314 ثلاثمئة وأربعة عشر

By : محمد أحمد حمود

ليس للرقم ثلاثمئة وأربعة عشر علاقة بما عند بعض الطوائف الأخرى كـ رقم 313 المتعلّق بظهور ما يسمّى المهدي، لأنه لا مهدي يُنتظر بعد رسول الله محمد ﷺ خير البشر – ليس المجال إثبات ذلك ونتركه لمقام آخر – فباختصار فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء، ولم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول، ولا بين التابعين، وأصل من تبنّى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا، وهو الإمام الثاني عشر: محمد بن الحسن العسكري، فسرَت هذه الفكرة وهذا الاعتقاد، بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنة، فدخلت في معتقدهم، وهي ليست من أصل عقيدتهم.


 وقد أنكرها بعض العلماء كـ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج، وابن خلدون في المقدمة وأبو الأعلى المودودي في رسالة اسمها البيانات عن المهدي.


وسبب ذلك أنه لا يوجد أي ذكر لما يسمّى بالمهدي في القرآن الكريم، وكل ما ورد من أحاديث عنه لم يأخذها البخاري ومسلم، ولم يدخلاها في كتابيهما، مع رواجها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم ثبوتها عندهما، مما جعل المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ، وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته، وليست من كلامه.


كما أن الرقم 314 الذي أعنيه ليس ما حصل في عام 480 قبل الميلاد عندما قام 300 محارب من مملكة (إسبرطة) اليونانية بصد جيش جرار يتكون من أكثر من 50 ألف مقاتل فارسي خرجوا لاحتلال بلاد اليونان .


ورغم أن المعركة انتهت بمقتل جميع المحاربين الثلاثمائة في وادي (ثرومبلاي) على سواحل اليونان، إلا أن الإغريق لا يزالون يحفظون لهؤلاء الابطال بسالتهم وتضحيتهم، وبات (ليونايدوس) قائد هذه الكتيبة الفدائية بطلاً قومياً في اليونان إلى يوم الناس هذا، بل وأُنتج فيلماً سينمائياً حول هذا الموضع بعنوان 300 للكاتب فرانك ميلر أُصدر عام 2007 للمخرج زاك سنايدر، وحقّق نسبة نجاح عالية وباهرة في العالم وبجميع اللغات.


وعلى الرغم من تضخيم اليونان لهذه القصة ومزجها بالأساطير الإغريقية القديمة إلّا أن لهم كل الحق بتعظيم أبطالهم الذين صدّوا غزو جيش جرار من الغزاة الفرس (حتى ولو كان عدد الجيش الفارسي مبالغا فيه من الناحية التاريخية).


ولكن الشيء الثابت تاريخياً، أن هناك 314 رجلاً ظهروا بعد تلك الحادثة بألف سنةٍ، لينتصروا في معركة فاصلة في تاريخ البشرية غيرت خارطة العالم إلى الأبد، ليدمروا بانتصارهم هذا الإمبراطورية الفارسية، ثم تندحر بعدها الإمبراطورية الرومانية العظمى بفضل ذلك الانتصار بالتحديد.


314 رجلاً فقط غيَّروا مسار التاريخ في ملحمة إنسانية خالدة فرَّقت بين الحق والباطل إلى يوم القيامة، سمّاها الله في كتابه الكريم بيوم الفرقان، فكانت هذه المعركة وبحق أعظم معركة عرفتها الإنسانية على مر العصور والأزمنة، وكان هؤلاء الفرسان أعظم فرسان عرفتهم البشرية إنها معركة بدر الكبرى، التي سُمي أبطالها باسم البدريين.


وربما يقول قائل أن هؤلاء الرجال الــ314 مجاهد إنما قاموا بالانتصار فقط في معركة محدودة في بقعة مجهولة في صحراء العرب لا تكاد ترى على الخارطة، و أن الإمبراطورية الفارسية الساسانية سقطت بعد ذلك ب20 عاماً و بالتحديد بعد معركة نهاوند في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، و أن الإمبراطورية البيزنطية سقطت بعدها بأكثر من ثمانية قرون في عهد محمد الفاتح رحمه الله.


ولكن تصور معي أن كسرى الفــرس وقيــصر الــروم كـانـا يعلمان بأمر أولئك الفرسان الـ314، وما سيمثلونه بعد ذلك من تهديد لإمبراطورياتهم الضاربة الجذور في عمق التاريخ، فهل كانت جيوش الفرس والروم ستتركهم وشأنهم؟


هل كانت دعوة محمد ﷺ ستصل إليَّ و إليك لو أن هؤلاء الرجال تقاعسوا قيد أنملة عن التضحية والفداء؟


بل هل كانت الإنسانية تستحق الوجود أصلاً إذا ما هُزم هؤلاء الرجال؟


إذا كنت تعتقد أن معركة بدر كانت مجرد معركة وقعت بين 314 رجلاً من المسلمين و 1000 رجل من الكفار،  فاستمع إلى قول الصادق الأمين محمد ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى في أمر تلك الكتيبة البدرية، فقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه عالياً في السماء وأخذ يناجي ربَّه قائلاً: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض)


هل عرفت قيمة هؤلاء الـــ314 الآن؟


 هل كنت ستعرف شيئاً عن الإسلام من دونهم؟


 هل تحفظ أسماء هؤلاء الكبار الذين غيروا مجرى الإنسانية؟


 هل تعرف أسماء 100 منهم ،50 منهم ،20 منهم؟


 هل تعرف أسماء الـــ14 شهيداً من هؤلاء الفرسان الذين استشهدوا ليصل هذا الدين إليك وانت جالسٌ في بيتك؟


 هل قرأت أو سمعت في حياتك الطويلة عن رجل اسمه (معوذ بن عفراء)؟


كانت هذه مجرد سطورِ قليلة عن أعظم جيش عرفته الإنسانية منذ نشأتها، علم الله بصدق ما في قلوبهم، فأمدهم بجيش من الملائكة مسوَّمين يقاتلون معهم في المعركة، فأمدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة هم أعظم ملائكةٍ في التاريخ، لا لشيءٍ سوى أنهم شاركوا البدريين في هذه المعركة الخالدة.


اترك تعليق