ننشر تفسير جزء تبارك للشيخ العلّامة القرضاوي

By : أ. د. يوسف القرضاوي

الوحي إعلام وإبلاغ بسرعة وخفاء بعيداً عن الضجيج والإعلان


وصفي عاشور أبو زيد


كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام.

ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.??

تفسير سورة الجن
 هي سورة مكيَّة بإجماع المُفسِّرين وعلماء القرآن.

ويدل على ذلك موضوعُ السورة وأسلوبُها، وكذلك ترجمها الإمام الترمذي في كتاب التفسير من جامعه، وترجمها الإمام البخاري في كتاب التفسير: سورة (قل أُوحِي).
ولم يذكرها السيوطي في (الإتقان) في عدد السور التي لها أكثر من اسم.

متى نزلت:
ويظهر كما قال العلامة ابن عاشور، أنها نزلت في حدود سنة عشرٍ من البعثة؛ ففي الصحيحين وجامع الترمذي، من حديث ابن عباس أنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عُكاظ بنخلةَ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، وأنه استمع نفرٌ من الجنِّ إلى قراءته، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومَنا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن:1-2]. وأنزل الله عز وجل على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن:1].

وذكر ابن إسحاق أن نزول هذه السورة كان بعد سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف: يطلب النُّصرة من ثَقِيف. وذلك كان في سنة عشر بعد البعثة، وسنة ثلاث قبل الهجرة.

ترتيبها في النزول:
وقد عدَّها علماء القرآن السورة الأربعين في ترتيب نزول السور، واعتبروها بعد الأعراف، وقبل يس.
ولكن بعض هذه التحديدات مبنيَّة على ظنون قابلة للنقاش والاعتراض، وبعضها لا دليل عليه، وكثيرًا ما يذكرون بعض السُّوَر في السور المَدَنيَّة، وهي مكيَّة عند التأمل بلا ريب- كما بيَّنَّا في سورة الرعد- وكذلك العكس.

أغراض السورة:
ومِمَّا يدلُّ على مَكِّيَّتها: ما ذكره صاحب (التحرير والتنوير) في أغراض السورة حيث قال:
 (إثبات كرامةٍ للنبي صلى الله عليه وسلم بأن دعوته بلغت إلى جنس الجنِّ، وإفهامهم فهمَ معانٍ من القرآن الذي استمعوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفَهْم ما يدعو إليه من التوحيد والهُدَى، وعلَّمهم بعظمةِ الله وتنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد.
وإبطال عبادة ما يُعبد من الجنِّ.
وإبطال الكهانة، وبلوغِ علم الغَيْب إلى غير الرُّسل الذين يُطلِعهم الله على ما يشاء.


وإثبات أن لله خلقًا يُدعَوْن الجنَّ، وأنهم أصناف: منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك بمراتب، وتضليل الذين يتقوَّلون على الله ما لم يقُلْه، والذين يعبدون الجن، والذين ينكرون البعث.
وأن الجنَّ لا يُفلِتون من سلطان الله تعالى.


وتعجبهم من الإصابة برجوم الشهب المانعة من استراقِ السَّمع، وفي المراد من هذا المنع، والتخلُّص من ذلك إلى ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من في شأن القحط الذي أصاب المشركين لشركهم ولمنعهم مساجد الله، وإنذارهم بأنهم سيندمون على تألبهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومحاولتهم منه العدول عن الطعن في دينهم).

وجه مناسبتها لما قبلها:
ووجه مناسبتها لما قبلها- وهو سورة نوح- كما قال أبو حيان في «البحر المحيط»: (أنه لمَّا حكى تمادي قوم نوح في الكفر وعكوفهم على عبادة الأصنام، وكان عليه الصلاة والسلام أول رسول إلى الأرض، كما أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم آخر رسول إلى الأرض، والعرب الذي هو منهم عليه الصلاة والسلام كانوا عبَّاد أصنام كقوم نوح، حتى إنهم عبدوا أصنامًا مثل أصنام أولئك في الأسماء، وكان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هاديًا إلى الرُّشد، وقد سمعَتْه العرب، وتوقَّف عن الإيمان به أكثرُهم: أنزل الله تعالى سورة الجن إثر سورة نوح، تبكيتًا لقريش والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإيمان؛ إذ كانت الجن خيرًا منهم وأَقْبَلَ للإيمان، هذا وَهُمْ من غير جنس الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فبِنَفْس ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا به للوَقْتِ، وعرفوا أنه ليس من نمط كلام الناس، بخلاف العرب؛ فإنه نزل بلسانهم، وعرفوا كونه مُعجِزًا، وهم مع ذلك مكذِّبون له، ولمن جاء به؛ حسدًا وبغيًا أن يُنزل الله من فضله على من يشاء من عباده).

بداية تفسير السورة:
 {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا}

تَكرار كلمة قل في القرآن:
تبدأ السورة بقوله تعالى لرسوله: (قل). وهو فعل أمر من (قال).
وكلمة (قل) تكرَّرت في القرآن الكريم (332) مرة. وهي تدل على أن الوحي الإلهي المعروف بالقرآن إنما هو بلاغٌ من الله إلى رسوله ليبلِّغه إلى الناس، ولهذا يُؤْمر فيه بهذا الفعل المباشر، الذي لا يُقابل إلا بالإجابة والتنفيذ. ولهذا نرى بعض السور بُدِئت بهذا الأمر (قُلْ)، كما في هذه السورة وفي سورة الكافرون والإخلاص والمُعَوِّذَتَين.


وجاء في القرآن المدني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67].


وقد جعل بعض الغافلين والمغرورين في عصرنا: أن كلمة (قل) كانت مطلوبة من الرسول محمد أن يقولها، أما نحن فلسنا مطلوبين أن نقولها!


وهذا هوَسٌ عجيب!! فإن هذا الأمر له أهميته في الفهم والإفهام، كما قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:84-87].


المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر أن يقول لقومه: أُوحِي إليَّ أنه استمع نفر من الجن. أي: قصدوا سماع تلاوته للقرآن مع إصغاء وإنصات.


والوحي هو الإعلام والإبلاغ بسرعة وخفاء، بعيدًا عن الضجيج والإعلان.


ويبدو أن هؤلاء النفر استمعوا إلى الرسول الكريم دون أن يعلَم بحضورهم.


هم نفر من الجن، والنفر: من الثلاثة إلى العشرة. وهم ليسوا من بني آدم، أو من نُسمِّيهم: البشر، مثلنا، بل هم مثلُنا من الأحياء والمخلوقات العاقلة المُكلَّفة، ولذلك كلَّفهم الله تعالى بأن يعبدوه، كما نعبده نحن الإنس، إلا أنهم يقدرون أن يَرَوْنا، ونحن لا نقدر– بِحُكم خِلْقَتنا– أن نراهم، إلا من آتاه الله قدرةً خاصَّة على ذلك، مثل بعض الأنبياء والرسل؛ مثل سليمان عليه السلام.


وهم مكلَّفُون مثلنا بعبادة الله تعالى وطاعة أمره، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56-58].


وهذا النوع من الخلق العُقَلاء، الذين خلقهم الله في هذا الكون، وهم من المُغَيَّبِين عنَّا أيضًا، مثل الملائكة، الذين خلقهم الله تعالى لعبادته وطاعته، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التحريم:6]. {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]. فهم مخلوقات نورانيَّة، خلقهم الله من النور، كما خلق الجن من النار، وكما خلق الناس من التراب والطين، الذي منه تتكون الحجارة والصلصال، كما قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن:14-15].


المهم: أن هؤلاء النفر من هذا النوع من الخليقة- أي: من نوع الجنِّ المُغَيَّبين عنا، والذين بُعث إليهم سيدنا محمد- أوحي إلى رسولنا وسيدنا محمد: أنه استمع نفر منهم إليه، وهو يتلو القرآن، فقالوا من فَرْط ما أعجبوا بالقرآن الكريم وتأثَّروا به: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}: أي قولًا يُقرأ ويُسمع، فيَعجَب به سامُعه، لِمَا يحتوي عليه من جوامع الكلم، وروائع الحكم، ونوادر العلم، وكنوز المعرفة، وبدائع الحكمة، وأحكام الشريعة العادلة، ومكارم الأخلاق الفاضلة، وسوانح الهداية الربانية، وعوالي القيم الإنسانية.

يتبع الجمعة القادمة
 إن شاء الله


اترك تعليق