المواطنةُ والوطنُ .. في الشريعة الإسلامية (1)

By : د. علي الصلابي



الحلقة الأولى
المواطنة والوطن في اللغة:

المواطنة من: واطنه على الأمر مواطنة ، وواطن القوم: عاش معهم في وطن واحد.
 وفعل واطن بمعنى شارك في المكان مولداً وإقامة؛ لأن الفعل على وزن «فاعل» [1].
وفي «المعجم الوسيط»: الوطن: مكان إقامة الإنسان ومقرُّه ، وُلد به أو لم يولد .

وتمتد جذور الوطن والمواطنة إلى آدم وزوجه عندما كانا يسكنان الجنة ، ويأكلان منها رغداً حيث شاءا ، وكانت كل حاجتهما مكفيَّة ، كما قال الله تعالى لآدم في الجنة: ِ {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى *وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى *} [طه: 118 ـ 119] .

فلما أهبط الله ادم وزوجه من الجنة ، بقيا هما وذريتهما بما قُدر لهم من الخلافة في الأرض ، وعمارتها ، وعبادة الله فيها: كانت الأرض مهيأة لتكون كلها وطناً ومستقراً لادم وذرّيته من بعده ؛ ولهذا قال الله تعالى في القران مخاطباً ادم وزوجه وإبليس معهما: َ {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *} [الأعراف: 24] .

وهكذا كانت الأرض كلها في أول الأمر وطناً لادم وأولاده ، لا تزاحم ، ولا تنافس ، ولا اختصاص بمكان دون مكان.

فلما كثرت ذرية آدم وانتشرت ، بدأ الناس يتجمَّعون في أماكن بحكم الطبيعة الاجتماعية للبشر ، حتى قال الأقدمون: الإنسان مدني بطبعه ، وكان الناس يتجمعون في بلدان أو قرى ، ويتخذ كل منهم لنفسه ولأهله وولده بيتاً يأوي إليه ، يكنّه من القرِّ والحرِّ ، ويستره من أعين الناس ، ويمارس فيه خصوصيته ، ومن مجموع هذه البيوت تكون القرية التي يترابط أهلها فيما بينهم بروابط شتى: كالنسب ، والمصاهرة ، والجوار ، والصداقة ، والزمالة في العمل ، والاشتراك في تأمين حاجات القرية والدفاع عنها ، ومن هذه القرية ، أو البلدة ، أو المدينة: بدأت قضية «الوطن» ، فحين تعدَّدت البلدان والقرى ، واضطر الإنسان لسبب أو لاخر إلى أن يهاجر من بلده ؛ لم ينس الموضع الأول الذي عاش فيه ، وكوَّن به علاقات حميمية من أهل ، وأصهار ، وأقارب ، وأصدقاء ، وأحبَّة ، وأمسى مرتبطاً عاطفياً بذلك المكان وأهله ، كما عبر عن ذلك أبو تمام بقوله:

نقلْ فؤادك حيث شئت من الهوى              ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يسكنه الفتى               وحنينُه أبداً لأول منزلِ

 وكان الوطن أول الأمر يتعلق بتلك القرية أو المدينة ، ثم تطورت حياة البشر وعلاقاتهم فتكوَّنت أوطان أكبر من ذلك ، تشمل إقليماً كبيراً ، ثم عدَّة أقاليم تنتظم تحت سلطان واحد يجمعها: دينيّ ، أو اجتماعي ، أو سياسي[(3)].

وخلاصة القول في المعنى العام للوطن قديما:

فإننا نرى فكرة «الوطن والوطنية» تقوم على حاجة الإنسان إلى المكان ، وارتباطه به ، وهذا أمر طبيعي ، فكلُّ كائن حيّ محتاج إلى مكان أو مأوى يلوذ به ، فالوحوش لها حجورها ، والطير لها أعشاشها.

وقد نرى الطيور والأسماك ونحوها تسير المسافات الشاسعة ، وقد تخترق البحار والمحيطات ، ثم تعود إلى أماكنها الأولى ، أي: إلى أوطانها ، لا تضلُّ طريقها إليها ، بحاسة الهداية العامة التي منحها الله لكل مخلوقاته[(4)]: َ {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى *} [طه: 50] .

فالمواطنة كلمة لها أصل عربي مرتبط بموطن الإنسان ، ومستقره ، وانتمائه الجغرافي ، لكنها في نفسها كتركيب ، ومصطلح تم استحداثها تعبيراً عن الوضعية السياسية والمدنية والحقوقية للفرد في الدولة ، وبذلك تكون «المواطنة هي: رابطة التزامية تقوم في زمان ومكان واحد» [(5)].
_______________________________

ـ[1]            معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة ، محمد العدناني ص (725) ، شذا العرف في فن الصرف ، محمد الحملاوي ص (42).

ـ[2]            لسان العرب ، محمد بن منظور (15/338).

ـ[3]            الوطن والمواطنة ، د. يوسف القرضاوي ص (13) إلى (15).

ـ[4]            المصدر السابق ص (15).

ـ[5]            المواطنة في الإسلام ، علي عبده أبو حميدي ص (12).

 








 


اترك تعليق