"الخلاوي".. مدارس القرآن في السودان (تحقيق)

By :

الرياض/موقع اتحاد علماء المسلمين

على مدى تاريخ الإسلام الطويل في السودان اكتسبت الخلاوي (المدارس القرآنية) المنتشرة في الحضر والبوادي أهمية كبرى في نفوس السودانيين حتى امتد هذا التقدير إلى إسناد الوظائف الإدارية المهمة لخريجيها، حيث كانت هذه الخلاوي في الفترة التي سبقت إنشاء المدارس النظامية هي جهة التعليم الأساسية.

ويرجع اهتمام المجتمع بدراسة القرآن كون السودان يحتل رأس الرمح للعروبة والإسلام في أفريقيا السوداء منذ أقدم العصور، واهتمام الفرد غالباً ما يتركز في انتمائه القبلي العربي، وارتباطه بالإسلام، وكثيراً ما يزعم السوداني بأن قبيلته تنحدر من صلب صحابي جليل، وهو بذلك يجمع بين الانتماء العربي والإسلامي، ولإثبات ذلك يتداولون روايات تختلط فيها الحقائق بالأمنيات.

وقد أطلق السودانيون على المدارس القرآنية أسماء خاصة ذات دلالة عندهم استوحوها من البيئة البدوية والريفية التي تكثر فيها هذه المدارس مثل: المسيد، أو الخلوة، وهذين الأكثر تداولاً من بين الأسماء الأخرى.

وكلمة (مسيد) مترادفة مع كلمة مسجد؛ لأن الغالب في المسجد في السودان أن يكون فيه أماكن مخصصة لتدريس القرآن، ومن ثم تسمى مسيداً، فإذا أطلق المسجد فهو يعني المسيد، ويقال أن كلمة مسجد لحقها الإبدال بإبدال الجيم ياء، وكلمة مسيد تلقفها أهل السودان من أفواه المشايخ الذين توافدوا على السودان في وقت مبكر، وأغلبهم قادم من الحجاز والمغرب، غير أن كلمة المسيد (خلوة) لا تطلق على النحو الدقيق إلا إذا اجتمع في المسجد مكان المصلي ولدراسة القرآن الكريم والسكن، والغالب في المسجد أن توجد فيه هذه المناشط الثلاث.

للمسيد أو الخلوة نظام قبول وتسجيل خاص ميزها فيما بعد عن القبول في المدارس النظامية، فنظامها يقبل فيه كل الأعمار، تجد فيها الغلام ابن الخمس والصبي ابن العاشرة والشاب ابن العشرين والكهل الذي تجاوز الخمسين، ويصنفون على قسمين حوار وطالب. والحوار هو الطالب من داخل القرية (ابن القرية)، أما اسم الطالب فيطلق على من يأتي من خارج القرية أو المدينة، ويوم دخول الخلوة يأتي ولي أمر الحوار (أبوه أو أمه) فيجلس أمام الشيخ (مدرس القرآن) ويقدم ابنه ويشفع تقديمه بكلمات تقليدية يخاطب بها الشيخ...(لك اللحم ولنا العظم).

فيرد عليه الشيخ ... ربنا يعلمه ويحفظه، ثم يدعو له فيرد ولي الأمر الحوار بعبارات محفوظة ومسجوعة....

دقه (بمعنى اضربه) إن كضب (إن كذب) وعلمه الأدب.

وهذه العبارات من جانب آخر تبرز ما كان يحظى به الشيخ (معلم القرآن) من مكانة في القرية أو المدينة، إذ يترك التلاميذ عنده كوديعة يعلمهم بجانب القرآن مكارم الأخلاق والأدب.

وعند اكتمال قبول الحوار في الخلوة يقدم ولي أمره هدية لمعلم القرآن من نقود أو شاه أو ثور حسب طاقته وإمكانياته، وجري العرف أن يتم قبول الحيران (جمع حوار) الجدد كل يوم أربعاء من كل أسبوع، والدخول بالأربعاء تطبقه كل المدارس القرآنية في أفريقيا، وبعد الانتهاء من عملية القبول يوكل أمر الحوار لطالب كبير متمكن يسمي (العريف)وجمعه عرفاء، وهو نظام معروف في كثير من الدول الأوروبية، ويحقق العديد من المزايا الاقتصادية، فالعريف يكون بمثابة الشيخ الأول للطالب الجديد يبدأ معه كتابة الحروف على الأرض ويظل يكررها في كل يوم إلى أن يستقر رسمها في ذهنه، وهنا يستحق الغلام حمل (لوح) وهو عبارة عن قطعة مستطيلة من الخشب تصنع من أشجار خاصة تمتاز باللدانة والقوة مثل شجرة الهجليج الواسعة الانتشار في السودان وفي الخلاوي الكبيرة ألواح مشهورة اكتسبت شهرتها من كثرة عدد الطلبة الذين حفظوا عليها فيتنافس عليها الطلبة ويتفاءلون بها، وتجري عملية التعليم الأولى في اللوح بأن يكتب الشيخ للطالب في البداية بنواة التمر على اللوح ثم يمرر الحوار القلم عليها إلى أن يثبت القلم في يده ثم يوالي الكتابة كل يوم وبذات الطريقة تحت إشراف العريف (كبير الطلبة).

ويحرص في الخلاوي على استعمال وسائل وأدوات معينة في التعليم وهذه الأدوات جلها من البيئة المحاطة بالخلوة؛ فنجد أن اللوح الذي يكتب عليه الطلبة هو من خشب الأشجار الموجودة في نواحي القرية كما أن القلم المستخدم في الكتابة يجري صنعه من مواد محلية أشهرها سيقان نبات الذرة أو أشجار البوص وهي أشجار رقيقة ومجوفة فيصنع كل طالب أقلامه بنفسه ويضعها في كنانة (يسميها الحوار قلامة أو مقلمة من قلم) كذلك على الطالب في الخلوة أن يؤمن لنفسه حبر الكتابة ويسمى عندهم (العمار) ويستعين في ذلك بمواد متوفرة في بيئته، وهي الصمغ مضاف إليه نتاج حرق الفحم (ويسمى السكن والشعر)، وبعد أن يكمل الطالب صناعة العمار يصنع له أناء خاص لوضع العمار يسمى (الدواة أو الدواية)، وهي غالباً ما تصنع من الفخار. وهذه النشاطات المختلفة التي يقوم بها الطالب تكون في زمن محدد وأيام معينة اتفقت عليها كل الخلاوي في السودان، فخصص لكل يوم عملاً.

يوم السبت يخصص للقراءة والمراجعة وتفقد أحوال الطلبة والحيران.

الأحد للدراسة الجادة. الاثنين يكون مخصصاً لجلب الحطب لإشعال النار في الليل (للإضاءة) ويسمى بيوم (الفزعة). الثلاثاء يصنع فيه العمار (الحبر).

الأربعاء تتم فيه عملية قبول الطلبة الجدد وتعقد فيه الامتحانات وتوزع فيه (الكرامة) وهي بمعنى الصدقة وتكون مما تيسر من حبوب أو تمر أو نقود...، ويعتبر الأربعاء أسعد أيام الخلوة وأكثرها حركة.

الخميس يخصص للنظافة والباقي من اليوم فهو إجازة.الجمعة – إجازة.

وهذا الجدول يعتبر إلى حد كبير ثابتاً ومتعارفاً عليه بين الخلاوي، ويستمر الطالب في تطبيقه إلى أن يختم القرآن حفظاً، الذي غالباً ما يتم في ثلاث سنوات، وتسمى الختمة الأولى للقرآن (الشقة) ثم يبدأ بعدها الطالب قراءة القرآن من الأول (شكل مراجعة) وتسمى (العودة). وختم القرآن هو أهم مهرجانات الخلوة، فبجانب الولائم التي يعدها أهل الطالب الحافظ هناك موكب كبير يخرج من الخلوة إلى دار الحافظ، يلبس فيه الطلاب أجمل ما عندهم من الثياب وهم يحملون ألواحهم، ويرددون التهليل المدوي فيصطف الناس في الطرقات يبادلونهم الفرحة، وفي ماضي السنين كانوا يزفون المحتفى به على جواد مزين يجهز خصيصاً لهذه المناسبة. وبعد تخرج الطالب جرى العرف إذا كان الطالب ممن يجيدون الخط أن يكلفه الشيخ (المدرس) بكتابة مصحف هدية للخلوة. أما إذا كان المتخرج لا يجيد الخط فعليه أن (يدلي) يتلو القرآن مائة مرة ويهدي ثوابه لمؤسس الخلوة. وكلا الأمرين ليس شرطاً ولكن أغلب الخلاوي تاخذ به.

بناء الخلوة ومحتوياتها:

تبنى الخلوة من المادة التي تبنى منها غالب المنازل من الطين والطوب الأحمر والحجر والصوف، وأهل البوادي تكون خلاويهم في الخيام وظلال الأشجار، والخلاوي في أكثر الأحايين تكون على شكل غرفة مستطيلة تحتوي على سرير صغير يجعلونه مكاناً لوضع الألواح، وفي ركن قصي من الخلوة يوضع حجر كبير يسمى حجر (المحاية) وهو المكان الذي تمحي فيه الألواح المكتوبة كل صباح لتعاد الكتابة عليها مرة أخرى، ويصنع هذا الحجر في العادة من حجر الجرانيت الصلب، ويكون موضع اهتمام كبير في الخلوة، وفي وسط سور الخلوة يلاحظ الداخل موضع نار وهي معلم كبير لأهل الخلاوي في السودان، وتبدأ قراءة القرآن عندها مع مغيب الشمس (لعدم وجود وسيلة غيرها للإضاءة)، فتشتعل النار بالحطب الذي أحضره الطلبة في يوم الاحتطاب المخصص لذلك الغرض وهو يوم الاثنين ويجلس الشيخ والطلبة (الحوار) ملتفين حول الحلقة.

ومما يميز الخلوة في السودان أن لطلابها زيًّا تقليدياً خاصاً يتوافق مع منهجهم في الحياة (التقشف) وهو سمة بارزة عندهم، إذ يتكون الملبس من ثوب عادي من قماش معروف برخص ثمنه وخشونة ملمسه، وفي رجليه ينتعل الطالب حذاءً يعرف عندهم باسم "الشقيانة".

الخلاوي المشهورة في السودان

نالت بعض الخلاوي شهرة واسعة، وأصبح الناس يأتون إليها من كل مكان مثل خلاوي الشيخ ود بدر، خلاوي همشكوريب لصاحبها علي بيتاي في شرق السودان، وتعتبر هذه أكبر خلوة في السودان، ومدينة همشكوريب تسمى "مدينة القرآن" لكثرة عدد الخلاوي بها، كما أن هناك خلوة (أم ضو بان) وهي كذلك من الخلاوي المشهورة، وخلوة كبكابية في غرب السودان.

لقد كان للخلاوي ومازال الدور الأكبر في صياغة الفرد السوداني المثالي باعتبارها الأوعية الحقيقية للمعرفة، فكل الجيل المتعلم في فترة الخمسينات والستينات من هذا القرن هم من خريجي هذه الخلاوي، وهؤلاء هم الذين يقودون السودان حاليا سياسياً ودينياً واقتصادياً.


اترك تعليق