شاليط وحقوق الأسير في الإسلام

By : فتحي أبو الورد

كان مشهدا حضاريا ذاك الذي ظهر فيه الجندي المحارب الإسرائيلي الأسير شاليط في صحبة وحدة الظل القسامية على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي في نزهة على شاطئ غزة، يتناول معهم الطعام، ويشاركهم في شواء اللحم، يبتسم ويتنزه ويجلس معهم وكأنه واحد منهم، كما أن الحالة الصحية والنفسية التي أظهرتها الصور المنشورة، تعكس لون معاملة آسريه له، حتى إنه ظهر في هيئة جسمية أسمن وأفضل مما كانت عليه هيئته في الصور قبل أسره، وهو ما يعكس التزاما دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، وما يعد ترجمة أمينة وتنفيذا دقيقا من آسريه لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى في قوله:"استوصوا بالأسارى خيرا". رواه الطبراني.
وهذا التطبيق العملي لحقوق الأسير في الإسلام فاق التأصيل التنظيري الذي تنادت به اتفاقية جنيف الدولية بشأن معاملة أسرى الحرب الصادرة في أغسطس 1949، والتي رامت الدول إلى تطبيقها، وهي توقن أن نصف ما جاء بها لو تحقق لكان كافيا ومرضيا، في ظل الانتهاكات المحلية لكل دولة لحقوق الأسير.
وطعام الأسير وشرابه ودواؤه وكساؤه، ومراعاة حالته النفسية، ورحمة ضعفه أبجديات في التصور الإسلامي لحقوق الأسير ـ وقد بوب البخاري في صحيحه بابًا ترجم له بـ:"باب الكسوة للأسارى".
وأنقل هنا شهادة أحد الأسرى لدى المسلمين يوم بدر، وهو أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، يقول: "كنت في رهط من الأنصار، حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التّمر، لوصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي، فأردّها، فيردّها عليّ، ما يمسّها".
كما أن للأسير الحق الكامل في ثباته على معتقده، وممارسة شعائره، ولم يثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أحدا من صحابته، أكره أسيرًا على اعتناق الإسلام.
وقد روى البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟"، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فكرر نفس الإجابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد – ثم قال - إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت – أي غيرت دينك - قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولعل أبرز الرسائل التي أقرؤها من عرض صور شاليط ما يلي:
- توضيح أخلاق المسلمين الحضارية تجاه الأسرى ومعاملاتهم تطبيقا لا قولا، فما أكثر الموقعين على اتفاقية جنيف لحقوق الأسير، ولكنهم عند التطبيق يرسبون في هذا الاختبار الأخلاقي والإنساني.
- رسالة تبشير للأسرى الفلسطينيين أن قضيتهم حاضرة، وأن افتكاك أسرهم وإنهاء معاناتهم في سجون الاحتلال، من أولويات العمل لدى المقاومة الفلسطينية، وأن افتكاك الأسرى المسلمين واجب على ولاة الأمر العمل له، استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني- أي الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض ". البخاري.
- رسالة للمجتمع الإسرائيلي بكل مكوناته للضغط على الحكومة الإسرائيلية التي تسوف وتماطل ولا تكترث لإنهاء قضية الأسرى، ما دامت ليست هناك ضغوط عليها، من أجل الدخول في مفاوضات جدية لحل قضيتهم.


اترك تعليق