فكرة القابلية للاستعمار عند الأستاذ مالك بن نبي

By : ناصر عبد الحميد

تعددتِ الآراء و اختلفت بين من تفهم فكرة مالك بن نبي حول القابلية للاستعمار، و بين من تنكر لها، كما تعددت حولها التفاسير و الشروح، كلا حسب درجة استيعابه لهذا المفهوم من جهة، و قراءته للظروف السياسية التي عاشها الأستاذ مالك بن نبي بالخصوص من جهة أخرى. كما لعب البعد الأيديولوجي و الفكري؛ لدى بعض من حاول تفسير هذه الرؤية دورا مهما في توجيه تفسيراته و رؤيته لهذا المفهوم الدقيق، سواء من حيث اعتباره وصفا دقيقا لخص من خلاله الأستاذ مالك بن نبي حالة الوهن و الضعف الذي أصاب الأمة العربية و الإسلامية في مرحلتها الراهنة أم من حيث ما لصق بهِ من تهم، وسوء فهم بشكل أفقده بعده المعرفي من حيث دلالته العلمية في توصيف التحولات التي قد تتعرض لها المجتمعات البشرية؛ أثناء مسيرته التاريخية، مما أدى بعد ذلك بالعقل العربي و الإسلامي بالخصوص إلى عدم استيعاب المفهوم في بعده النقدي، و توظيفه في توضيح العوامل الذاتية و النفسية التي تساهم في توفير الظروف الموضوعية لعملية الانحراف الحضاري أو التحول التاريخي.

إلا أنه و رغم الأهمية العلمية لهذه الكتابات بالتعريف بفكر مالك بن نبي رحمه الله، بصفة عامة و فكرة القابلية للاستعمار بصفة خاصة، لم نجد من استطاع أن يشرح مضمون الفكرة بشكل يتماشى و رؤية الأستاذ مالك الكلية لمفهوم الحضارة. كونها ، أي الحضارة ، فعل الاجتماعي إرادي تحتمله قدرات الإنسان و تَستوجِبُه اجتماعيتهُ إذا تحقق شرط الاستقرار من جهة، و في نفس الوقت مسؤولية تاريخية تقتضي من المجتمع العمل على المحافظة على بقائها و استمرارها من خلال توفير شروط هذه الاستمرارية، و إلا انتقمت هذه الحضارة – الفكرة- بشكل يكون الاستعمار الصورة الواقعية و الفعلية لهذا الانتقام.

نعتقد من هذه الزاوية يجب النظر إلى مفهوم القابلية للاستعمار، لهذا سنعمل في هذا المقال على تبيان ذلك انطلاقا من رؤية مالك بن نبي للمجتمع والتاريخ.

كما لا بد أن نشير قبل البدء في مناقشة الموضوع، أننا في هذا المقال لا نزعم التفصيل في مفهوم كلمتي المجتمع والتاريخ في الرؤية البنابية، ولكن سنحاول قراءتهما وفق علاقتهما بفكرة القابلية للاستعمار، لهذا نستسمح من هو أقدر منا على فهم فكر الأستاذ مالك بن نبي أن يراعي هذه الملاحظة؛ كي لا يُسيء فهمنا، أو يتهمنا بالخروج عن الموضوع.

يُحدد الأستاذ مالك بن نبي مفهوم المجتمع من زاوية وظيفية، فلا يمكن ، في نظر مالك ، أن يُطلق على هذا الأخير وصف "المجتمع" إلا إذا خضع لمبدأ الحركة الذي تفرزه وظيفة تاريخية ما، يعمل المجتمع على إنتاج وسائلها من جهة مع المحافظة على وتيرة هذه الحركية من أجل غاية تحددها هذه الوظيفة من جهة أخرى. فالوظيفة التاريخية، في نظر الأستاذ مالك بن نبي، تخلق لهذا الكائن، الذي نطلق عليه وصف مجتمع، ديناميكية متواصلة تمكنه من توفير شروط الاستمرار و بالتالي القدرة على البقاء، حين تدفع به نحو تجديد نشاطه، و التغلب على بواعث الركود التي ورثها من مرحلة ما قبل الحضارة. المرحلة التي لم يكن قد استوفى فيها بعد شرط صفة المجتمع.

من هنا كانت الوظيفة التاريخية في الرؤية البنابية، شرطا موضوعيا يحقق لجماعة بشرية ما، المبرر التاريخي الذي يمكنها من الانتقال من مجرد تجمع بشري تحكمه قوانين الطبيعة البدائية إلى طورٍ جديدٍ يعود فيه هذا الاجتماع البشري، قادرا على توظيف هذه القوانين من أجل غايته و أهدافه. أو بعبارة أخرى، يصبح فيها كائنا صانعا لتاريخ ، فـ " ... كل جماعة لا تتطور و لا يعتريها التغيير في حدود الزمن، تخرج بذلك من التحديد الجدلي لكلمة مجتمع ".

و عليه يرى الأستاذ مالك بن نبي أن من مقتضيات الوظيفة التاريخية في رسم معالم المجتمع التاريخي و تغيير وجهةَ الحياة فيه، تحديد شكل علاقاته الداخلية؛ حيث تعمل هذه الأخيرة أي الوظيفة التاريخية، على تكييف مضمون الغرائز البدائية للفرد مع متطلباتها الموضوعية؛ لتتغير صفاته فيعود بدوره شخصا مشروطا (conditionné) بشروطها، فيتحرر بذلك من صفات مرحلة ما قبل الحضارة، فلا يعود كائن غرائزي مصبوغ بقوانين المرحلة الطبيعية، بل يخمد المفعول السلبي لهذه الغرائز البدائية المعيق لمبدأ الحركة، لصالح مضمون الوظيفة الاجتماعية الجديدة التي أصبحت خاصية هذا الفرد، و بذلك تتحول هذه الغرائز إلى صفات اجتماعية تصب في بوتقة العمل الاجتماعي المشترك؛ الذي تمليه متطلبات الطور الراهن للمجتمع، فتصطبغ شخصيته و سلوكه بأهداف و غايات المجتمع الكبرى؛ ليصبح بدوره كائنا وظيفيا منسجما و مضمون دوره الاجتماعي الجديد. ذلك أن علاقة الفرد بالمجتمع في المرحلة التي يبدأ عندها هذا الأخير بالاتجاه نحو القيام بدور تاريخي معين، تصبح علاقة وظيفية. لهذا لا يمكن تقييم دور الفرد عنصرا مكونا، إلا من خلال قدرته على الانسجام و وظيفة مجتمعه الجديد؛ لهذا يُعد هذا الطور، طورا متميزا من أطوار الحضارة في الرؤية البنابية، فقد بلغت درجة الانسجام بين عناصر المجتمع أسمى درجات التكيف الاجتماعي، و أضحت صورة الوظيفة الاجتماعية في ذهن الفرد صورة واضحة جلية. فها هو التاريخ يحدثك عن قصص و أحداث كثيرة؛ تزامنت و ظهور الأفكار الجديدة تشير إلى هذه الملاحظة المهمة التي أولاها الأستاذ مالك بن نبي أهمية بالغة في تفسيره لتطور الاجتماعي و التي أطلق على مجالها التاريخي في بيان تتطور الحضارة مصطلح الروح، فهذه الغامدية تطلب و بشكل عفوي و حازم الامتثال لحد الزنا؛ في قصة ترويها لنا كتب السير بشكل يدخلها في مصاب الأساطير، تبين لنا دلالاتها النفسية و أبعادها الاجتماعية درجة الانسجام و التكيف الاجتماعي بين الفكرة و الفرد لحظة استيعاب هذا الأخير وظيفته الاجتماعية.

على الرغم من أن بداية تشكل المجتمع التاريخي، و بناء دعائمه تعتمد في نظر الأستاذ مالك على دور الفرد ككائن وظيفي، كما سبقت الإشارة إليها في الفقرة السابقة، إلا أن سرعان ما تتحول هذه المركزية من الفرد إلى المجتمع عند اكتمال صورة الحضارة، حين يصبح الإمكان الحضاري ضرورة ملحة لإحداث التوازن الاجتماعي، ذلك أن التوسع الجغرافي الذي يحدثه التمدد الطبيعي للمجتمع ، ينجم عنه بضرورة متطلبات جديدة لم تكن ملزمة للمجتمع في مرحلته الأولى، حين كان الإمكان الحضاري عنصرا غير ذي بال في وجدان الفرد، فقد أصبح من الضروري توفير المجتمع للفرد الضمانات الاجتماعية اللازمة لتوجيه جهده و نشاطه؛ نحو غايات هذه الوظيفة، فنشاط أي فرد يولد في مجتمع ما مرهون بمدى قدرة هذا الأخير على توفير هذه الضمانات. ذلك أن الفرد في هذه المرحلة من مراحل تطور المجتمعي، ليس مجرد كائن معزول عن وسطه البشري، إنما هو مرتبط ارتباط عضويا بهذا الوسط؛ لهذا لا تُعتبر الضمانات الاجتماعية في هذه المرحلة التاريخية سوى حق من حقوق الفرد على المجتمع من حيث مسؤولية هذا الأخير في تكييف نشاط أفراده وفق وظيفته التاريخية.

فمبدأ الفعالية إذن في النظرية البنابية لا يعدو أن يكون إلا نتيجة طبيعية لإمكانات الوسط الاجتماعي الذي يكتنف حياة الأفراد، فلا يمكن لهذا الأخير ، أن يسير قدراته و مواهبه لصالح المجتمع الذي ينتمي إليه، إلا إذا تمكن المجتمع نفسه من توفير الضمانات الاجتماعية اللازمة لذلك، فقد تصبح حظوظ أي فرد مولود على محور اكتملت فيه صورة الحضارة بجميع شروطها، من حيث احتمالية تنمية مهاراته الفكرية أو إشباع حاجاته المادية، أوفر حظا من تلك التي تتوفر لفردٍ آخر؛ ولد على محور فقد فيه المجتمع حضارته، حيث تتقلص شروط مبدأ الفعالية تحت سطوة غياب هذه الضمانات. لهذا، فدور المجتمع في المحافظة على وتيرة استمراريته التاريخية في هذه المرحلة، أو بالأحرى المحافظة على بقائه ككائن تاريخي، أصبح دورا حيويا من خلال الحفاظ على وظيفة الفرد الاجتماعية التي لا يمكن بدورها، أن تتحقق إلا إذا استطاع المجتمع توفير الضمانات الاجتماعية لكل فرد من أفراده .

إن جدلية الفرد و المجتمع (التاريخ) في الرؤية البنابية تأخذ مبرراتها من وجوب توفر الضمانات الاجتماعية.

و لعلنا و نحن نناقش فكرة المجتمع عند مالك بن نبي يجب أن لا نغفل عن فكرة أساسية خصص لها مساحة واسعة في كتابه ميلاد مجتمع، لما لها من أهمية وظيفية في تفسيره لمفهوم المجتمع التاريخي، و هي شبكة العلاقات الاجتماعية؛ إذ إن شكل العمل المشترك الذي تمليه الوظيفة التاريخية، منوط بشبكة علاقات اجتماعية تربط أجزاء العناصر المكونة للفعل التاريخي و المتمثلة أي هذه العناصر، في عالم الأشخاص و الأفكار و الأشياء . ذلك أن حركة التاريخ في الرؤية البنابية، تتمخض في جوهرها عن حالة الفرد النفسية لحظة ميلاد المجتمع، و التي بدورها تتشكل عنها هذه العناصر الثلاثة عند اكتمال صورة الحضارة، إلا أن هذه العناصر أو هذه العوالم، لا تعمل متفرقة، بل تتلاحم وفق شبكة علاقات اجتماعية توحد غاياتها و أهدافها في عمل مشترك تحدد درجة توتره مدى قدرة المجتمع على إحداث التغيير، أو بتعبير أكثر دقة، لا يمكن أن تكتمل الفعالية الاجتماعية إلا بوجود علاقات اجتماعية مترابطة بشكل يَسهُل من خلاله مرور النشاط الداخلي للمجتمع، بحيث تصبح هذه العلاقات الاجتماعية صورته الثقافية و بالتالي الصورة العاكسة لطبيعة وظيفته التاريخية.

و عليه و إذا أردنا أن نَخْلصَ إلى تفسير لفكرة المجتمع في الرؤية البنابية، نستطيع أن نحددها في ملاحظتين اساسيتين هما:

1-    الملاحظة الأولى: أن المجتمع كائن مدرك لدوره التاريخي من جهة، و متحرك في الزمن من جهة أخرى، بل إنه دائم الحركة؛ فهو مجدد لخصائص علاقاته الاجتماعية في كل طور من أطوار كينونته أي أنه كائن ديناميكي.

2-    الملاحظة الثانية: أن المجتمع رهين جدلية وظيفته التاريخية؛ فهو نتيجة لهذه الوظيفة من جهة فلا يمكن أن يكون المجتمع مجتمعا إلا إذا كانت تحكمه وظيفة تاريخية ما، و من جهة أخرى هو مجبر على إفراز مقتضيات هذه الوظيفة من حيث اشتراطه لنَزْعَة الفرد البدائية بشروط الوظيفة التاريخية، فيتحول بذلك إلى كائن وظيفي. وكذا بمدى قدرته على توفير الضمانات الاجتماعية اللازمة للقيام بهذه الوظيفة لكل فرد من أفراده،

وبالتالي يمكن أن نستنتج من ذلك أن المجتمع في النظرية البنابية ليس إلا تجسيدا لوظيفة تاريخية ما، تظهر صورتها الكلية في ما يمكن أن نطلق عليه اسم الحضارة.


مجتمع = وظيفة تاريخية


يقول الأستاذ مالك بن نبي " و هكذا الأمر، فإذا ما تطور مجتمع ما على أية صورة، فإن هذا التطور مسجل كما و كيفا في شبكة علاقاته...

و عندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، و أنه ماض إلى النهاية.

بهذه العبارات يسجل الأستاذ مالك بن نبي رؤيته للحظة بداية خروج المجتمع من التاريخ، أو اللحظة التي يبدأ عندها فقدان وظيفته التاريخية، لحظة بداية تشكل القابلية للاستعمار.

يتفق الأستاذ مالك بن نبي، و ابن خلدون في كون الحركة الاجتماعية تخضع لقانون الدورة التاريخية، فالحضارة، إلا سلمنا جدلا أن هذا الأخير تحدث عن الدولة باعتبارها اكتمالا لصورتها الكلية، تبدأ و تنتهي في نقطتين منفصلتين على محور الزمن، تشكل الأولى لحظة الانبعاث، يطلق عليها الأستاذ مالك مرحلة الروح، كما يطلق على لحظة الأفول مرحلة الغريزة، حيث يكشف هذا الطور الأخير من أطوارها لحظة انتهاء دورة حضارية ما.

هذه الحتمية التاريخية التي يسجلها الأستاذ مالك، ليست عملا عبثيا يلهو به التاريخ، بل هو نتيجة طبيعية لجملة عوامل موضوعية تساهم في تفكيك العناصر المنتجة للحضارة. يسجل الأستاذ مالك بن نبي لحظة بداياتها عند ظهور شكل جديد من أشكال العلاقات الاجتماعية، تتناقض و مضمون الوظيفة التاريخية التي شكلت المجتمع التاريخي لحظة ميلاده، حيث تبدأ هذه الوظيفة عند هذه اللحظة ، في فُقدان سلطتها على المجتمع، لتتحلل بدورها مقتضياتها بشكل متتالٍ؛ حين يصبح نشاط الفرد، كما اشترطت سلوكه هذه الأخيرة عند أول لقاء، إلى حالته البدائية، و بالتالي ينكص مفعول نشاطه، فتعود غرائزه البدائية التي خمد مفعولها في الطور الأول من أطوار الحضارة؛ لتحكم سلوكه من جديد، مما يُفقده تكيفه الوظيفي، و عندها تصبح هذه الأخيرة مجرد سلوك تمليه طبيعة العيش الجماعي دون الوعي بغاياته، كما تملي الغريزة على الحيوانات تصرفاتهم البيولوجية، لينعكس بدوره هذا التحول في شخصية الفرد على شبكة العلاقات الاجتماعية، فتفقد هي الأخرى مركزتيها في تفعيل عالم الأفكار و الأشخاص و الأشياء، مما ينجم عنه بالضرورة فُقدان المجتمع قدراته على توفير الضمانات الاجتماعية اللازمة للعمل الاجتماعي المشترك، وعليه يتولد اضطراب اجتماعي، لتظهر صورته في تعاطي عالم الأفكار مع إشكاليات العصر، حيث ينحرف تعاطيها الوظيفي بإيجاد الحلول المناسبة و الواقعية للإشكالات المطروحة، إلى معالجة قضايا لا تمت بصلة للواقع الاجتماعي، فيتحول بذلك إلى عالم مقطوع الصلة بمتطلبات هذا الواقع، مما ينذر بدخول المجتمع مرحلة ما بعد الحضارة، المرحلة التي يصبح عندها معرضا لأي ظرف طارئ قد يدفع به نحو الاستعمار، فقد فَقَدَتْ الوظيفة التاريخية دورها في شحذ همم المجتمع نحو الغاية التي أسست من أجلها، و بدوره فقد هذا الأخير وظيفته التاريخية.

من هنا كان الاستعمار في نظر الأستاذ مالك بن نبي، ليس إلا نتيجة طبيعة لقابلية المجتمع لهذا الوضع، فإذا ما تفسخت أوضاعه الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية، مما يفقده قدرته على الاستمرار في أداء نشاطه الوظيفي، انتهى به الحالة إلى أن يصبح كائنا مستعمرا Colonisé. فمجال دراسة الاستعمار La colonisation في نظر الأستاذ مالك بن نبي لا يمكن أن تدرس في ظل اللحظة التي يبدأ فيها دبيبه يدب على الأرض المستعمَرة Colonisée حيث اكتملت التركيبة التي مكنت المستعمر Le Colonisateur من إتمام صورة فعله الاستعماري، بل لابد أن نعود بهذه الدراسة إلى خارج مجال هذه اللحظة، إلى اللحظة التي تبدأ بواعث القابلية للاستعمار تتشكل في تفاصيل سلوك المستعمَر Le Colonisé ، التفاصيل التي يؤرخ لها مؤرخ كابن خلدون؛ حين يصور لنا في كتابه العبر الحالة التي تبدأ فيها بوادر القابلية للاستعمار تأخذ مكانها في العلاقات الاجتماعية، حيث يكتب متأملا في أوضاع المغرب الإسلامي قائلا: ". ... و كأني بالمشرق ينزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته و مقدار عمرانه، و كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول و الانقباض فبادره بالإجابة" أما واشنطن إفرنج في كتابه سقوط غرناطة فيصف و بنفس العبارات تقريبا هذه الحالة، ولكن هذه المرة من منظور أخلاقي، حين يصف صيحة " الدرويش" في وجه أبي الحسن بعد ما شهد معاملة هذا الأخير للأسرى الإسبانيين بعد هجومه على قلعة الصخرة سنة 1481، قائلا " ويلا لنا لقد دنت ساعتك يا غرناطة و لسوف تسقط أنقاض الصخرة على رؤوسنا، و أن هاتفا ليهتف في نفسي بأن نهاية دولة الإسلام في الأندلس قد حلت"

إلا أنه و رغم سلبية الاستعمار من الناحية الموضوعية والأخلاقية، يبقى هذا الأخير في صورة من صوره " أثرا سعيدا من آثار تلك القابلية" حيث يدفع بالمجتمع نحو التخلص من بواعثها، حين يبدأ هذا الأخير في اكتشاف ذاته من جراء ردة فعله عن ممارسات المستعمِر le Colonisateurs أو بتعبير مالك بن نبي حين "... يجد نفسه مضطرا أن يتخلص من صفات أبناء المستعمرات، بأن يصبح غير قابل للاستعمار" . فبالرغم من عدم نبل غايات الاستعمار و أهدافه ، فهو لم يأتِ ليخلص المجتمع من قابليته لذلك، إلا أن طبيعة التدافع بين المستَعمِر Le colonisateurو المستعَمر Le Colonisé من جهة، وحالة الرفض التي تتولد لدى المجتمع المستعمَر Le Colonisé من جراء الفعل الاستعماري من جهة أخرى، تساهمان في تخلص المستعمر Colonies من حالة الركود و الجمود التي نجمت عن فقدانه وظيفته التاريخية، وبالتالي ينعكس مفعول الاستعمار من كونه عامل إخضاع و شلل لنشاط المجتمع إلى دافع نفسي، و محرك مناسب لمكنونات المجتمع الخامدة؛ لينتقل بذلك من حالة الركود و الجمود إلى حالة يبدأ عندها استرجاع نشاطه، فيعينه ذلك على التغلب على قابليته للاستعمار؛ ليصبح بذلك الاستعمار في نظر الأستاذ مالك بن نبي ضرورة تاريخية، من حيث إنه عامل منبه يساهم بطريقة غير إرادية في إعادة بعث القدرات الاجتماعية على النشاط (الحركة).

لعل هذه الرؤية التي ساقها الأستاذ مالك بن نبي ليست إلا تبيئة لنظرية جون أرنولد تونبي؛ حين أوعز هذا الأخير التغيير الاجتماعي إلى ما أسماه التحدي المناسب و الاستجابة، حيث جعل الأستاذ مالك بن نبي من معامل الاستعمار، التحدي المناسب الذي يعيد تحريك المجتمع نحو التغيير حين يولد لديه درجة من التوتر تجعل استجابته لهذا التحدي كافية لاسترجاع نشاطه الاجتماعي، فيتخلص بذلك من بواعث الشلل و الخمول، مما يسمح له بإعادة شق طريقه نحو التحرر و البناء. إن الثورات التي تولدت عن استعمار في البلدان العربية و الإسلامية، و ما نجم عنها من حِراك اجتماعي تمثل في صورة أحزاب سياسية و حركات إصلاحية ...، سعت إلى تجميع قوى المجتمع من أجل القضاء على الاستعمار، لم تكن في حقيقة الأمر، إلا تعبيرا عن استعادة هذه المجتمعات لنشاطها الاجتماعي، فقد استطاعت بالفعل أن تحقق هدفها الرئيس من خلال حركتها الاستقلالية، إلا أن النتيجة الفعلية لهذه الاستجابة، في نظر الأستاذ مالك، لا يمكن أن تحقق مبتغاها الحضارية، إلا إذا استطاعت أن تغير الإنسان، وتصفيه من القابلية للاستعمار؛ بأن تعيد اشتراط سلوك الفرد بشروط وظيفته الاجتماعية؛ لينعكس بذلك على المجتمع، فيعود بدوره مجتمعا وظيفيا بكيفية تلعب فيها فكرة الإرادة أو الوعي التاريخي دورا أساسيا في التأسيس لشروط النهضة، و الوعي بمقتضياتها.


و في الخلاصة و إذا جاز لنا أن نصوغ فكرة القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي في شكل رياضي نستطيع أن نكتبها كالتالي:


المجتمع = الوظيفة التاريخية

القابلية للاستعمار = فقدان الوظيفة التاريخية


اترك تعليق