من مكتبة القرضاوي العبادة في الإسلام

By : حسن فوزي الصعيدي

 كتاب (العبادة في الإسلام) هو ثاني مؤلفات الإمام القرضاوي حفظه الله، وتعود طبعته الأولى إلى عام 1960م. وهو من الكتب التي تدور في فلك ترشيد الأمة وتوجيهها، وتصويب بعض المعتقدات الخاطئة وتصحيحها، حول أصول الإسلام ومبادئه، ومفرداته وشعائره، حيث يتحدث فضيلته عن (العبادة) كما يراها الإسلام، وكما تنطق آيات القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة.


بدأ فضيلة الشيخ كتابه بطرح الأسئلة الخالدة، أو الأسئلة المصيرية الكبرى: من أنا؟ ومن أين جئت؟ ولماذا وُجدت؟ ومن أوجدني؟ وما مهمتي في الوجود؟ وما مصيري بعد أن وُجدت؟ وإلى أين أذهب بعد الموت؟
ثم تحدث فضيلته عن حقيقة العبادة، فهي كمال الطاعة والخضوع والإذعان، مع كمال الحب والرضا والتسليم. وأن العبادة تشمل الدين كله، وتسع الحياة جميعها. ويؤكد فضيلته أن تقسيم الفقهاء لمباحث الفقه، وجعل الشعائر تحت مسمى العبادات، وغيرها تحت مسمى المعاملات: لا يعني أن المعاملات ليست جزءا من العبادات، بل على المسلم أن يمتثل أوامر الله في كل ما شرع، وأن ينتهي عن كل ما نهى عنه.


على المسلم أن يلتزم الصدق والأمانة، وحسن الجوار، والوفاء بالوعد، وبر الوالدين، وصلة الرحم، ومحاسن الأخلاق كلها، وأن ينتهي عن الكذب والخيانة، ويجتنب الزنا والربا والخمر... إلى غير ذلك. فهذا من صميم العبادة. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163].


فالعبادة انقياد لمنهج الله وشرعه في كل مجالات الحياة، فليس بعابد من قال أقيم الصلاة، وأؤدي الزكاة، وأصوم رمضان، وأحج البيت، لكنني حر في أن أشرب الخمر، وآكل الربا، وأمارس الزنا! هو بذلك عبد نفسه يأخذ من الدين ما شاء، ويترك ما يشاء. وكذلك من تبنى منهجا يخالف ما شرعه الله ليس عبدا خالصا لله.


ويذكر الشيخ القرضاوي أن الإسلام قد فسح مجال العبادة، ووسع دائرتها، فكل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام من أفضل العبادات، فمسح دمعة المحزون، وتخفيف كربة المكروب، وتضميد جراح المنكوب، وسد رمق المحروم، وشد أزر المظلوم، وإقالة عثرة المغلوب، وقضاء دين الغارم، وتعليم الجاهل، وإطعام الجائع، كل ذلك عبادة قد شرعها الإسلام وحث عليها، ما دام صاحبها لا يرجو بها ثناء الناس، واكتساب السمعة الزائفة، وإنما يبتغي بها وجه الله والدار الآخرة.


بل عمل الإنسان في معاشه، وكسبه للسعي على عياله، وإتيان الرجل زوجته عبادة، ما دام المسلم في ذلك يتعفف عن سؤال الناس، ويعف عن الوقوع في الفواحش.


بعض الناس يرون أن أفضل العبادة أشقها على النفس، وبعضهم يرى الزهد والتقشف، والبعض يقول إن أفضلها ما تعدى نفعه، ولكن الصحيح أن لكل وقت عبادته، فالأفضل في وقت السحر الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، وعند وجوب الجهاد مباشرة القتال، وعند قدوم الضيف القيام بحقه وإكرامه، وعند مرض أخيك المسلم عيادته والدعاء له.


ويجيب فضيلته عن سؤال مهم: لماذا نعبد الله؟


فيقول: إن الإنسان كما يطلب من الطعام والشراب والنوم غذاء بدنه وراحته، فإن غذاء روحه التي صار بها إنسانا مكرما: في عبادته لله. تلك العبادة التي تمده كل يوم بإشراق النفس، وسعادة القلب، فليس عند القلوب السليمة، والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أنعم من عبادة خالقها والأنس به، والشوق إلى لقائه.
كما أن عبودية المؤمن لله هي عين حريته، فهي تعتق قلبه من رق المخلوقين، وتحرر نفسه من الذل والخضوع لكل ما سوى الله جل جلاله.
والعبادة ابتلاء إلهي يصقل المؤمن، ويهيئه لما أعده له من النعيم في الدار الآخرة، فإذا كانت الحياة الدنيا لا تعطي حصادها إلا لمن زرع، ولا تبذل جناها إلا لمن غرس، ولا ينال المرء منها غايته إلا بتحمل المشقة، وبذل الجهد، فكيف بدار الخلود وجنة النعيم؟


وتحدث الشيخ عن الإصلاح الإسلامي في مجال العبادة، مقررا قواعد منها:
• ألا يعبد غير الله.


• تحرير العبادة من رق الكهنوت، وأسر الكهان، وقيود الواسطة، كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[البقرة:186].


• أساس قبول العبادة هو إخلاص القلوب بها لله رب العالمين، وألا يعبد الله إلا بما شرع، متابعة لمنهج النبي محمد صلى الله عليه وسلم.


• الإسلام جعل العبادات متوازنة بين الروحية والمادية بميزان القسط؛ بلا غلو أو تقصير، وبلا رهبانية أو إباحية.


وختم الشيخ الكتاب بالحديث المستفيض عن عبادات الإسلام وشعائره الكبرى: (الصلاة- الزكاة- الصوم- الحج) مبينا حقيقتها، وروحها، وأسرارها، وأهدافها، وفضائلها.


اترك تعليق