الأخلاء –يومئذ- بعضهم لبعض عدّو

By : أ.د عبدالرزاق قسوم

  نعوذ بالله من السّلب بعد العطاء، ومن الجزر بعد المدّ، ومن الظلمِ بعد العدل، ومن الجوع بعد الغنى…

  فهذا المشهد المزعج الذي تبدو عليه الجزائر –اليوم- وقد ضمّ “سبعين رقعة” من الإملاق الاقتصادي المدقع، إلى الشتاء السياسي المصقع، ومرورًا بالغزو الفكري الموجِع، إنّ هذا المشهد ليُدمي القلوب، ويفلسُ الجيوب، ويكشف ما ظلّ مستورًا من العيوب.

  ولا ينبغي أن يكون الإنسان نبيّا أو كاهنًا، كي يدرِك هول ما ينتظرنا في ضوء ما تعرضه الشاشة الوطنية علينا، من مختلف صورِ المآسي.

  فهذا الانهيار الاقتصادي الذي أصاب خزينتنا من أوّل لحظة لسقوط أسعار البترول، قد كشفَ عجزنا، وفضحَ سترنا، وأبان عن سوءِ تصرّفنا، وقلّة تخطيطنا.

  فـأين كان احتياطنا، وادخارنا، وإعدادنا لما بعد الرّيع، وتحصيننا ضدّ الرّهن والبيع؟.

  ألم نكن نعلم، بأنّ عهد البترول زمنٌ محدود؟ وللبقراتِ السّمان، أمدٌ معدود، وأنّ الدينار الأبيض ينبغي أن يُدخَر لليوم الموعود؟.

  وما كنّا لنصدِقَ، ما يحدث لبلادنا، ونحن “خير أمّة أخرِجت للنّاس”. وكنّا نضرب “الأخماس في الأسداس” لنطرد عن أنفسنا “شرّ الوسواس الخنّاس” ونبحث عمّا يمكن أن نقنِع به النّاس، حتّى جاءت حصيلة الإفلاس السّخيفة، مجسّدة في محاكمات سونطراك، والخليفة، فأيقظتنا هذه المحاكمات من غطيط نومِنا، ومن وردية حلمِنا، وألقت بنا في عمق كهوف شؤمنا وغبننا.

  إنّ الغلاء قد طمّ، وإنّ الجفاف أو القحط قد عمّ، وإنّ الظلمَ والظلامَ قد أدلهم، فلطفك اللّهم مما يحدث ومِمَا قد ألّم.

  وما نزال تحت صدمة المال والأعمال، حتى نُكِبنا بمحنة صفاءِ الرّجال، والإخلاصِ في النضال.

  وما كان في أعيننا كبيرًا قد تصغّر، وما كان عظيمًا قد تبخّر. لقد كنّا نظنّ، وبعض الظنّ إثم، أنّ “المعاطاة” هي من خصائص “طياباتِ الحمّام” وأنّ الفاحشَ من القول، هو من أخلاقِ “اللّئام” حتى فوجئنا بساستنا وأكابرنا، وقادة جيشنا، وقد أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، يلعنُ بعضهم بعضًا، ويُكذِّب بعضهم بعضًا، وما أولئك بالوطنيين كما شهِد شاهدٌ من أهلهم.

  لطفك اللّهم بالجزائر، من هذا السّقوط الحرّ، الذي كشف المستور، وأبانَ عن الوسخِ غير المنشور، وهدّم سقف البيت المعمور، ويوشِك أن يقتلعَ النبتَ المسجور.

  ماذا نقول للجيل الناشئ، إن جاء يسألنا أين الحقيقة في ما نرى وما نسمع؟ ومن الصادقُ ومن الكاذب من أقوال القائلين؟ أليس هؤلاء هم صنّاعُ التاريخ؟ والمعتبرون في أعين النّاسِ من الشماريخ؟.

  ماذا نقول لكتّاب التاريخِ، حين يستجوبوننا متسائلين: أليس هؤلاءِ المتبارزون بالقولِ في “سوق عكاظِ الجزائري” هم من حملوا السّلاح بالأمس في سبيل الوطن؟ أليسوا هم من قدّموا للوطن أغلى ثمن؟ فإذا كان هؤلاء قد أصبحوا اليوم “خونة” أو “كذابين” في نظر بعضهم فمن يُصدّق التاريخ ومن يحفظه… ومن… ومن؟.

  يقول البعض، إنّنا نعيش اليوم مصادرة التاريخ، ومن يملك حقّ مصادرة التاريخ؟ ويقول البعض الآخر، إنّنا نعيش عصر مصادرة الحقائق… فلماذا لا نكشف الوثائق حتى يُدرك المؤرخون كلّ الدقائق؟.

  ألسنا بهذه الاتهامات، والمزايدات، والمهاترات، نقزّم جزائر المعجزات، ونكذّب حقائق البطولات، ونعيد إلى الواجهة، ما كانت تنشره صحائف العدّو من أكاذيبٍ وترّهات؟

  فيا قومنا! أجيبوا داعي الوطن العميق، واسمعوا نداء الشّهيد الشقيق، والمجاهد الصّادق الصّديق. إنّ تاريخ الوطن أمانة، فلا تلوّثوه بأنانية التصريحات، ولا بأكاذيب الاتهامات.

  فبعد خمسين سنة من الاستقلال وستين سنة من اندلاع ثورة النضال، النّاس تعرف النّاس، وقد تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وبانَ لكلّ ذي عينين من الصّادِق في الوطنية، ومن الكاذِب فيها.

  ومن هو الذي كان مزيّفًا، موكول إليه دورُ الممثل، ومن كان –كما يقول برنارشو- الملقِّن الحقيقي، الذي يحسَبه النّاس لا شيء وهو كلّ شيء.

  فيا ساستنا، ويا زعماءنا، ويا ضباطنا، اتّقوا الله في التاريخ، واتّقوا الله في الحقيقة، فإنّ الأيّام صحائف، وقذائف، وستَكشف الصحائف، الحقائق، معتمِدة على الشّهادات والوثائق، فمن وفَى لهذا الوطن منذ نعومة الأظفار عن صناعة الآثار ومواكبة التيّار، ومن هو الذي كان يُزيِّف الآثار ويسبحُ ضدّ التيّار؟.

  إنّ آثار الوطن وتياره، هو الأصالة في الانتماء، والدّفاع عن ثوابت الأصلاء، والعمل بصدق في دائرة الفداء والابتلاء. فمن خرج نظيفَ اليد والذمّة، والوفيّ للوطن والأمّة، فذلك هو الوطنيّ الصّادق للجهاد والوطنية. أمّا من جاهد بالمراسلة أو بالوكالة، أو بتفويض من أيّة جهة كانت، فذلك هو الوطنيّ الخائف، والمجاهد الزائف، عليكم أن تكشفوه، وواجبكم أن تفضحوه بالدّليل والبرهان، لا بالكذِب والبهتان.

  إنّ سجّلات التاريخ، قد فتحت أجهزتها، ومستعّدة لتحقيق أدّلتها، فليتق الله سادة السياسة، وزعماء الأحزاب والكياسة، وليجنّبوا وطننا، وجيلنا الصّاعد كلّ بؤسٍ وتعاسة.

  إنّ الجهاد –في حقيقته- ليس وسامًا يعلّق على جانب من الجانبيْن. وليس شهادة يتبجّح بها بشهادة الشّاهدين. إنّ الجهاد الحقيقي هو الصدق والوفاء بالأمس لمعاني البذل والفداء، والسير اليوم على دربِ الشّهداء، والنبلاء.

  أفيقوا يا إخوتنا، فقد أذّن الفجر، وظهر الصباح، وتوقفَت الديكة عن الصياح، والكلابُ عن النّباح، وحيّى على الجهادِ، حيّى على الفلاح!.


اترك تعليق