الجسم من خلال حرب لا نعلم بها ولكن نحس بآثارها من خلال السخونة، الحرب بين كريات البيضاء والفيروس، وثلاثة أنواع من الأجهزة التي خلقها الله لمنع الفيروسات، والأضرار، ثم جهاز ثان وثم الجهاز الثالث وكلها تدخل في معركة لا تستطيع أن تقف إلى أن تقضي على هذا الفيروس أو لا سمح الله أن الفايروس يغلب كما في بعض الأمراض.

هكذا شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية من حيث الإحساس ومن حيث المسؤولية ومن حيث العمل والدخول في معركة واحدة . يجب أن يكون لدى الأمة الحماية والأجهزة كما لدى الفرد وأن تبقى هذه الحماية حافظة لهذه الأمة وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال هذا الوعي والإحساس الجماعي.

فإذا دخل مرض في الأمة من مكان ما فإنه لا يقف عند هذا المكان وإنما ينتشر داخل الأمة وتضعف الأمة ونصبح جميعاً خاسرين.

هذا هو الإحساس الأول ثم خطوط الدفاع المطلوبة من هذه الأمة وأن يضع هذه الخطوط أمامها ولكن في الآونة الأخيرة وكأن هذه الخطوط الأمامية للأمة بدل أن يحميها بدأ التعامل مع الفايروسات ضد مصالح الأمة.

فبعد الإحساس يأتي العمل والمحاربة الداخلية التي لا تقف إلى أن تقضي على هذا العدو الخارجي بالنسبة للأمة ومن ثم حماية هذا الجسد بكل الوسائل.

يقول علماء الاجتماع لا يمكن أن تتحقق الدولة ولا يمكن أن تتحقق الحضارة إلا إذا كانت هناك تربية صحيحة ونافذة لهذا الوعي الجماعي والغربيون كانوا مشتتتين ويعيشون في متاهات وخرافات ولكن حينما وعوا واستفادوا سواء قلنا نتيجة احتكاكهم بالحضارة الإسلامية في الأندلس أو غير ذلك ركزوا على هذا الوعي وجعلوا هذا الوعي وعياً قوميًا مع جانب الدين المسيحي وثم بعد ذلك وعياً وطنياً من خلال الحقوق والمواطنة بحيث يكون الولاء للوطن وليس لشيء آخر .

ومن الخطأ الكبير أن تشجع بعض الدول على الانتماء على غير أساس الإسلام أو المواطنة بحيث تصنع عصبيات جاهلية ونحييها حينئذ تتفرق الأمة أو الدولة على هذه المجموعات.

الأوروبيون قضوا على هذه الأمور واستطاعوا أن يبنوا دولة المواطنة ومن ثم وصلوا إلى أن الدولة القائمة على المواطنة لا تكفي ففكروا منذ الستينات على أن يجعلوا الوعي الجماعي لأوروبا كله في سنة 66 وقاموا بدراسة هذا الوعي في المؤسات التربوية من الحضانة إلى الجامعات واستطاعوا خلال هذه العقود البسيطة أن ينشئوا أوربا الموحدة عملة وبرلماناً ومصالح وغير ذلك.

بينما نحن في العالم العربي أنشأنا الجامعة العربية منذ أربعينيات القرن الماضي وقبل أوروبا بعشرين سنة وهل استطاعت هذه الجامعة أن تحقق الوعي حتى القومي ؟ بل أسست الجامعة أساساً من قبل بريطانيا خوفاً من أن يكون هناك جامعة إسلامية تجمع المسلمين، فقطعوا عملية إنشاء جامعة إسلامية من خلال هذه الجامعة القومية التي ياليتها كانوا على برلمان واحد أو فكر واحد بل يتآمر بعضهم على بعض، لذا وصل الحال إلى ما صولنا إليه.

لا يمكن لجسد الدولة أن يبني بالشعارات القومية والتي لم يطبقوها من حيث الحقوق والمساوات بل هناك أفضلية لغير العرب حتى في الوظائف وفي الرواتب وحتى في الإقامات في بعض الدول فأين الوعي الجماعي؟ وأين الإحساس بالمسؤولية؟

من أهم آثار وشروط وضوابط الوعي الجماعي الإحساس بالمسؤولية أمام الله أولاً ثم أمام كل فرد من هذه الأمة. حينما يتضرر الإنسان من أي بلد لا أحس بنعيم إلا أن أقوم بالواجب على أقل التقدير إن لم أشارك في هذه المحنة، فإذا لم يكن هذا الإحساس فلن يكون هناك وعي جماعي بل كلاماً وشعارات فقط.

نحن نفقد إلى هذا الوعي الجماعي على مستوى الأمة إلا لدى القلة، وحتى الوعي الجماعي نحن حولناه إلى التلاوم والشتائم وهذا ليس بأساس في الإسلام بل يجب على المسلمين أن يأخذوا خطوط الدفاع ضد الأعداء ولكن لا يجوز لهم أن يحملوا الأعداء مشاكلهم يقول القرآن الكريم ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ) إذاً لا بد أن نرجع إلى أنفسنا لإيجاد الخلل والمشكلة، والخلل موجود فينا بشكل واضح من خلال التربية والتزكية، لأن أهم العناصر التي تغذي الوعي الجماعي هو التربية من خلال البيت والأسرة ثم من خلال الحضانة والروضة والمدارس والجامعات ثم أيضاً من خلال المساجد وخطب الجمعة والوعظ والإرشاد يجب أن تركز على هذا الجانب ولا تركز على القضايا المعروفة لدى الناس .

نحن تنقصنا هذه المسألة وإلا انظروا إلى ما يحدث الآن في العراق وسوريا وكيف أهملوا القضية من قبل الذين أيدوا الثورة السورية ولم يقفوا معها إلى أن يأتي النصر. فلو كان هناك الإحساس بالمسؤولية الإسلامية أولاً ثم المسؤولية بأن العالم كله قرية واحدة فإذا ما عالجنا قضيتنا في مصر فستحدث المشكلة في سوريا وفي اليمن وإذا حدث في اليمن فستحدث المشكلة هنا وفي كل مكان مثل العدوى لا تقف عند حد معين بل تغطي الجسد والأمة.

الأمة الإسلامية أمة واحدة والعرب جزء رئيسي منها بل هي من قلب الأمة فإذا ضعفت ضعفت الأطراف الأخرى.

لذلك مسؤوليتنا كبيرة أمام الله سبحانه فكلنا راع  وكلنا مسؤولون عن رعيتنا وهذا خطاب جماعي ولكن هو خطاب لكل فرد منا فلو أصلح كل واحد نفسه وغرس في نفسه هذه المسؤولية أمام الله وأمام أمته وأمام المصالح والمفاسد التي تحدق بنا والمضار والمخاطر ما كنا نصل إلى هذا الحال.

ومن أهم الأسباب الذي جعله الأعداء سبباً لضعفنا أو ضعف الضمير الجمعي هو الظلم والاستبداد والدكتاتورية فهذا يضعف ويقتل لأن الإنسان يخاف ولا يحس فتُقتل حياتك وتُقتل روحك في ظل هذه الأنظمة الاستبدادية ولذلك حينما ثارت الشعوب ثارت العالم كله لأنهم يعلمون أن هذه الشعوب الإسلامية والعربية إذا تحررت من الظلم والاستبداد والعسكر سوف تنهض ويكون لها قوة ويكون لها قدرة وقارنوا بأنفسكم حرب غزة في أيام ومرسي والحرب الأخيرة نتيجتها يكون كتائب القسام التي حاربت ووقفت أمام أكبر قوة نتهمها ونصدر فيها حكماً كما فعل الانقلاب بأنهم إرهابيون أهذا هو جزاء الأمة لمن يدافع عن الأمة؟

ما تضحي به الأمة في سبيل حريتها يعد في نظر الشريعة شهادة في سبيل الله فالرسول صلى الله عليه وسلم  قارن بين سيدنا حمزة سيد الشهداء ورجل قام إلى رجل ظالم وسلطان جائر فأمره ونهاه فقتله، لأنه إذا لم نصل إلى الحرية سنقتل جميعاً تُقتل أرواحنا وتُقتل إرادتنا وتقتل عزيمتنا ونصبح كما وصف الله سبحانه وتعالى ( وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ).

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الفرد والجماعة على هذا الإحساس بالمسؤولية ( أَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى ) فمجرد الجوع في أي منطقة برئت منا ذمة الله ورسوله وذكر في حديث الإمام أحمد الموت وهناك بين الجوع والموت أمور أخرى منها القتل كما يقتل الآن المسلمون في الغرب وسبحان الله إذا قلت من فرد اتهموه بالجنون وإذا كان القاتل مسلمًا وصفوه بالعاقل وحتى لو كان مجنوناً وذلك لأننا ضعفاء.

العالم يجتمع كله لأجل فرنسا وهل يجتمع العالم لأجل فلسطين أو لسوريا أو هل اجتمع لمن قتل وحرِّق في رابعة في مصر .

وما نراه اليوم 8 ملايين مشرد في سوريا ومات منهم من الجوع والبرد والثلج أين إحساسنا بذلك لذلك الأمة تحتاج إلى النظر في نفسها وفي مواقفها وكذلك الأبطال في غزة الذين دوخوا إسرائيل هؤلاء اليوم جائعون يرتعشون من البرد يحتاجون إلى مساعدتنا لذلك فيبرأ كل واحد من ذمته أمام الله ويوصل ما يستطيع من خلال الجمعيات لهم حتى يكون لك جواب إذا سئلت أمام الله، ماذا فعلت لإخوانك الذين جاعوا وماتوا من الجوع.


اترك تعليق