وداعا عبد الهادي التازي..

By : سليمان الريسوني

لست أدري كيف مات عبد الهادي التازي، رحمه الله، لكنني أحدس أنه عاش موته الخاص كما الفاكهة، لا تسقط إلا عندما تبلغ كامل نضجها، بتعبير الشاعر الالماني، راينر ماريا ريلكه، الذي يضيف: "ياربِّ هَبْ كل واحد موته الخاص.. موته النابع من حياته الخاصة"( O seigneur donne à chacun sa propre mort.. sa mort qui vienne de sa propre vie).

لست أدري كيف مات عبد الهادي التازي، لكنني متأكد من أنه ظل يقرأ ويسأل ويتفرس الوجوه.. حتى امتلأ وطابَ فأسبلَ أهداب عينيه، كما الشمس وقت المغيب. غابَ بعد أن عاش موته الخاص، هو الذي لم تكن له حياة خارج الكتب. لقد كان، بالتعبير المغربي الدارج، "يموت في الكتب".

عاش الرجل بأسلوبه الخاص: تلميذا ومعلما. وهو أستاذٌ أو مؤرخٌ أو ديبلوماسيٌ، كان الدكتور عبد الهادي التازي يحرص على التَّعلُم والتعليم، على الاستفادة والإفادة. يَسألُ ويُنصتُ حتى لمن هم أقل منه شأنا وسنا وعلما وتجربة، وعندما يُسأل، لا يبخل بالفيء بما لديه من علم وارف القطوفِ.

في أول لقاء جمعني به، قبل ثلاث سنوات، في منزله بالرباط، حكى لي كيف أنه بعد تعيينه سفيرا للمغرب في طرابلس في 1967، وجد نفسه يهجر إقامة السفير ويولي جنوبا شِطر الصحاري المقفرة، في رحلة بحث علمي فريدة؛ فبمجرد ما قدّم أوراق اعتماده للملك ادريس السنوسي، أخبره بوجود مخطوط نادر لصحيح البخاري، منسوخ بخط يد أبي علي الصّدفي، وكان هذا المخطوط الفريد قد انتقل من غرناطة إلى فاس ومنها إلى الحجاز ومصر والشام، ثم إسطنبول قبل أن يستقر به المقام في طرابلس، ومنها إلى واحة الجغبوب في الصحراء الليبية. عندما انتهى، قلت في نفسي: العالِمُ الحقيقي، حتى عندما يشتغل بغير العلم، لا ينشغل إلا بالعلم.

في زيارة أخرى، أخبرني الفقيد العزيز بأنه بعد تعيينه سفيرا في بغداد، قرر، بالرغم من مسؤولياته الديبلوماسية والعائلية، أن يعود إلى مقاعد الدرس لتعلم اللغة الانجليزية، بعدما تبين له أن فرنسيته التي تعلمها في سجون الاحتلال على يد سجين فرنسي، لا قيمة لها في الشرق العربي. وبالرغم من أنه عاش فترة اضطرابات وانقلابات في العراق، فقد بقي الرجل يحفظ الود لأهل دجلة والفرات، ولا أدل على ذلك من أنه أطلق على منزله بالرباط اسم "فيلا بغداد".

عدتُ إلى زيارة المرحوم عبد الهادي التازي ببيته مرتين أخريين، وتحدثتنا عبر الهاتف مرات عديدة، كانت آخرها عندما كنت أجري حوارا من سلسلة "كرسي الاعتراف" مع الاعلامي خالد مشبال، حيث تحدث لي عن ظروف عودة امحمد الخطابي، شقيق محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى المغرب. اتصل بي نجل الدكتور عبد الهادي التازي، على غير العادة، يخبرني أن والده يريد التحدث إلي. ورغم أنه كان طريح الفراش فقد حكى لي، بأفكار دقيقة ومفصلة، كيف أنه رتب، مع الملكين ادريس السنوسي والحسن الثاني، رجوع الأمير امحمد الخطابي إلى الرباط، بعد أن عاده بأحد مستشفيات طرابلس ووجد به شوقا للعودة إلى بلده المغرب.

بالرغم من ثقله العلمي، كان عبد الهادي التازي خفيف الظل، يعرف أن المواضيع الكبيرة لا تليق بالمجالس العابرة، وكم كان يطيب لي أن أنبش في سيرته الغنية عن تفاصيل تجعلني أستلقي على قفاي ضحكا، ومن ذلك أنه في أول حصة درس له بالمدرسة المولوية، كان ينادي على التلاميذ بأسمائهم، فنطق اسم محمد بن لحْسْن (بتسكين كل الحروف) ليفاجأ بالأمير سيدي محمد (محمد السادس) يمثل واقفا؛ وكذا عندما تم تعيينه سفيرا للمغرب في الإمارات، حيث وضعته الطائرة في مطار وسط الصحراء وعندما تابعت إقلاعها بدأ يلوح لها راجيا متوسلا عدم تركه في الخلاء، قبل أن يشاهد من بعيد شخصا يتأبط نعله وسط الرمال ويلوح له مطمئنا إياه. أما تجربته في السجون الفرنسية، فكان يحكي عن قسوتها بمرح منقطع النظير.

يقول نيتشه: "أميل إلى تصنيف الفلاسفة حسب جودة ضحكهم، واضعا في أعلى مرتبة أولئك الذين يقدرون على الضحك الذهبي". لقد كان الدكتور عبد الهادي التازي، رحمه الله، من هذا النوع من العلماء والفلاسفة الذين ينقلون إليك العِلم الرصين بمرح خفيف مشوب بالضحك الراقي. الضحك الذهبي.


اترك تعليق