أفق مفتوح نحو مصالحة وطنية تاريخية

By : راشد الغنوشي

في وقت تشتعل نيران الفتنة وتتعالى صرخات الحقد في اغلب دول الربيع العربي، بسبب العجز عن إدارة الخلافات والقطيعة الحادة بين قديم عاجز عن التجدد، وجديد راهن على العزل والصدام، يؤكد الشيخ راشد الغنوشي - عضو مجلس الأمناء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - ورئيس حركة النهضة انحيازه للوفاق ورفضه مقولات الاقصاء. ويشرح في هذا النص الذي كتبه خصيصا "للصريح" رؤيته للوفاق انطلاقا من التجربة التونسية.

وفي ما يلي نص المقال:

راسخ في قناعتي ان ثورة تونس المجيدة قد ادخلت - وبدون رجعة او حاجة لمسعى تصديرها- ليس فحسب تونس بل أمة العرب، عالما جديدا، عالم الحرية، على غرار ما فعل الإسلام اول مرة ، وكما فعلت الثورات الإنغليزية والأمريكية والفرنسية بامم الغرب .

وان مسالة التحاق هذه المنطقة أو تلك بركب الحرية- مسالة وقت وتكلفة -، وذلك بحسب درجة تعقيد الاوضاع وأهمية الموقع- مع اختلاف في المنهج بين دكتاتوريات ذكية تبادر بإصلاحات جادة متدرجة، كما فعلت عدة ملكيات في أروبا وبين دكتاتوريات محنّطة ترفض الاستجابة لمنطق التاريخ وضرورات الإصلاح فتجتاحها رياح التغيير.وتوجد مؤشرات في المنطقة على هذه وعلى تلك.

وإذا مثلت سنة ٢٠١١اندلاع عاصفة ثورات الربيع العربي فقد مثلت سنة ٢٠١٣سنة الانتصار الكبير لموجات الثورات الارتدادية ضد قوى التغييرانطلاقا من الاعصار الذي ضرب مصر في منتصف السنة وكادت موجاته الارتدادية ان تطيح بالربيع التونسي المتداعي للسقوط ، لولا تنازل النهضة وقبولها الانسحاب من السلطة ، الى تنازلت أخرى مؤلمة .-

لقد ظهر تأويلان لهذا الارتداد ، هل هو عائد لكيد خارجي ؟ أم نتيجة لأخطاء مقترفة من قبل الحكومات التي جاءت بها الثورة والتي بدل ان تعتمد استراتيجية ثورية تستهدف طي صفحة ما تبقى من المنظومة القديمة أفسحت المجال لعودتها، فاعترفت بأحزابها ولازمت الصمت أمام عودة اعلامها بنفس رجاله المعروفين، بما انتهى بأبناء الثورة الى ان الفوا انفسهم محاصرين بمنظومة متكاملة بل بتحالف واسع جمع بين أهل المنظومة القديمة وأهل اليسار بمن فيهم المشاركون في الثورة وبعض حتى من أحزاب الوسط،على غرار ما حدث في مصر .

لقد عاد أهل النظام القديم من بوابة اليسار،مستغلين سماحة حكومات الثورة !!، فماذا بقي من فرص أمام قوى الثورة المحاصرة حتى لا ينهار البناء فوق رؤوس الجميع في ظل انهيار عربي، غير استبدال نهج الصراع والمغالبة بنهج الحوار بحثا عن التوافق مع الجميع بمن فيهم أهل المنظومة القديمة العائدين بقوة ، وذلك ما دعت اليه خارطة الطريق التي تم التوقيع عليها من قبل ٢٢حزبا بتاريخ ٥اكتوبر ٢٠١٣ جمعت بين الإسلاميين (النهضة) واليسار والقوميين وآللبراليين ، ولم يقاطع هذا التمشي إلا حزب المؤتمر ومشتقاته تقريبا.

وهل كانت هناك أصلا استراتيجية أخرى ٫بديلة عن التوافق تتوفر على فرصة لإنقاذ مسار انتقالي مترنح في ظل وضع عربي منهار؟

فات الأوان

انه حتى على فرض انه كانت هناك فرصة ومصلحة للثورة وللبلاد في اجتراح الحلول الثورية الراديكالية في التعامل مع أهل المنظومة القديمة وذلك في الأيام والأشهر الأولى من اندلاع الثورة في شدة عنفوانها، كما كان يريد البعض وكما فعل البعض في تجارب اخرى قادتها سياسات العزل السياسي الى الانهيار والخراب ، فقد فاتت تلك الفرصة-على افتراض أنها كانت موجودة أصلا ، وذلك بالنظر إلى الثقافة السياسية السائدة وسط النخبة التي كان تيارها الأساسي إصلاحيا نظاميا لم يفتأ يطرق أبواب النظام السابق يسأله اعترافا به حتى يندرج في إطار القوانين الجارية على أمل تطويرها من داخلها .

وحتى الأفراد القلائل في النخبة الذين كان خطابهم يستهدف المخلوع شخصيا فقد كانوا خارجين عن السياق العام متهمين بالتشدد وكنت معدودا من بينهم.

ولذلك لم يكن عجبا ان توافقت هذه النخب جميعها على الاحتفاظ بخيط من الشرعية صبيحة انتصار الثورة متمثلة في القبول برئيس برلمان المخلوع رئيساً للدولة كما هو مقتضى دستور المخلوع، والإبقاء على الوزير الأول للمخلوع وزيرا أول لأول حكومة للثورة .

وحتى عندما رفض شباب الثورة هذا الوضع واحتشدوا في اعتصام القصبة الأول والثاني انفضوا بمجرد ان تم تنصيب الباجي قائد السبسي وزيرا أول، إذ كان يكفيه ان يلبي مطلبهم في التأسيس الدستوري بدل ترقيع القديم، وكان ذلك هو المطلب الثوري الوحيد تقريبا ، وذلك دون اعتراض من احد على سي الباجي رغم تقلده مسؤوليات رفيعة في المنظومة القديمة وتعامل معه الجميع.

بل بلغ مستوى العلاقة معه حد التفكير في إيلائه الرئاسة، وكان الرجل في مستوى الثقة إذ قاد البلاد إلى اول انتخابات تعددية نزيهة ، دليلا على الطبيعة السلمية للتونسيين ولثورتهم .

ولم يكن كذلك عجبا ان حكومتي الثورة التين لم تضما إليهما إلا كوادر منحدرين من أحزاب الثورة لم تعقدا محاكمات سياسية لرموز المنظومة القديمة ولم تشنا عليهم حملات إعلامية بل كانتا ضحية إعلامهم العائد بل اعترفت حكومة الثورة بأحزابهم دون اعتراض من احد.

فهل يبقى بعد ذلك مجال لرفض التعامل معهم، من اجل المصلحة الوطنية باعتبارهم جزء من التكوينات الوطنية بما في ذلك إشراكهم في الحوار الوطني والتوافق معهم على إنقاذ المسار الانتقالي وفق خارطة الطريق التي وقع عليها الجميع عدا المؤتمر ومشتقاته ؟

وهل يبقى مسوغ لرفض التعاون معهم في كل ما يقدر انه مصلحة وطنية ؟

وهل كان هناك سبيل آخر لإنقاذ المسار الانتقالي التونسي من التسونامي الجارف القادم من الشرق ، المسار الذي انتج ما غداً يعرف بالاستثناء التونسي وذلك دون انخراط الجميع في الملحمة البديعة ملحمة الحوار الوطني التي قادها رباعي المجتمع المدني ؟

مسارات أخرى

ان السياسة مصالح ومبادئ لا تتنزل إلا في سياق موازين قوة مناسبة، هي نتائج وممكنات ، وليست افتراضات.

اليوم هناك مسار انتقالي ديمقراطي تونسي حقق للتونسيين بل أوسع من ذلك للعرب وللمسلمين ولكل من له مصلحة في انتصار الديمقراطية في وطننا والعالم ، حقق منجزات غير قابلة للانكار ضمن الفرص وموازين القوة المتاحة ، انتج دستورا توافقيا وقع عليه اثنان وعشرون حزبا من كل التيارات وصوت عليه ٩٤%من نواب الشعب، استوعب أحدث ما توصلت اليه البشرية في مجال قيم الحداثة السياسية وحقوق الإنسان وذلك في توافق مع قيم الإسلام الوسطية.

وكان من منجزات هذا المسار المظفر حماية هذا الدستور بمنظومة كاملة من مؤسسات شعبية منتخبة تتولى مهام الرقابة والتعديل مثل المحكمة الدستورية وهيأة للعدالة الانتقالية وهيأة للإعلام ولحقوق الإنسان.

كما أنجز هذا المسار اول انتقال سلمي للسلطة في البلاد وعالم العرب في المستويات التشريعية والحكومية والرئاسية وذلك عبر تنظيم ثلاث انتخابات اعترف الجميع بنتائجها وجرت تحت إشراف هياة مستقلة منتخبة .

فهل هناك من نجاح يبز هذا النجاح الذي أنجزه المسار الانتقالي التونسي الذي تأسس على نهج الوفاق بديلا عن نهج الصراع والمغالبة والإقصاء الذي كاد في وسط العام ٢٠١٣ان يطيح بالمركبة جملة، وذلك في أعقاب 
    
الزلزال المصري، لولا ما أقدمت عليه النهضة من تنازلات موجعة بما في ذلك التنازل عن حكومة منتخبة والامتناع من حق التنافس على الرئاسة إلى جانب تنازلات أخرى في الدستور وفي رفض تمرير مشروع العزل السياسي وإقصاء منتسبي المنظومة السابقة من التنافس السياسي .

فبأي مبرر يقع تبخيس المنجز التونسي الرائع بدعوى عودة النظام القديم!! او الاشتراك معه في حكومة ؟

وكيف يلتقي في الدعوة لمقاطعة ممثلي النظام القديم، أنصار القوى الثورية الراديكالية والجبهة الشعبية بمكوناتها، رغم انها كانت الى وقت قريب لا ترى مشكلا في ان تتعاون معهم ان تعلق الامر بإخراج النهضة من الحكم او منعها من العودة إليه؟

مقاربة جديدة

لقد قاربت الموضوع الى هذا المستوى من التحليل انطلاقا من المفهوم الشائع والمتداول للنظام القديم، والذي لا أراه شخصيا معبرا بدقة في اللحظة الراهنة عن شريك او شركاء في السياسة بات يجمعنا معهم العيش تحت سقف الثورة، بعد ان دخل الجميع - هذا ما نعتقده- تحت سقف الدستور، وهو اهم منجزات الثورة وتاج افتخارها .

وحتى نتجنب السير في الظلام نتساءل ما المقصود بالنظام القديم أو المنظومة القديمة؟

بالتأكيد ليس المقصود الملايين الذين كانوامنخرطين في حزب التجمع/الدستور، ولا منجزات دولة الاستقلال التي نعتز بها ولا دور الدساترة في معركة التحرير الوطني ضد المستعمر الغاشم . ولا نعني ايضا وبالخصوص من كانوا يعملون في نظامه من الكفاءات الوطنية الشريفة والنزيهة.

وإنما هو قواعد وقيم الحكم وأنظمته مثل نظام الحزب الواحد والانتخابات المزيفة والإعلام الخشبي والزعيم الأوحد والمال المحتكر في فئة الحكم..

وهي أصنام أسقطتها الثورة وطوى الدستور صفحتها وأرسى بديلا عنها نظاما جديدا أركانه معروفة مقابل سالفتها ، فكل من دخل تحت خيمة الدستور وحكم باسمه فهو من أهل النظام الجديد أيا كان علو موقعه في النظام القديم . ومن ثبت عليه تورط في نهب او قمع فأمره الى العدالة الانتقالية واجهزة القضاء، هذا اذا اذا لم تؤثر الضحية العفو والسماحة وهو ما ندعو اليه بعد كشف الحقيقة ، حتى ينطلق شعبنا الى المستقبل متخففا من الاحقاد والثارات

وأقول هنا بوضوح ان حزب النداء ليس هو التجمع لان التجمع ينتمي لنظام الحزب الواحد بينما النداء حزب ينتمي للنظام الجديد الذي أرسته الثورة بدستورها الجديد.وابن علي ليس هو الباجي قائد السبسي لان الأول جاء بانقلاب وحكم بالعنف والثاني جاء بانتخابات حرة واعلن التزامه بدستور الثورة.

هذا ما قلته قبل الانتخابات وشكك في صحته كثيرون، لا اعتقد انه بامكانهم الان وهم يشاهدون الوحدة الوطنية التي يدفع في اتجاهها حزبنا، وجناح قوي في حزب النداء ، والتقارب التاريخي المتنامي باطراد بين الإسلاميين والدساترة داخل النداء وخارجه يترسخ كل يوم، القدح في سلامة الخيار الذي دافعت عنه، من اجل شراكة تحمي الثورة وتضمن سلامة الانتقال الديمقراطي.

ثمار التوافق

ان ديمقراطية القائمين على اي نظام لا تتقوم بلونهم الأيديولوجي ، ليبرالي أو اشتراكي قديم أو حديث ، إسلامي أو علماني، وإنما بنوع الطريقة التي وصلوا بها إلى سدة الحكم ومدى خضوعهم لسلطة القانون والدستور وحمايتهم للحريات ؟

وواضح ان حكام تونس الديمقراطية ملتزمون بالدستور والقانون ووصلوا إلى سدة الحكم عبر انتخابات حرة وسيغادرون الكرسي يوم يسحب الشعب ثقته منهم في مواعيد محددة .

نحن في تونس رفضنا كل سبيل للاقصاء والتفريق بين التونسيين، مؤكدين ان كل من دخل تحت خيمة دستورنا فهو منا، مواطن يتمتع بكل حقوق المواطنة دون تمييز، وإذا تعلقت به قضية عدوان على احد فهناك القضاء، هناك قانون للعدالة الانتقالية وليست الانتقامية، تقوم عليها هياة منتخبة، له ان يتوجه إليها ، وما عدا ذلك هناك مواطنون يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة ومنها حق الترشح لمختلف الوظائف اللائقة بهم.

اسأل الان في ضوء ما تقدم من تحليل، وانا اشاهد على ارض الواقع ثمار التوافق الوطني الذي كان ضربا من الخيال او الحلم الصعب سنة 2013، اشاهد منذ ايام مسيرة وطنية ضد الاٍرهاب يقودها نداء تونس والنهضة . هل عاد النظام القديم ؟

وهل كنّا على خطإ حين راهنا على الوفاق ورفضنا قانون العزل السياسي، ومددنا أيدينا لخصوم الأمس؟

كلا ، النظام القديم أطاحت به ثورة سلمية عظيمة أطاحت بأركانه وأصنامه :الحزب الواحد والإعلام الخشبي والزعيم المقدس والانتخابات الزائفة والمال المحتكر في عائلة الحكم . اما الأشخاص الذين كانوا منضوين تحت النظام القديم وهم ملايين فنراهم اليوم تحت لواء دستورنا وذلك اكبر نجاح لثورتنا، التي حققت ما عجزت عنه ثورات اخرى تغرق في الدماء والدموع، لانها اختارت تقسيم المجتمع الى قديم وجديد، وثوري صادق وثوري زائف...

من الثورة الى الحرية

كيف فعلت الثورات التي سبقتنا في تعاملها مع القديم ؟ معظم من نجح منها انتهج نهج الوفاق في اتجاه احتوائه في قيم النظام الجديد ، وهو ما فعل مانديلا مع اشخاص النظام العنصري، فلم يمارس الانتقام وإنما الاحتواء والسماحة ، فانتقل راس النظام العنصري نائبا اول له، وكذا انتقل رؤوس النظام القرشي قادة في جيوش الإسلام ، بمنأى من كل انتقام . وإنني كثيرا ما توقفت عند مشهد " اذهبوا فأنتم الطلقاء" باحثا عن موقع ذلك المشهد الرائع في مشاريع قوانين الإقصاء والانتقام التي اتبعت في أكثر من قطر عربي، من قانون اجتثاث البعث وقانون العزل السياسي ..،

وهو ما حملني على التصدي بكل الوسائل لمشروع تحصين الثورة وفصول الإقصاء في القانون الانتخابي لأنصار الحزب المنحل ، وهوما صنع الاستثناء التونسي وانقذ بلادنا من الكارثة وصنع الفارق بين الثورة التونسية وبقية الثورات العربية التي تردت في حروب أهلية بسبب الانقسامات والاستقطابات .

ان الحرية اما ان تكون للجميع أو لن تكون لاحد .لقد احتفلت النهضة بنتائج الانتخابات التشريعية رغم أنها نقلتها من المرتبة الأولى إلى الثانية ، وهنأنا الحزب الفائز غير آبهين بما قيل عنه من انه إعادة إنتاج للنظام القديم .

ونحن اليوم في حكومة وحدة وطنية جمعت على ارضية دستور الثورة كل القوى التي رفضت الاقصاء ورضيت التوافق وتعمل من اجل استكمال أهداف ديمقراطيتنا الناشئة في التنمية ومحاربة الاٍرهاب والفقر والتهميش

لم نتردد في الاحتفال بنتايج الانتخابات ، كما لم نتردد في المشاركة في الحكومة ولو كانت مشاركة غير مكافئة لوزننا الانتخابي لان هدف خطتنا الأول هو نجاح الخيار الديمقراطي أي المحافظة على الحرية راس مالنا الأعظم ، لانه في الديمقراطية ليس من فائز دائم ولا من خاسر دائم بل الجميع في الحقيقة فائزون ما دام الجميع يتمتعون بالحرية ، بحقوق المواطنة، والحاكم الذي لم يحالفه الفوز لا ينتقل من القصر الى القبر او السجن او المنفى وإنما الى مقام آمن فاعل يتهيؤ فيه الى جولة جديدة مشاركا او معارضا . قال تعالى '"وتلك الأيام نداولها بين الناس". 


اترك تعليق