المصاهرة والزواج

By : محمد عمارة

إذا كان الحديث عن "صهر" المعادن، فإن معنى "الصهر" يكون -كما هو معروف- إذابة المواد والأجزاء والعناصر حتى تختلط وتندمج جميعا، وتبلغ في هذا الاختلاط والاندماج درجة الذوبان والاتحاد.

وإذا كان الحديث عن "المصاهرة" التي تكون رابطا أسريا وتصنع الأسرة -التي هي اللبنة الأولى في المجتمع والأمة- فإن القرآن الكريم يقصد المعنى ذاته، ويريد أن يقول لنا إن المصاهرة رباط إنساني يجمع ويوحد، حتى ليكاد أن يبلغ بالمتعدد إلى درجة الوحدة، وبالمتفرق إلى درجة الاندماج، وبالذين جمعتهم المصاهرة إلى الذوبان في كيان واحد، وهو كيان الأسرة الجديد.

ومثل مصطلح "الصهر" و"المصاهرة" في القرآن الكريم نجد مصطلح "النسب" الذي يعني -هو الآخر- إنشاء الروابط والعلاقات والوشائج التي تصنع كيانا إنسانيا جديدا، هو الأسرة، حيث تتقارب فيه الذوات وتختلط المشارب وتتشابك التوجهات، مكونة بناء جديدا قد انصهرت فيه الحواجز والسدود وذابت!

بل من ذا الذي لا يملك هذا المعنى السامي عليه لُبّه عندما يقف أمام الآية القرآنية الكريمة التي جمعت المصطلحين معا: "الصهر" و"النسب"، فجعلتهما ذات الإنسان والهدف من خلق الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان: (هو الذي خلق من الماء بشر فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) "الفرقان 54".

نحن نعلم ونتعلم أن الإنسان مدني بطبعه، أي اجتماعي بجبلته، ولذلك كان الاجتماع البشري، وتكوين الروابط الاجتماعية ضرورة وحتما، لكن، قبل هذه الدرجة في سلم الاجتماع، فالإنسان "نسب" و"صهر"، ومن "النسب" و"الصهر" تتكون "الأسرة" لبنة المجتمع الأولى، ووحدته الأساسية، كما يعلمنا القرآن الكريم، وكما تشهد تجارب الإنسان المتحضر عبر تاريخه الطويل.

وإذا كان اقتران آدم بحواء هو الرمز والتجسيد لبدء تكوين تلك الأسرة "بالنسب والمصاهرة"، فإن القرآن الكريم يقف بنا أمام تلك العلاقة وقفة نتعلم منها ما لا نتعلمه من كتاب سواه.

وإذا كانت "السكينة" والطمأنينة هي أرقى ما تطمح إليه النفس الإنسانية في هذه الحياة الدنيا وفيما وراءها، فإن القرآن الكريم يحثنا على أن تكون العلاقة الزوجية "سكنا" و"سكينة" بين الأزواج، يسكن الإنسان إلى زوجه فيجد في "النسب والمصاهرة" السكينة التي تطمح إليها النفس وتشتاق إليها القلوب.

ولعظم الهدف، وجلال الأمر، ولأنه هو نقطة البدء في ذلك البناء العظيم: أسرة، ثم أمة، لذلك كان "آية" من آيات الله في الكون والإنسان، (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) "الروم 21"، فالنسب والمصاهرة رباط مقدس، يحقق للرجل السكن والسكينة لدى زوجه، وبالمودة والرحمة يدوم السكن والسكينة وتسعد النفوس.

وحتى لا ييأس أحد من إمكان بلوغ الحياة الزوجية هدفها هذا، يحدثنا القرآن الكريم عن خلق الله سبحانه وتعالى للناس، ذكورا وإناثا "من نفس واحدة"، فوحدة الأصل، والوحدة في "النفس -الذات- دافع ومعين على أن يعود الإنسان -زوجا وزوجة- إلى إقامة ذلك الكيان الأسري، الذي تكون فيه الزوجة سكنا لزوجها، والذي تتحقق فيه وبه "السكينة" لنفسيهما، وذلك عندما يحقق "النسب" بينهما الوحدة والانصهار:

 (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) "الأعراف 89"، فكأنما "بالنسب والمصاهرة" تعود "وحدة النفس" بين الزوج وزوجته، كما كانت في الأصل، عندما خلق الله الإنسان!


اترك تعليق