عوائل كاملة أبيدت وعدد الضحايا تجاوز الألفين نصفهم من النساء والأطفال

By : يمنى الدمشقي


امتلأت أجندة الثورة السورية بعدد من المجازر، ففي مثل هذه الأيام قبل عامين شهدت قرية البيضا الواقعة في بانياس في محافظة طرطوس، المجزرة الطائفية الأكبر في سوريا والتي نفذت على مدار يومي الثاني والثالث من شهر أيار/مايو من عام 2013، وراح ضحيتها 400 شخص نصفهم نساء وأطفال من أهالي قرية البيضا، و400 آخرين من رأس النبع، و77 شهيدا بقرية البساتين بحسب الناشط أحمد أبو الخير، في حين اقتيدت أعداد كبيرة من أهالي هذه القرى وخاصة قرية البساتين إلى القرى العلوية المحيطة، في حين تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش عن إعدام ما لايقل عن 248 شخصا على يد قوات النظام، مشيرة إلى أن هذه المجزرة تعتبر من أكثر الجرائم وحشية ودموية في سوريا.


وأضافت المنظمة في تقريرها أنه لم يتسن لها إجراء شهادات بعدد كافٍ، فيما قال من شهد المجزرة وكانت له فرصة البقاء على قيد الحياة أن هذه الأعداد قليلة جداً مقارنة بما حصل، حيث أن القرى أبيدت بأكملها ولم يبقَ فيها أحد وتخطت الأعداد ألفي ضحية نصفهم من النساء والأطفال.


يقول أنس وهو أحد الفارين من المجزرة ان قرية البيضا حوصرت يوم الخيمس في الثاني من شهر أيار/ مايو عام 2013، وبدأ إطلاق الرصاص الكثيف من قبل قوات النظام والشبيحة منذ الصباح الباكر لإثارة الهلع والرعب بين الأهالي، إلى أن بدأت قوات النظام باقتحام البيوت بعدما دخلت القرية من ثلاثة محاور رئيسية، وهي جهة الثكنة العسكرية الموجودة على كتف الجبل، ومحور ما يسمى بوطى البيضا، والمدخل الرئيسي.


ودخلت هذه القوات بقيادة علي كيالي، ومفتي الطائفة العلوية بدر غزال، والعميد حسن خليل، مصطحبين معهم قوات من الدفاع الوطني التابعة لهلال الأسد والمدعومين بالشبيحة الآتين من القرى العلوية المحيطة وهي قرى كوكِب، والزوبة، والجريسية، والمورد، وبيت العتيق، وضهر بيت الشيخ علي، وتعنيتا، وقاموا بجمع عدد كبير من الأهالي في مقهى القرية وأعدموهم جميعاً ثم حرقوهم، وتابعوا مسيرهم إلى البيوت لينالوا من كل امرأة وطفل وشاب، ويضيف أنس أن العدد تجاوز 800 شهيد، حيث أن هناك عائلات بالكامل أبيدت ولم يبقَ منها أحد.


وأكد أنس أن الشبيحة كانوا يدخلون على المنزل فيسألون الأم أي أبنائك تريدين أن نذبح أولاً، ويذبحون الجميع أمام عينيها، ويقتلونها في النهاية، مرفقين ذلك بأقذر الشتائم الطائفية، وبعد مرور عدة أيام على هذه المجزرة سمحوا للهلال الأحمر بالدخول إلى القرية، ثم أحضروا أناساً من نفس القرية لكنهم يسكنون في مناطق أخرى، وقالوا لهم إن هؤلاء من ارتكبوا المجرزة! قتل أغلب من كان في القرية، وتمكن أنس من النجاة من مجزرة رأس النبع ليكون شاهداً على الإجرام الذي ارتكب بحق العائلات الفقيرة هناك، ويقول أنس إن لاذنب لها سوى أنهم من الطائفة «السنية».


«كل لحظة بتنعاد هي ذكرى، الذكرى ما بتنتسى، هن على طول ببالي، بس أنا بحاول إتناسى كرمال ولادي اللي بقيوا» بهذه الكلمات بدأت أم محمد حديثها مع «القدس العربي» وهي تحكي ما جرى في ذلك اليوم، مفضلة أن تكنى بأم الشهداء لا بأم محمد، لم تفارقها الغصات طوال حديثها، لم تنس حتى الآن وجه القاتل، ولا برودة أعصابه عندما كان يجهز على ضحاياه، لم تنس الساعة التي ذبح فيها زوجها، ولا تلك اللحظة التي اقتربت من ابنها المحترق فتفتت جسده بين يديها، كانت تفاصيل الوجع حاضرة في ذاكرتها حضور المجزرة، وحضور القاتل الذي لم يمت حتى الآن، ولا قل إجرامه.


تقول أم محمد بدأ القصف في يوم الخميس في الثاني من شهر أيار/مايو، نزلت قذيفة صوتية في البداية ففتحنا أبواب وشبابيك المنزل خشية أن يحدث انفجار إثر تضخم الصوت، بعدها بربع ساعة نزلت قذيفة أخرى وهنا بدأنا نشعر أن الوضع سيتأزم وأن ثمة شيئا في القرية سيحدث، وطلب زوجي أن نذهب بالأطفال إلى القبو، بينما بقي زوجي وأبنائي وأنا فوق في منزلنا، واستمر القصف حتى الساعة العاشرة والنصف، هنا خفت كثيراً وطلبت من زوجي أن يسمح لأبنائي الشباب بالهروب، وخرجت إلى الشرفة لأستطلع الوضع وإذ بي أسمع أصوات صراخ النساء والأطفال من بعد مسافة 130 متراً، كنت أرى جثثاً تلقى في الأرض مذبوحة، حينها صرت أردد الشهادة مع زوجي وأسمعه يردد «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».


لحظات وسمعت أصوات أقدام تصعد سلم المنزل، فقلت لزوجي «رح يدبحونا» خرجت إلى الباب وفتحت فوجدت أعداداً كبيرة من العساكر والشبيحة يصرخون «ارموا سلاحكن يا كلاب يا إرهابيين» فاقتربت منهم قائلة: «نحن مو إرهابيين، نحن ولاد بلد وحدة، ونحن ما منرفع سلاحنا على ابن بلدنا»، هنا جن جنون العسكري صارخاً بوجهي: «ولسا عم تحكي يا حيوانة والك عين تحكي عن الوطن وإنتي إرهابية».


وتتابع أم محمد أجبته: «أنا مو إرهابية وهاد الوطن إلي والك ونحنا ما معنا سلاح، لو معنا سلاح منواجهكم فيه ما منواجهكم بالحكي»، ثم دفعني بعيداً ودخل فوجد زوجي بوجهه وأبنائي، وصار يقهقه ويضحك ويقول له: «متخبي هون وتارك مرتك تحكي معنا»، ثم صلبوني على الحائط رافعة يداي، وطلبوا من زوجي أن يسجد لصورة بشار الأسد، وتمكن الخوف والهلع منه وانقاد لرغبتهم، فسجد لها، ثم قال الله أكبر، فصرخوا بوجهه قائلين «قول ربك بشار ولا»، فظلّ يردد الله أكبر حتى أطلق أحدهم عليه الرصاص، وباتوا يتلذذون بتشويه جسده بالسواطير التي كانت معهم.


وتقول: ثم نظروا إلى ابني محمد وقالوا له «أنت إرهابي ولا» فأجاب «أنا مو إرهابي وكل يوم بمر عالحاجز وبشوفوا هويتي» إلا أن الرصاصة كانت أسرع من أن يرد محمد تهمة الإرهاب عنه، بقي ابني الأخير واقفاً، بكى وهو يطلب منهم ألا يقتلوا أمه فأجابوا: «طبعا ما رح نقتلها لأن بدنا نخلي حدا يبكي عليكم»، ثم ضربه بطرف الروسية على عينه حتى سقطت عينه في يده، ثم أطلقوا عليه النار وأردوه قتيلاً وسحبوا الجثث خارج المنزل.


ثم اقتادوا أم محمد إلى مكان يتجمع فيه حشد من العساكر، وكان هناك بيت فيه عدد كبير من النساء يتجاوز 250 سيدة، لا يدرين ما يحصل في الخارج، وتقول أم محمد: كنت أنقل عيوني بين الضحايا والقاتل، أمسك بي ضابط وقال عندما رآني للعساكر ممن كانوا معه: «شوفو هي صيدة مرتبة»، ثم لطمني على وجهي حتى كدت أفقد الوعي، ووضع يده على صدري محاولاً أن يتحرش بي، في تلك اللحظة ورغم الألم الذي كنت أعيشه إلا أن قوة سماوية بثت في جسدي، نظرت إلى الضابط وقلت له: «ربك قادر يحط أمك بنفس الموقف اللي أنا محطوطة فيه، نحنا ما منغلط بأمهات حدا بس أنتو بتغلطوا»، فصرخ بي قائلاً «أنتي متل أمي وليه».


كنت واقفة أمام ما يزيد عن 800 شخص من أهالي القرية لم أكن أخشى إلا أن يتم اغتصابي أمام عيون هؤلاء جميعهم، حتى جاءه هاتف شغله عني، وربما كانت الأوامر بالهاتف تقضي بإيقاف العمليات في البيضا، وفعلاً نظر إلي الضابط وانصرف، لكنه قبل أن ينصرف قال لأحد عساكره، هذه الفريسة من نصيبك، نظر الي العسكري بعيون مرتجفة واقترب مني قائلاً «يا خالة أنا عبد مأمور، يمكن بعد ما يدبحوكن يدبحوني معكن، خلينا نمثل انو اغتصبتك، صح هو ابتعد بس رح يراقبني».


في هذه الأثناء كلها كان الضابط قد أعطاني كيساً به مادة صفراء غريبة، وقال لي ستبقين مصلوبة ورافعة يديكِ حاملة هذا الكيس، وإن وقع منك فإنه سيحدث حريقاً بك، وبمن حولك فهو مادة كيمائية.


ثم أتى بـ 32 امرأة أخرى كانوا يجرونهن كالأغنام والخوف يقتل كل واحدة فيهن، حتى مرت امرأة حبلى مصطحبة فتاة صغيرة تضع غطاء صلاة على رأسها، فأثارت شكوك العسكري الذي أمر الأم أن تنزع غطاء الصلاة عن الطفلة، وعندما نزعته بدا صبي، كانت الأم قد ألبسته غطاء الصلاة خوفاً عليه، فضحك العسكري قائلاً «أنا كنت بعرف انو صبي» ولم يكد ينهي كلمته حتى فصل رأس الصبي عن جسده وأمر الأم ألا تتفوه بحرف وسخر منها قائلاً «لو بدك غيره هلق بعمل معك وبحبلك لتجيبي غيره»، ثم اقترب مني وسألني : «كم ولد اندبحلك أنتِ»، فقال له العسكري الذي كان بقربه أنه دبح خمسة من أولادي بالإضافة إلى زوجي، وكان الخمسة هم أبنائي الاثنين وأبناء أختي الثلاثة، فقال الضابط :»أنا بحبلها بعشرة وانتو حبلوها بعشرة»، ثم استدار العساكر باتجاه المقتادين الجدد، وتمكنت من التسلل والهروب بين حشد النساء في الداخل، وهرعت لتغيير ثيابي وتغيير شكل الحجاب الذي أضعه، لكن قبل ذلك توجهت إلى الحمام لأرمي الكيس الذي بيدي، وإذ به يصدر رذاراً لكن ليس قوياً كما خيل إلي. أعلن الجيش والشبيحة عن انتهاء العمليات في البيضا في تمام الساعة الثامنة مساء، عدت في حوالي الساعة الخامسة إلى المنزل فوجدته يحترق، ووجدت أطفالي الذين تركتهم في القبو مع جدتهم يبكون ويقولون: «ماما دبحوا كل العالم».


ثم خرجت لأبحث عن زوجي فوجدته ملقى عارياً أمام المسجد ورأسه قد شق نصفين، ووجدت بقربه خمسة شباب ربطوا بسلك معدني متفحمي الجثث، اقتربت منهم فوجدت ابني محمد بينهم، عرفته من شكل إصبعه الأصغر لان به تشوها، اقتربت منه لألمسه إلا أن جسده المتفحم تفتت في يدي.


وتضيف أم محمد: عادت قوات النظام في يوم الجمعة لتتابع عمليات القتل والتعذيب والحرق في رأس النبع، ولم يبقَ من البيضا إلا اسمها، فأعداد من أعرفهم من الذين استشهدوا تتعدى 870 دون الأخذ بعين الاعتبار من تم إعدامه في الساحة، إلا أنني كشاهدة على المجزرة أقدر الضحايا بما يتجاوز ألفي شهيد. يتحدث أحمد أبو الخير أن 80٪ من البيضا أحرقت بفعل عمليات التشبيح الممنهجة، وسرقت محتويات كافة البيوت والسيارات، فيما قامت نساء القرى العلوية بالمشاركة بعمليات تهشيم الرؤوس، وتشويه الأجساد بعد تصفيتها، كما شاركن بإهانة نساء البيضا بعد اعتقالهن، مشيراً إلى أن جميع الجرائم التي ارتكبت في البيضا ورأس النبع وغيرها ما كانت إلا عمليات إبادة جماعية للقرى السنية.


اترك تعليق