روسيا وثوار سوريا والعشق الممنوع

By : أحمد موفق زيدان

بعد أسابيع على الغزو السوفياتي لأفغانستان 27 ديسمبر 1979 وبينما كانت ثورة الإخوان المسلمين مشتعلة ضد طاغية الشام المؤسس حافظ أسد فوجئت موسكو بعملية فدائية استهدفت خبراءها فقتل العشرات منهم، تكتمت يومها موسكو على الخبر، بينما هللت الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين صاحبة العملية، والتي أتت ضمن أربع عمليات فدائية استهدفت مفاصل النظام السوري يومها، بيان الطليعة ربط العملية وتوقيتها بما يجري في أفغانستان، لكن العقل الباطن للطليعة وللإخوان يومها يؤمن جازماً أن الهدف موسكو لكونها ظهيراً حديدياً لعصابة أسد، لاسيما أن ثورة الخميني لم تكن بعد قادرة على حماية نفسها فضلاً عن دعم غيرها.


ابتلعت موسكو يومها الإهانة فلم تشأ التعليق أو الرد لانشغالها بأفغانستان أولاً وثانياً لعدم رغبتها بفتح جبهة جديدة عليها يشارك فيها الإخوان وربما إسلاميون آخرون وبمناطق قد تكون ذات مصالح سوفياتية حيوية، وهي ما لا تقوى عليه في ظل ثورة سورية أفغانية حافزها الإسلام، وهو ما يهدد حزامها الرخو بآسيا الوسطى.


انتهت ثورة الإخوان والطليعة في سوريا مبكراً لعجز الشعب عن فهم وإدراك خطر العصابة التي تحكمه، وعجز الثائرين عن توسيع قاعدة الثورة من ثورة تنظيمية إخوانية إلى ثورة شعبية كما هي اليوم، وفضلاً عن ذلك الافتقار إلى الدعم الجواري الحقيقي بإسقاط العصابة الطائفية، وهو ما يدفع السوريون والجوار العربي والإسلامي اليوم ثمناً باهظاً، والله وحده من يعلم كم عليه أن يدفع في قابل الأيام بعد الغزو الروسي، وتوقع دخول أطراف دولية قد تكون الصين من بينها تحت ذريعة محاربة الحزب الإسلامي التركستاني.


ربما هذا عزز علاقة الثنائي موسكو مع أسد نظراً لعدوهما الإسلامي المشترك، فموسكو ترى في إسلاميي أفغانستان هدفاً خطيراً وأسد يرى في الإخوان والطليعة خطراً وجودياً، فوقف أسد مع موسكو في غزوها على أفغانستان، ليضع ديناً كما نُقل عنه في رقبتها ستسدده يوماً ما، وقد جاء أوان سداده.


انتهت ثورة الإسلاميين في سوريا نهاية مأساوية، فاعتقل عشرات الآلاف منهم وتشرد عدد مماثل، وعاشت البلاد بسجن كبير لا يدانيه سجن أنور خوجا أو الجدار الحديدي الستاليني، إلى أن انتفض الشعب كله في ثورة عارمة لكن بعد أن تفشى السرطان الطائفي في كل الجسد السوري، وأمسك بخُناقه، فكانت المستوطنات الطائفية تزنر كل المدن والقرى السنية، بأسوأ ما تقاسيه المدن والبلدات الفلسطينية.


لم يفقد كثير من الإسلاميين في سوريا أملهم، فهاموا على وجوههم في ديار الله الواسعة لكن نجحوا بشكل استثنائي في الحفاظ على كيانهم، إذ درس شبابهم في أرقى الجامعات وتبوؤوا أفضل المواقع والمناصب فضلاً عن قدرة تنظيمية إخوانية هائلة في توفير كل الشهادات والوثائق المدنية التي يحتاجها أفرادهم، متحدين حرب الوثائق التي شنها النظام عليهم، فانتقموا منه عبر العلم والترقي في المناصب، مع المحافظة على هويتهم، فكانوا بمثابة الجوزة العصية على الكسر، فلم يتمكن النظام من كسر إرادتهم رغم حربه الضروس، فكان قصارى همه أن يعيدهم إلى سوريا فرادى ويرغمهم على تحمل مسؤولية أحداث مجزرة حماة وغيرها من مجازر الثمانينيات، فخاب فأله.


اتجهت قيادة الإخوان المسلمين في سوريا إلى أفغانستان لتقدم مشورتها للمجاهدين الأفغان وتنسق معهم، بينما آثر بعض شبابها النفرة لقتال القوات السوفياتية فكان أن وصل بعضهم إلى مزار الشريف كالشهيد أبي حامد السرميني رحمه الله حيث كان يعمل على مضاد طيران فاستشهد على ثراها، وفضل آخرون من حماة البطلة التوجه إلى وادي بنجشير ليشاركوا يومها بمعركة فاصلة إلى جانب القائد أحمد شاه مسعود ضد القوات السوفياتية والتي تكبدت يومها خسائر فادحة، ووجد آخرون الفرصة مواتية أكثر للانتقام من الدعم الروسي لأسد بالمشاركة في معركة جاجي الفاصلة في رمضان المبارك من عام 1987 وذلك ضد قوات السبيتناز وهي القوات السوفياتية الخاصة، وقد أبلوا بلاءً حسناً فيها، وحين يُذكر مشاركة أهل الشام في القتال بأفغانستان ينبغي أن يذكر بأحرف من ذهب رضوان طباع أبوأسيد الذي أتقن الفارسية كأهلها حتى إنه كان يرى مناماته باللغة الفارسية، وأصبح علماً من أعلام الجهاد الأفغاني في مزار الشريف وبلخ.


أكاد أجزم أن هذه وربما أضعافها كانت على مكتب بوتن حين اتخذ قراره بغزو الساحل السوري واقفاً إلى جانب طاغية الشام ليهدد بذلك دول الجوار الأقرب والأبعد والذين سيدفعون ثمناً باهظاً لخذلانهم وتلكئهم بنصرة الشاميين، لكن ينبغي الإشارة إلى أن هذا الغزو كان موجوداً منذ اليوم الأول لوصول طاغية الشام المؤسس حافظ، اليوم وحين بدأت طلائع الغزو الثاني بالوصول إلى الساحل أعلنت معظم المعارضة الإسلامية والائتلاف معارضتهم للخطوة ووصفوه بالغزو، بينما سارع جيش الإسلام إلى الرد العملي بتدميره طائرة شحن روسية، وبقصف السفارة الروسية بدمشق، وما تردد عن نحر ضابط روسي في حماة، فما ينبغي أن يُستدعى اليوم ذكريات أفغانستان بغرمها على الروس وغنمها على المسلمين.


لعل الفارق بين غزو أفغانستان وغزو الشام، هو في الصمت والتواطؤ الدولي الرهيب على الغزو الثاني مقارنة بالرد العنيف على الأول، بالإضافة إلى إمكانية أن يجرأ هذا دولاً أخرى على الحذو حذوه لتصفية حساباتها مع مواطنيها المقاتلين في الشام، فالغرب ربما تعلم من درس أفغانستان خطورة وقوفه إلى جانب الإسلاميين لكن الروس لم يتعلموا بعدُ من فداحة وقوفهم مع الطغاة، فهل نحن على أبواب الملاحم التي ذكرها نبينا عليه السلام حين تغزو الشامَ جيوشٌ على ثمانين غاية مطالبين بتسليمهم رعاياهم فيقول لهم المجاهدون والله لن نسلمكم إخواننا؟!


اترك تعليق