مدينتي العزيزة (بنغازي)

By :

 

 وكأني بك وقد تجاوزتِ المحن واستلهمتِ من ماضيك العريق دروساً وعبر وأخرجتِ من كنوز ذاكرتك الذهبية حكايات وقصص على نهاية الظالم الغادر الذي داس على المبادئ والقيم، وسلّط المجرمين على الصالحين، والأشرار على الأخيار.
 .
 .
 .
ما ذنبك يا مدينتي إلا أنّك دخلتِ في تاريخ الإنسانية من أوسع أبوابه، وأصبحتِ نموذجاً للمدن الثائرة المجاهدة المناضلة ضدّ نظم الاستبداد وحكم الديكتاتورية، وفجّرتِ معاني الفداء والتضحية في وجدان شعبك الذي تألّم لمصابك، فخرج معك مطالباً بالحرّية والعدالة والكرامة.
 .
 .
 .
أرى الحقائق تُكتب على صفحاتك الخالدة بأحرف من نور، وبمداد دماء الشّهداء من أبنائك.
- من يحبك من أبنائك، ومن يُبغضك من أعدائك.
- من يريد لك الخير والنماء، ومن يزرع فيك الشر والدماء.
- من يلملم جراحك، ومن يمزّق نسيجك الاجتماعي.
- من يزرع المودة والمحبة بين أبنائك من القبائل أو من أهل الحضر، ومن ينشر بينهم العصبية الجاهلية النتنة.
- من يكفيه بأنه من بنغازي، ومن يحاول أن يفرّق بخطاب جهوي ظالم متعصب وأن يجعلها عداوة بين الشرق والغرب.
 .
 .
هيهات هيهات أن تحققوا أهدافكم الظلامية، وأفكاركم الجاهلية وأعمالكم الشيطانية.
 .
يا من دمّرتم البيوت وأحرقتم المنازل، وقصفتم العمائر، وسفكتم الدماء، وهتكتم الأعراض، واغتصبتم مساكن الناس هيهات أن تنجحوا في مقاصدكم الإبليسية وفتاويكم الشيطانية.
 .
يا من نسيتم الدين واللغة والصهر والنسب والأخوّة وتمازج الدماء والتقاليد الحميدة والأعراف الفاضلة، يا من أردتم أن تمحوا ذاكرة التاريخ المعاصر!
 .
 .
وهل خرجت مصراتة وطرابلس والزاوية والزنتان والأمازيغ وأهل الجنوب الشرقي والغربي في ثورة شعبنا إلا مناصرة لأهل بنغازي، ومساندة لنضالها وتوحيداً للصفوف للقضاء على الظلم والاستبداد.
 .
 .
 .
أُبشّركم يا أصحاب النوايا الخبيثة والخطط الجهنّمية، يا من تعززتم بالباطل وبحبال إبليس من عصابة بعض زعماء الدول الشريرة، بأن كيدكم مهما تصورتم وعملتم فهو ضعيف لأنّه من كيد الشيطان، والله سبحانه وتعالى يقول: ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ).
 .
 .
وأُبشّركم بأنّ المصالحة في مدينتي وبلادي ستنتصر على العداوة, وينتصر حقن الدماء على سفكها, و تنتصر لغة الحوار على لغة الرصاص, و ينتصر لمّ الشمل على تمزيقه, وذلك بتوفيق الله ثمّ جهود أبناء وطني من المصالحين الغيورين على إخوانهم وشعبهم.
 .
 .
 .
أمّا أنتِ يا مدينتي الحبيبة والعزيزة والغالية فإنّني على يقين من ربّي وخالقي ومولاي العظيم الذي أمره بين الكاف والنون: ( كُنْ فَيَكُون)، ستزول محنتك وتتجاوزين ذلك بنجاح عظيم فبعد كل محنة منحة من الله العزيز الوهاب، وقد دونتِ في ذاكرتك شهداءك الذين هم (عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون)، وتبقى سيرهم ترويها الأجيال جيلاً بعد جيل.
 .
 .
 .
أرى يا مدينتي ببصيرة المؤمن بأنّ طُرقك قد عمّرت، ومبانيك قد شيدت، ومساجدك قد نُوّرت، بساتينك بروائحها الزكية، وشواطئك يسبح فيها أبناؤنا وأطفالنا وأهلنا آمنين سالمين، وعلماءك في أرجائك منتشرون، وللقرآن مكانة بين أهالي المدينة.
 .
 .
 .
وأما قتلة أهل القرآن وحفّاظه ومعلميه قد هُزِموا وأصبحوا منبوذين، وانتقام الله لأوليائه سيكون حديث الناس، فقد أعلن هؤلاء المجرمون الحرب على الله بقتلهم حفاظ كتاب الله وفي الحديث القدسي: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فإن لم يكن أهل القرآن المخلصين من أولياء الله فمن إذاً يكون!؟، 
.
 .
 .
وأرى جامعتك العريقة تُصبح صرحاً متقدماً في العلم والمعرفة والثقافة والفكر والتكنولوجيا والتقنية وخيرة علماء الإنسانية يدرّسون بها، وخيرة أبنائها يتخرّجون منها.
 .
 .
وأرى انتصار مبادئك وقيمك وحبّك للحرّية والعدالة على من نُزعت منهم الإنسانية وتكلّست نفوسهم وتحجّرت قلوبهم وأصاب الظلام عقولهم: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَام ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ).
 .
 .
أرى من ظُلم من أبناءك وحاول الأفّاقون والكذّابون والمختلقون تشويههم بالبهتان والافتراء، فسينصره الله على رؤوس الأشهاد، ولسوف تضمين أبناءك البررة لصدرك الحنون الذي اشتاقوا إليه.
 .
 .
لا أنساك ولاشعبك مادمت حياً، وهل ينسى الإنسان نفسه ونبض الحياة فيه. 
 .
 .
يا مدينتي العزيزة إنّ أبناء البررة رجالاً ونساءً وشيوخاً وشباباً وأطفالاً لن يتركوا أراملك ولا ايتامك ولا ضعافك ولا المحتاجين فيك، ولا حتى الذين طغوا فأنابوا، و أخطئوا فتابوا، وتجبروا فانكسروا، واستهواهم المستبد والديكتاتور فندموا.
 .
 .
بنغازي تعني وحدة البلاد، والتراحم بين العباد، ولملمة الجراح، والمواساة بين الليبيين في الداخل والخارج، وتحرص على عودة المهجّرين أينما كانوا.
 .
 .
بنغازي تعني العزّة والنماء والكفاح والنّضال والجهاد واحترام الإنسان أيّ إنسان.
 .
 .
بنغازي تعني لمّ الشمل، وسيادة البلاد ووحدة ليبيا وتضميد الجراح بين الإخوة، فكلّ أبنائها فيك من القبائل والحضور والمرابطين.
 .
 .
بنغازي لا تفرّق بين أبنائها بقبيلة أو لون أو حسب أو نسب، يكفي أنه من أبنائها سواء ولد فيها أو من سكّانها، مادام عاش في ضواحيها واستنشق هواها، وتعلم ثقافتها وأعرافها الحميدة وتقاليدها الرشيدة.
 .
 .
بنغازي، مدينة الملاحم، قديماً وحديثاً وأبناؤها طلاباً للشهادة ولا يرضون الضيم والظلم والاستبداد والديكتاتورية.
 .
 .
بنغازي أبناؤها عمّار لها ولبلادهم، ومحبّين للحياة ومتسامحين مع أنفسهم والآخرين ومعتزّين بمساجدها وخلواتها ومدارسها ونواديها ومزارعها وبساتينها وشواطيها وضواحيها وبألوان الطيف التي فيها.
من البدو والحضر والشرق والغرب والجنوب والشمال والعرب والعجم.
بنغازي، 
.
 .
تتمسك بدينها وعقيدتها وإسلامها وقيمها وتفتخر بحضارة شعبها وأمّتها وتاريخها المجيد.
 .
 .
إنّ الذي خلقها لن يتركها ولا وطنها الكبير، وشعبها الذي تتألّم لمصابه وألمه وأحزانه من شرقها إلى غربها وجنوبها لشمالها.
  _ قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُالْكَافِرُونَ).
  _ وقال تعالى: (وَمَنْ يَقْنَط مِنْ رَحْمَة رَبّه إِلَّا الضَّالُّونَ).
  _ وقال تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).
 .
 .
 .
وقال الشاعر أستاذي وشيخي ومعلمي السيد راشد الزبير السنوسي قصيدة في بنغازي:
هواك لم تسعه العيون ***** وحبّك ناء به العاشقون
 أيا قطعة من حنان السماء *****سقتها الهوى وحبتها الفتون
 فأنت الجمال وفيك الإباء *****وحولك قد درج الخالدون
 وأرضك تاريخها في الكفاح *****ملامح سطّرها الظافرون
 نسيجاً من البذل والمكرمات ***** ومجداً يتيه على العالمين
 بنغازي يالك من غادة ***** تحدّث على الدهر ظلم السنين
 تنام.. تهدهدها الموجبات ***** وتسري بأحلامها في سكون
 وتصحو فيحضنها البحر شوقاً ***** وفي موجه لحن حبّ دفين
 ويسري لآفاقها البدر حتّى ***** يُمنّي هواه بقلب حنون
 وعطر تعلّق في نسمة ***** سرت في الفويهات بالياسمين
 فقل للتي بادلتني الحديث ***** رقيقاً كترنيم ناي حزين
 رويدك يا حلوتي فالقلوب ***** لكم خفقها رغم ماتنكرون
 وكم كابدت ما عتاب الصحاب ***** وقد هجرت فيكم الأقربين
 ولكنّني لست أنسى البلاد ***** فحبّي لها فوق ما تعلمين
 فلا تجرحي شاعراً في هواه ***** لكي لا يريك الذي تنكرين
.
 .
 .
اللهم، أجعل الفرج للعباد والبلاد وأصلح ذات بيننا واهدنا سُبل الرشاد، ياعزيز يا وهّاب، اللهم ولّ أمورنا خيارنا ولا تولّها شرارنا..
 


اترك تعليق