مشايخ السعودية والأفكار الجديدة.. تضاد أم التقاء؟ (تحقيق)

By :

الرياض/ موقع اتحاد علماء المسلمين (خاص)

فيما تتزايد وتيرة الأفكار الجديدة التي تخرج الى العلن من كافة بقاع العالم، وبسرعة عالية حتى غدت سمة مميزة للقرن الحالي، بدأت أسئلة واستفهامات تبرز هنا وهناك حول موقف العلماء والمشايخ في السعودية من هذه الأفكار الجديدة المتعلقة بحقول متباينة ومتعددة من الطب الى العلوم الاجتماعية والهندسية وحتى الشرعية والأدبية، فالبعض يعتقد ان العلماء الشرعيين في المملكة صعبي التجاوب مع ما يطرح في العالم من أفكار وأنهم متشددون حتى في تلك الأفكار التي تخرج من البيئة المحلية، في حين يرى تيار آخر انه يصعب القول بعلماء يرفضون أفكارا على المطلق أو يقبلون أخرى لمجرد جدتها وحداثتها، وإنما هناك ميزان معين ذا خصائص وأسس معروفة هو الذي يدفع عالما (في أي مكان) على التجاوب بقدر معين مع ما يطرح عالميا أو محليا في حقل اختصاصه أو في غيرها.

وبخلاف العقود الماضية، شهدت الفترات الأخيرة طفرة كبيرة للغاية في معدل الأفكار والمخترعات الجديدة تحت قيادة لواء التقنية والطب والتغيرات الاجتماعية التي تدفع بالمفكرين والباحثين الى استنباط مفاهيم وأفكار غير معروفة تتمكن من التعامل مع الواقع الذي تفرزه هذه المتغيرات المجتمعية.

وتعتبر أفكار مثل الاستنساخ والخلايا الجذعية والبصمة الوراثية كأمثلة بارزة للمستجدات التي حدثت في علوم الطب ودارت حولها الجدل في كافة أنحاء العالم الإسلامي، فيما كانت الاستخدامات المتسعة للتقنية والتصوير واستخدامات الفضاء،

بجانب أفكار مثل الإسلام الاشتراكي والإسلام الماركسي، والحوار بين الحضارات والحوار بين الأديان والتقارب المذهبي من الأفكار المثيرة في حقول الاجتماعيات. والتي كانت آراء العلماء هنا في المملكة متباينة بشدة، فقد رفضوا بعضها بشدة وتحفظوا على أخرى فيما تحمسوا كثيرا لأفكار معينة، حتى بدت المملكة كرائدة لبعض الأفكار وذلك مثل الحوار بين الحضارات والحوار بين الأديان.

الدكتور عبد الإله العرفج وهو داعية وباحث تمتاز بحوثه وأرائه بالجرأة، ذكر ان الحديث عن طريقة تجاوب أو عدم تجاوب علماء المملكة مع الأفكار الجديدة والمستجدات من حولهم، تستدعي في البداية التفريق بين العلماء الرسميون الذي يمثلون المملكة عند الآخرين كأعضاء هيئة كبار العلماء، وبين العلماء الآخرين غير المنضوين في مؤسسات رسمية، مؤكدا انه ليس هناك حكم موحد يمكن تعميمه على هؤلاء جميعا، وان طريقة تعامل العلماء الرسميون (وجلهم علماء بارزون) مع الأفكار الحديثة تمتاز في غالبها بالرفض والمناوئة الشديدة خاصة إذا كانت هذه الأفكار ذات طابع عقدي، فهم يمتلكون "سياجا متينا" من المنظومة الفكرية التي تجعلهم في موقف معادي لهذه القضايا الدخيلة عليهم، ولفت الى ان هذه المناوئة في عمومها عند العلماء الرسميون ليست نتاج نقاش أو جدال عقلي وإنما دائما ما تستند على النصوص فقط دون غيرها، وذكر في هذا الصدد ان المشايخ في المملكة في حاجة ماسة لان يطوروا أنفسهم فيما يتعلق بتكتيكات النقاش وأساليب المجادلة والإقناع، بما يجعلهم في مصاف غيرهم من علماء الشام ومصر الذين برعوا في هذا الجانب، وقال هنا ان الشيخ البوطي في الشام كان مبرزا في هذا الجانب ويمتلك حججا قوية في أي قضية يدافع عنها أو يناقشها. واعتبر ان الشيخ (عبد الرحمن الدوسري) يعتبر علامة بارزة واستثناءا واضحا بين علماء المملكة في جانب الحجج والبراهين والقدرة على المناقشة والمجادلة وانه عندما كان يتناقش عن (الماسونية) كان يتحدث وكأنه كان عضوا فيها لمعرفته الدقيقة بخباياها وقدرته على إثارة النقاش في المسائل الحساسة وتوجيهها لصالح دفاعه، وشدد على ان مثال (الدوسري) يجب ان يحتذى وان يكثر بيننا مثل هذا النموذج.

وفيما يتعلق بجانب الحركات والتجمعات الفكرية والحركية كالإخوان المسلمين وجماعة التبليغ – قال العرفج- ان موقف العلماء الغالب هو التحفظ مع ان هذه الأفكار والحركات جاءت من ذات الساحة الإسلامية وليس من خارجها مثل الأخريات، وان موقفهم ذاك، كان لاعتبارات ان السلفية هي الأقرب الى النبع الصافي وانه لا حاجة لحركات جديدة، غير ان الدكتور عبد الإله العرفج امتدح في تصريحاته الطريقة التي يتعامل بها العلماء والمشايخ مع المستجدات العلمية مثل الخلايا الجذعية والبصمة الوراثية وقديما أطفال الأنابيب ونحو ذلك من قضايا الطب، وأوضح ان موقفهم هنا اتسم بالايجابية الشديدة والرغبة في استيعاب هذه الأفكار والتعامل معها بما يحقق المصلحة، وإنهم في هذا يلجئون للتكييف الشرعي وكانوا غالبا ما ينجحون في ذلك، مما يتيح المجال واسعا أمام الباحثين في العلوم الطبيعية للتطوير وتطبيق ما يأتيهم من منجزات ومخترعات على الساحة الإسلامية.

وفي ذات القضية قال سلطان السعدون المتخصص في المصرفية الإسلامية ان تقبل المشايخ والعلماء هنا للأفكار يعتمد على حسب الأفكار المطروحة في الساحة فأفكار لا تتماشي مع الشريعة الإسلامية يصعب ان يتم تقبلها بل أنهم ملزمون برفضها وردها، غير ان الأفكار التي لا تحارب الدين أو تعاديه، فالمطلوب منهم تقبلها حتى لو شابها بعض القصور حيث ستكون مهمتهم هنا تكملة هذا القصور وتنقية الفكرة من الشوائب بحيث تؤتي أكلها بالشكل الأفضل والمطلوب منها.

وأكد ان البعض يرون ان العلماء يرفضون كل جديد وهذا غير صحيح، فقد أثبتت الوقائع ان المشايخ تقبلوا الكثير جدا من الأفكار الجديدة، بل ان بعضهم تراجع عن مواقف كان قد اتخذها في مواجهة أفكارا معينة، فعاد وأيدها وقدم لها كل الدعم، بل استخدمها في حياته الخاصة، واستدل بذلك بالأفكار التقنية الحديثة حيث كانت مصب غضب ورفض من مشايخ عديدين في بداية الأمر لكنهم رجعوا عن مواقفهم تلك، واستخدموا هذه الأفكار في منفعة الإسلام وفي خدمة الوطن، مع ان بعضهم ابتداء كان مؤيدا لهذه الأفكار، وهذا – يقول السعدون- يعطي دلالة على ان المشايخ في السعودية على قدر كبير من الوعي، يراجعون ويتراجعون فيما ليس فيه دليل قطعي أو واضح الحرمة والشبهة، وتوقع ان تشهد السنوات القادمة مزيدا من الانفتاح من قبل المشايخ في عدد من المجالات الحيوية مثل التقنية والطب والاقتصاد، وتحدث سلطان السعدون عن كيفية تعامل المشايخ والعلماء مع حقل المصرفية الإسلامية باعتباره حقلا جديدا في علوم الاقتصاد، وذكر ان المصرفية الإسلامية تم ابتكارها على يد مجموعة من العلماء الكبار وان المصرفية كانت اكبر دليل على حرص المشايخ على التمازج بين الشريعة والواقع، "بل ان المصرفية الإسلامية أثبتت ان المشايخ ربما يكونون سباقين في كثير من الأحيان ويأتون هم بالأفكار الجديدة، والأدوات والمنتجات المتتالية التي يعلن عنها في الاقتصاد الإسلامي، أكثرها من بنات أفكار المشايخ في كافة أنحاء العالم الإسلامي"، وشدد على ان الواجب هو دعم العلماء وتوضيح الصورة إليهم في التخصصات التي تكون بعيدة عن مجالات علمهم ومعرفتهم، فالأبحاث الجديدة في الطب يمكن للأطباء تبيان الحقائق فيها بشكل وافي بحيث يستطيع (الشيخ) ان يلم بتفاصيلها تماما قبل ان يدلي فيها برأيه، وعلى سبيل المثال هناك أبحاث مهمة تجري حاليا على الخلايا الجذعية والتي اعتبرت ثورة الطب في العصر الحديث، هناك علماء قد لا يكونون على معرفة بهذه الخلايا الجذعية وكيفية عملها، والتطور الذي ستقدمه للطب، وبالتالي عندما يحتاج الباحثين في حقول الطب الى معرفة آراء العلماء حول هذه الأبحاث لكي يدعموها بالفتوى والتأييد، يجب ان يثقفوا هؤلاء المشايخ حول الأمر، حتى يكون العالم الشرعي عنصر هام في عناصر التطور والتقدم العلمي، ولا يكون منزويا عنه.

ومن ناحيته قال الخبير في التراث الشعبي عبد الرحيم الأحمدي انه يصعب القول بان هناك عالم يرفض الأفكار الجديدة كلية، وان عملية الرفض والقبول تعتمد على مدى انفتاح العالم واتساع رؤيته وقدرته على المتابعة لما يدور في الساحة العالمية والمحلية من أفكار وأطروحات جديدة، قائلا ان هناك من العلماء من يقتصر على تخصصه ولا يدري شيئا عن ما يجري بجواره من تغيرات، وان بعضهم حتى لا يتعمق في تخصصه بالقدر الكافي ولا تكون لديه ملكة المتابعة والقراءة المستمرة المتواصلة، ولذلك فان هذا النوع في الأغلب يرفض الأفكار الجديدة حتى لو كان صالحة وغير متضادة لا مع الشريعة الإسلامية ولا مع المعتقدات المحلية السائدة، وان عملية الرفض هنا تكون تعبيرا عن توجس داخلي لديه يرفض كل شيء لم يعتاد عليه، وأكد الأحمدي انه من الضروري ان تكون هناك مجموعات من العلماء تعمل على رصد ما يطرح من أفكار وان تبدي رأيها فيه تقبلا أو رفضا، وإلزامهم بتقديم الأدلة التي بنيت عليها آراؤهم، ولدى التعقيب عليه بان مجامع الفقه تقوم بادوار شبيهة بذلك، رد بالتساؤل عن المانع في ان تكون هناك جهات غير رسمية تعمل على ذلك الرصد، حتى لو كانت مجموعات صغيرة، مقترحا ان تتكون هذه المجموعات من مختلف التخصصات، وان تكون هناك مجموعات متخصصة في القضايا الفكرية والأدبية والاجتماعية.

أما الدكتور نعمان السامرائي فقد أكد خلال اتصال معه ان السمة المميزة لهذا العصر هي كثرة الأفكار المطروحة وذلك بسبب التغيرات الكثيرة التي تحدث في المجتمعات والتي تدفع من ناحيتها باتجاه توليد أفكار تعالج المشكلات وتقدم حلولا لحالات الخلل التي قد تلم بمجتمع معين، وان الأفكار ليست كلها شرا ولا كلها خيرا، فهناك أفكار لا تتناسب مع البيئة الإسلامية بتاتا، لان المقومات التي بنيت عليها والمفاهيم التي قامت عليها لا تناسب المسلمين ابتداء، وبالتالي فان خلاصة الفكرة أو تطبيقها لا تكون متناسبة مع المسلمين، لكن مع هذا قد تأتي أفكار ومن خارج البيئة الإسلامية لكنها لا تصادم الدين ولا صحيح المعتقد، وهذه يكون فيها اخذ ورد، وذلك مثل التقنية والتكنولوجيا التي هي في البداية عبارة عن أفكار معينة، أدت تطبيقاتها الى هذه الثورة التكنولوجية التي نراها حاليا، وذهب السامرائي الى ان طرق تعامل العلماء مع الأفكار الجديدة مختلفة بحسب الفكرة نفسها، فهناك علماء يرفضون الجديد لمجرد انه جديد، بينما يوجد علماء آخرين يحاولون فهم الأفكار الجديدة أولا ويخضعونها للفحص والتمحيص قبل ان يعطوا فيها رأيهم سواء بالقبول أو الإيجاب، وشدد في ذات الصدد على ان العالم لا ينبغي له ان يرفض شيئا أو يقبل فكرة قبل ان يناقشها، فالقبول السريع خطا وكذلك الرفض السريع، إلا فيما يتصل بالأفكار التي تكون مناوئة للدين بشكل ظاهر، أو لا تتناسب مع المجتمع، لكنه مع ذلك أكد على أهمية النقاش الواسع لكي يتم تنوير العامة بما يجري في حقول المعرفة والفكر.

وذكر احد الباحثين المختصين بعمل الخيري في السعودية ان المستجدات التي تحدث في العالم حاليا فكريا وسياسيا واجتماعيا كان لابد ان يتواكب معها حركة فكرية واسعة، وان الأفكار لابد ان تخرج ان تخرج لكي تتماشي مع هذه التغيرات الكبيرة والسريعة، والمملكة ليست بدعا من العالم والأفكار تأتيها عبر الفضاء والإعلام ولا بد للمشايخ والعلماء الذين يحوزون على ثقة الناس ان يكون لهم رأي في هذه الأفكار التي تطرح سواء في الخارج أو الداخل، أما ان يعمل بعضهم على رفض أفكار معينة فيما يقبلها آخرين فهذا طبيعي ويحدث بل يجب ان يحدث لأنه يستحيل ان يتوافق الناس على فكرة معينة إلا إذا كانت شاذة للغاية، ورأى الباحث السعودي ان العلماء في المملكة يقومون بواجبهم تجاه هذه الأفكار الوافدة، بل ذهب الى القول بان الأيام أثبتت بان العلماء والمشايخ هم مبادرون ويطرحون أفكارا جديدة باستمرار، وان الفتاوى التي تصدر وتتعلق بإحدى النوازل هي أيضا عبارة عن أفكار جديدة وطريقة حديثة للتعامل مع الواقع، وذكر ان العمل الخيري في المملكة كان مبادرة من المشايخ والعلماء وان بعضهم أسهم إسهاما فاعلا في توجيه المؤسسات الخيرية بالأفكار والبرامج والمشروعات مما كان له أثره الواضح في دعم مسيرة هذه المؤسسات والجمعيات الخيرية.  


اترك تعليق