فى القصاص حياة

By : فتحى أبو الورد

أعظم الجرائم فى حق الإنسانية الاعتداء على الإنسان بإزهاق روحه بغير حق ظلما وعدوانا


ولذلك فإن المسلم يبقى فى فسحة من دينه مالم يصب دما محرما كما ورد فى حديث البخارى: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما» .


قال شراح الحديث : إنه يظل منشرح الصدر مطمئن النفس في سعة من رحمة الله عز وجل. طالما أنه لم يقتل نفسا بغير حق .


ولذلك كانت الدماء أول ما يحاسب الله تعالى عليها يوم القيامة .قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء».


وما من جريمة قتل تقع إلا كان على أول من قتل فى تاريخ الإنسانية نصيب من إثمها ، كما ورد فى الحديث أن النبي صلى الليه وسلم، قال: «لا تقتل نفس إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها» رواه البخارى .


ولخطورة القتل فى حياة الناس والمجتمعات عده النبى صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر كما جاء فى الحديث عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، - أو قال: وشهادة الزور - " رواه البخارى .


وعلى المستوى الفردى كان سفك الدماء المحرمة حائلا بين العبد وبين الجنة ، فعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة كف من دم أصابه» .


وقد سأل رجل ابن عباس، فقال: أرأيت من قتل مؤمنا متعمدا له توبة؟ قال: أنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن المقتول يجيء يوم القيامة يحمل رأسه بيده، وأوداجه تغدو دما، ويمسك بيده الأخرى قاتله، فيقول: رب هذا قتلني، ثم قال : قد أنزل الله تعالى هذه الآية، ثم لم تنسخ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .


وأورد ابن بطال فى شرحه لصحيح البخارى أن ابن عمر سأله رجل فقال: إنى قتلت رجلا فهل لى من توبة ؟ قال: تزود من الماء البارد فإنك لا تدخلها أبدًا. يعنى الجنة .وفى أوسع التقدير أن يقال فيمن أصاب كبيرة دون الشرك أن أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .


وكم غاصت أقدام فى بحار من الدماء المعصومة المظلومة ، وكم سالت دماء ظلما وعدوانا من أجل ارتقاء المناصب ، واستتباب ملك زائل ، عند من سقطوا من عين الله تعالى ، وباءوا بالسخط والمقت .ولذلك يسأل القاتل يوم القيامة عن السبب الذى من أجله قتل فلانا ،فلا يجد جوابا حقا يجيب به . ففى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يجيء المقتول يوم القيامة متعلقا بالقاتل، فيقول: يا رب سله فيم قتلني، فيقول: في ملك فلان " رواه أحمد .


وفى حياة الأفراد والشعوب والقبائل عندما يسفك الدم الحرام ؛ فإن الأمور تتأزم ، ويصبح الخروج من هذه المعضلة ضربا من المستحيل ، ولذلك قال عبد الله بن عمر : إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه ، سفك الدم الحرام بغير حله.وهذا واقع فى بلادنا اليوم .


ويقع فى جريمة القتل ويستحق عقوبتها كل من باشر بنفسه القتل ، ومن أعان عليه ، ومن ساعد فيه ، وسهل الطريق إليه ، ومن حرض عليه بأى وسيلة كانت ، وهو ما رواه سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل نفرا، خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة ، وقال عمر: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا» .


ومن ثم كان القصاص من القاتل عمدا حياة للأفراد وحياة للشعوب كما قال الله تعالى "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " البقرة179. قال القرطبى: ((إن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ؛ ازدجر من يريد قتل آخر، مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معًا)).


ولقد جاء القصاص تشريعًا عادلاً لأن فيه طهرة للمقتول وحياة للنوع الإنسانى وتشفٍللمظلوم وعدل بين القاتل والمقتول ، كما قال ابن القيم فى إعلام الموقعين. وقال ابن رشد فى بداية المجتهد : القتل إنما شرع لنفى القتل.وكانت العرب تقول قديمًا : القتل أوفى للقتل أو أنفى للقتل.


وحين يغيب القصاص فى حياة الأفراد والشعوب فلا مكان للحديث عن الأمن ، ولا مجال للحديث عن الحقوق والحريات ، وفى حكم وأمثال الناس : من أمن العقوبة أساء الأدب .


وإن لم يتم القصاص العادل الناجز من القاتل ، فلن يتوقف نزيف الدماء بين العائلات ، ولا بين الشعوب والحكومات .وإن أقصر الطرق لحقن الدماء لهو القصاص . وغير ذلك تدخل الشعوب فى مسلسل من إراقة الدماء لا نهاية له كما كان يحدث فى الجاهلية .


وهذا ما صوره ابن القيم حين تحدث عن مغبة إهمال الناس للقصاص فقال : لولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضًا ابتداءً واستيفاءً فكأن فى القصاص دفعًا لمفسدة التجرى على الدماء بالجناية وبالاستيفاء.


ولذلك كان القصاص – ولا يزال - مطلب أولياء الدماء من القاتل ، ومطلب الشعوب من قاتليها .


اترك تعليق