همسات في روع صديقي «الداعية»: ( الدعوة بين فيضها وغيضها)

By : فيصل الأمين البقالي

فيصل الأمين البقالي
حدثني صديقي عن بعض همومه الدعوية في سياق ما تكلَّف به من أمور في مضمار الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فقال وأسهب .. وأعرب وأطنب .. ثم اجتهد واحتشد .. وقدح الفِكَر وأحدَّ النَّظَر .. وصديقي رجل طُلَعة قويُّ الشكيمة ذو عزم .. يستفرغ وسعَه ولا يدَّخِر .. ويتأهب ولا يرضى أن يَنْدَحِر.. والحق أنه لما عرض علي ما بين يديه مستشيرا -بارك الله فيه- رأيتُ أنه قد قام بالواجب وأكثر .. غير أنه لا يخفي امتعاضه من فوت المقصود وقلة المردود .. وقال : ما ترى؟ .. قلت : هو ما رأيتَ وما تعلم .. غير أني أُذَكِّرُك بما تعلمناه معا في هذا الطريق.. فإن الذكرى تنفع المومنين .. وإني أزْويهِ لك ليبقى مني ومنكَ على ذُكْر .. فَيَتَيَسَّرَ على كلينا وضعُ السَّبابة على موضع النزاع لا أرانا الله وإياك بأسا أو نزاعا :

الدعوة فيض .. هي فيض الداعية بما يدعو إليه .. فيض المعنى بصاحب الدعوة على محل الدعوة .. وهو فيض له عينان .. فيضُ عينِ القال، وفيضُ عينِ الحال .. عين القال عين فهم وتمثيل .. وعين الحال عين مكابدة وتَمَثُّل .. الأولى أفكار وأنساق .. والثانية أحوال وأشواق .. الأولى دراسة .. والثانية فِراسة ..

والفيض لا يحصل إلا بعد إشباع .. وهو إما إشباع في القال نقدا، وإما إشباع في الحال وَجْدا .. والمشكلات الدعوية عند أي صاحب دعوة كائنا من كان وكائنة ما كانت دعوته لا تعدو أن تكون مشكلات في هذا الفيض؛ إما بنقصانه انتهاءً بفَقده، وإما بتضييعه وسوء تدبيره في حال وُجْدِه .. فالأولى مشكلة غَيض  والثانية مشكلة هَيض  .. وإذا كانت آفة هَيضِ الفيض تَرُدُّ الدعوات على أعقابها بسببٍ من تضييع كسبِها، فإن آفةَ غيضِ فَيْضِها لَتوشِكُ أن تأتي على خضرائها. آفةُ الغيضِ سؤالٌ تربوي، أما آفة الهَيض فسؤالٌ وظيفي. ولذلك كانت آفةُ الغيضِ أولى بالدَّفع من آفةِ الهَيض لانبناء الثانيةِ على الأولى؛ فلا هَيْضَ إلا لِمَوجود، ولا مَوجودَ مع الغيض إذ هو في حُكم المَفقود.

ويتفرع عن السؤال التربوي في آفة الغَيْض سؤالان : أحدهما في التصورات والآخر في الإرادات .. فالذي في التصورات متعلق بمحتوى الخطاب فهما له وتمثيلا؛ فذلكم تعليم، وهو الغالب على مناهجنا التربوية .. والذي في الإرادات متعلق بمحتوى الخطاب تطبيقا له وتمثلا؛ فذلكم تشغيل، وهو النادر في هذه المناهج .. فلما حضر التعليم وقَلَّ التشغيل، كان في الجواب التربوي عَرَج. ولا يستقيم عَرَجُه إلا برفع حَرَجِه .. فلَزِمَه تشغيلُ مقولاته في أصحابها تشغيلا يُحَرِّكُ كوامِنَهم حتى تمتلئَ فَتَفيض .. وفيضُها اندياحُها بالدعوة آحادا وزُمَرا.. فلا يدعو إلى الله من لا يحرك بالذكر لسانَه، ويجعلُ محلَّ نَظرِه ومراقبتِه جَنانَه؛ ولا يقوم لأعباء النهار قياما، من لا يعرف بالليل قياما .. ولو لماما .. هي مجاهدة ومكابدة، ومراقبة ومحاسبة .. ودع عنك المُهَوِّنَة لهذا، فالتهاون هَوان .. ودع قائلا يقول بأن الذكر في الجَنان أولى من الذكر باللسان، فتلك جدلية يعرفها السالكون .. ولو هاجَ جَنانُه لأظهر أثرَه لسانُه .. أرأيت إذا وَخَزْتَه هل يَصيح؟ نعم يصيح !! فالفيضُ شرطٌ وكِفاؤه عند معشر المؤمنين كِلْمَةٌ واحدة : التزكية !

أما عن السؤال الوظيفي، ففي آفة الهَيض سؤالان : أحدهما في المناهج والآخر في البرامج .. وجوابُه أراكَ به زعيما لا تحتاج فيه إلى تذكير بَلْهَ تلقين .. فالجواب عندكَ أخذا بأسباب ما يمنع هَيضَ فَيضِك بعد وُجدِه .. وهي أسباب مَرَسْتَها وعَرَكْتَها، وعرفتها وخبرتها لطول قيامك في هذا الأمر حتى أذهلتك - وأنت تسعى بها إلى منعِ هيضٍ تحذرُه -  عن غيضٍ يباغِتُك فَيفجَعُك، فتعود نفسك حسرات عليه متسائلةً "أين الخلل؟" .. وتحسب الخلل في أسبابٍ تَمْنَعُ بها هيضا واقعا أو مُتَخَيَّلا، بينما الخلل كامنٌ في عيونٍ جَسَت أو كادَت، قد كان منها تَدَفُّقُ شلّالِك، حتى إذا غاضت تلك العيون سَقَطَت من شلالكَ "ألِفُه" فصار شَللا .. سلَّمَكَ الله من شؤم الشلل وشَربة الوَشَل ..

نظر صديقي إليّ .. فبادرته : هي أقوال مُمْلق ! .. أعلم ! .. ولكن رُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه .. فنهنه وتجاوز .. وخذ ودع .. وادعُ لنا إذا أصبت بنا محزا .. واستغفر لنا فيما سواه .. والحمد لله رب العالمين

الرباط – 22/02.2015

 [1] الغيض: من غاض يغيض غيضا أي نضب أو نقص وقلّ

2 الهيض: من هاض يهيض هيضا، يجيئ بمعان من بينه االإضعاف والكسر


اترك تعليق