رسالة أبناء الحركة

By : عز الدين توفيق

لا أحد يزعم أنه بلغ الكمال بالطريقة التي يعيش بها ويقضي بها عمره، ويمكن اعتماد طريقة بسيطة تتمثل في أخذ الإسلام عروة عروة من خلال استحضار الواجبات والفرائض، والنظر في حال النفس وحال الأمة هل هذه العروة قائمة أم منقوصة. إذ كلما انتقضت عروة تشبت الناس بالتي تلي، وعليهم السعي لإقامتها مرة أخرى وعدم القبول بها موقوفة معطلة منقوصة مضيعة، ومن المستوجب العمل على استرجاعها لأن في ذلك استعادة لقوة الإسلام ولقيادته للأمة.

وأركان الإسلام الخمسة من عرى الإسلام، ولنبدأ بالركن الاعتقادي الذي يمثل باب الإسلام ويتمثل في الشهادتين؛ فلا إله إلا الله تعني الإخلاص وإفراد الله وحده بالعبادة، ومحمد رسول الله تشير إلى الاقتداء والاتباع وعدم الابتداع ولا المخالفة، وللشهادتين حقيقة كما لهما نواقض تهدمهما وتفسدهما. وبالنظر لواقع الامة، فوضعية العقيدة بين المغاربة غير مريحة، لأن هناك سوقا للسحرة العرافين والكهنة، وخرافات السادة والأولياء والأضرحة ومن يدعي المنع والعطاء، كما ينتشر بيننا من يقرأ الأبراج ويؤمن بذلك ويصدق بمن كتبه.

وهناك صنف آخر تأثر بنظريات في الفلسفة والبيولوجيا والتاريخ، فزعزعت عقيدتهم، والعديد من هؤلاء فسد إيمانهم الأصلي فظلوا يتعثرون في مفاهيم من قبيل الطبيعة والصدفة والتوالد الطبيعي والإنكار والشك والتردد، مما بلغ بهم الإعراض عن الدين، والذبح لغير الله والنذر والدعاء لما سوى الله والسقوط في الوساطة والكهنوتية. والحق تبارك وتعالىيقول : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)(1).

أما الركن الثاني فهو الصلاة، عنوان المسلم، ولا تستطيع القول أن جميع الناس يصلون رغم الفرح الذي يشعر به المرء في صلوات الجمع والتراويح بسبب عمارة المساجد، إلا أن المنازل والشقق والمقاهي تمتلئ بهم بعد ذلك، ولو اتفق جميع أهل حي على الصلاة في المسجد دون تخلف أحد لشكلوا صورة رائعة من صور الإسلام.

فالصفوف الثلاثة او الاربعة لا تمثل الأغلبية، ولا ينضم إليها جميع من وجبت عليهم الصلاة من الشباب والنساء والرجال. كما ان المصلين طوائف؛ فئة تصلي في الوقت ولا تاتي المسجد إلا نادرا، وفئة تجمع الصلاة، وهناك من تشكوه صلاته بعد الإفراغ منها، وفئة تقطع الصلاة لانشغالات بسيطة كامتحان أو مخيم أو سفر، منا من يظلم صلاة الفجر أو صلاة العشاء. ويكون الرجل فينا يقال ما أجلده وما أعقله وما أحلمه، وتجده لا يصلي. فوضعية الصلاة غير مريحة.

الركن الثالث هو الزكاة، وإخراجها قائم على الاستطاعة والتطوع، وقد نجد من الناس فئة قليلة تخرج الزكاة، ولو كانت قائمة لرأينا آثارها، فقد أشار علماء أن الزكاة أفضل نظام اجتماعي على الأرض، لانها تمتد إلى جميع الأموال في الموارد كالثروات الزراعية والبحرية والمعدنية والنقدية.. وتمتد غلى جميع الفئات الاجتماعية في المصاريف كالفقراء والمساكين والارامل واليتامى والطلبة والسجناء والمؤلفة قلوبهم..

إننا أمام فريضة مغيبة، ولو كانت قائمة سيلغى الفقر في المجتمع في ظرف خمسة أعوام، وتبقى فئة واحدة هي العاجزة عن العمل والكسب من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ويفتخر المغاربة بالركن الرابع، لكونهم يقدسون الصيام ويحترمونه، والصوم نوعان حسيومعنوي؛ يشترك الناس في الحسي حيث تفرغ الشوارع بعد آذان صلاة المغرب لأن معظم الناس يعطون هذا الفرض حقه وقدره، فقد تجد الفرد يضيع فرائض أخرى لكنه يصوم.

وأصبح المجتمع يتعايش مع أسلوب جديد في الصيام، إذ تنتشر مظاهر سلبية في أماكن مختلفة من كل مدينة حيث السمر والسهرات الماجنة. فكم يمثل القائمون الصائمون بالمقارنة مع من يحضر مواقع تعاطي الممنوعات؟كما يتفشى الزور بين الناس، والزور هو الباطل وهو كلمة جامعة لما يتلبس به من المعاصي ومنه الغناء الفاحش.قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(2).

فالمسلم في رمضان يدع المباحات، يدع الطعام وهو مباح في الأصل، يدع أهله هم مباحون له في الأصل، فلأن يدع المحرمات من باب أولى، فكيف يوازن مسلم يدع الطعام والشراب ويغتاب وينم ويطلق بصره ويمضي رمضان كمناسبات اجتماعية، لقاءات ومسلسلات وحفلات وسهر حتى قبيل الفجر، وهو يظن أنه يحسن صنعا. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾(3).

ويفرح المسلمون بقدوم موسم الحج الذي يمثل الركن الخامس من أركان الإسلام، وتسعد النفس بذلك التنافس على تحصيل مقعد، لكن أحوال الحجاج تجعل الفرد لا يكاد يزعم أن الحج يمر على ما يرام.

ومن عرى الإسلام الأخلاق، فعن عائشةقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" (4). وهذا يبين ان للأخلاق شأنعظيم في هذه الشريعة المباركة، إذ هي مبنية على القيام بحقوق الله تعالى والقيام بحقوق العباد ابتغاء وجه الله تعالى، فبقدر ما معك من استقامة الخلق بقدر ما معك من استقامة الدين قال الله تبارك وتعالى في بيان أعظم آيات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق نبوته:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(5)، قال ابن عباس: أي على دين عظيم. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق من دلائل كمال الإيمان فقال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) (6).

فأخلاق الناس فيها ما هو حسن وما هو سيء، فالذاهب إلى السوق يجد في نفسه غياب البائع الناصح الأمين، ويحذر من الغش والخيانة والغبن والتدليس. كما ان الافاضل يظهرون عندما يجتمعون، لكن ألا يختفي اثرهم عندما يأخذون أماكنهم في المجتمع.

فحال أمتنا ليس على ما يرام، ولننظر في كل عروة ونعرضها على واقعنا، لا نقول ان مجتمعنا مجتمع كافر، نحن مسلمون فينا شرك وبدع وأخلاق سيئة تحتاج الدعوة. ولو شاء الله لأسكن في الارض ملائكة ولاستقر الناس جميعا على الهدى، هذا قدر الله.

ومن أكرمه الله وشرح صدره للإيمان فلا يكن بخيلا أنانيا، فقد كنت بحال فساق الله غليك شيخا او استاذا او صاحبا او شريطا أو كتابا فصرت من المهتدين، فإذا جاء الهدى إلى بابك فكيف لا تدعه يمر غلى باب جارك؟ كيف تحتكر ما لا يحتكر؟ لا تفتتن بمصالحك واغراضك الخاصة حتى لا تنقلب عندك الاولويات وتجهل أبواب الأجر والثواب.

ولا ينفع الأمة أن يكون انتماء أبنائها صوريا، رغم أهميته في كثرة العدد، وقد روي عن اعمى في الحرب أنه يكثر السواد ويحرس المتاع، وكلما كان الانتماء فاعلا كان اثره إيجابيا في حال الأمة. إننا نملك هيآت قانونية، لها تخطيط استراتيجي ومجالات للعمل وتستحضر منظومة الأخلاق في أدائها، وبالتالي فالعوائق الخارجية غير موجودة، فالحذر الحذر من العوائق الداخلية، ولنخرج بطاقة داعية مسلم ولنكن مفاتيح للخير مغاليق للشر.

1-    سورة النساء الآية 48.

2-    أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة.

3-    سورة الكهف الآيتان 103 ـ 104.

4-    رواهأبو داود، وأحمدوصححهالألباني.

5-    سورة القلم، آية 4.

6-    رواه أحمد


اترك تعليق