أهي حرب الحضارات؟

By :


  ما هذا الذي يحدث في أجزاء مختلفة من العالم، من ترويعٍ للمسالمين الآمنين، وتخويف ٍ للعزّل القاطنين، وإفساد للحياة في علاقات المتساكنين، وذلك بالتفجير، والتدمير، والتهجير، والتكفير؟.

  ما الذي جعل معسكر الخوف  ينتقل من الشاطئ الشرقي إلى الشاطئ الغربي، فيظهر التفجير في الجوّ، والبرّ، والبحر؟لماذا لم يعد الخوف مقصورًا على الرّقعة العربية وحدها، ولا على الإسلامية وحدها، وامتّد إلى أوربا، فأذاقها الله ما كانت تعانيه شعوبٌ أخرى من لباس الجوع والخوف؟.

  فقد عاشت الإنسانية في الأيام الأخيرة  معاناة "الإرهاب” الذي كان وقفًا على بلدان إسلامية معيّنة، فانتقل وباؤه ليعّم الجميع، ولم تعد تُستثنى منه أيُّ بلاد. فمن مالي إلى نيجيريا، ومن روسيا إلى فرنسا، ومن لبنان  وسوريا والعراق إلى اليمن ومصر وليبيا، امتزجت القارات المختلفة بلون دمّ الإرهاب، وأصبح ما كان يلوّن باللّون العربي أو الإسلامي فقط، أصبح يحمل اللون الإفريقي والأوربي، والآسيوي، وسبحان مقلّب الأكوان، ومغيّر الأزمان، وقاهر الإنسان!.

  تحرّر الإرهاب –إذن- من عقدة العروبة والإسلام، فأصبح لا دين له، ولا جنس، ولا شيطان له ولا إنس، فهو من  صنع كلّ النّاس، وتدبير كلّ وسواسٍ خنّاس.

  ماذا يمكن أن نستخلصه من كلّ هذه التحوّلات، والتقلّبات، والتغيّرات؟.

  يجب أن نُخضِع ظاهرة العنف بجميع أشكاله للتحليل الدقيق والعميق، ونقلب الأمر على جميع أوجهه كي نجيب عن سؤال: ماذا يعني الإرهاب العابر للقارات؟ والمتغلّب على كلّ حواجز المحطّات والمطارات؟ والمستهتر بكلّ شبكات الأمن والمخابرات؟

  إنّ من الإجابات المبدئية الأولى التي تقفز إلى العقل جملة من المعطيات، ينبغي أن نستخلص منها الدّروس والعِبر، في كيفية التعامل مع كلّ حدث وكلّ خبر، وأهّمها:

•إنّ الإرهاب قد غدا وسيلة، ولم يعد غاية، كما كان يقدّمه لنا البعض، فهو حصاد كاسد لشجرٍ فاسد، تتكوّن أغصانه من الظلم والفساد، والتهميش والإقصاء، والعصبية والعنصرية، وكلّ هذه الآفات اجتمعت لتصنع مواد التفجيرات، والاعتداءات، والاغتيالات.


•إنّ شجرة الإرهاب –التي أصلها فاسد- قد تغذّت تربيتها، وتلوّثت بيئتها بغاز تدخل القاذفات، والطائرات، والدبابات التي تغادر قواعدها الأوروبية لتتدخل في الشؤون الداخلية في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن وليبيا، ونيجيريا، ومالي، وأفغانستان، وباكستان، ومصر، والشيشان، وغيرها من البلدان.


•إنّ شباب الضواحي كما يقدّمونه هذا الذي عاش على هامش المدينة، يرى الناس يتمتعون بالخيرات والطيّبات، وهو يفتقر إلى أبسط حقوق المواطنة، وأقل الضروريات. لقد شبّ هذا الجيل –الجيل المهمّش- في مناخ النّسيان، والإقصاء، فنشأ حاقدًا على كلّ الأجواء، وعازمًا على الانتقام من كلّ الرّجال والنّساء، وكلّ أنواع التشيّيد والبناء.


  أظلمت الحيّاة في عيني الجيل المهمّش، فأضحى يُلقي بنفسه في مغامرات البحار والمحيطات، ويتسلّل إلى الدّهاليز المظلمة والمغارات ليعود منتقمًا من كلّ الفئات، وكلّ السياسات.

•إنّ عقدة مشكلة العنف الشّامل، إنّما تنطلق من كرة الثلج، وما كرة الثلج إلا القضية الفلسطينية التي تكرّس الظلم في كلّ وقت وحين، وأمام أعين المراقبين، والمتفرّجين، والمعتدِين، والمتواطئين، وكلّهم يرون الظلم الفلسطيني، ويباركونه، ودع عنك أسطورة حقوق الإنسان، ومزاعم مجلس الأمن، والأمم المتحدة، فهي أصل البلاء و”الوّخدة” إنّ هذه العوامل مجتمعة، هي التي أنشأت الانتفاضة التي قام بها اليائسون من أطفال النّكبة والنّكسة، وأطفال الخناجر والحجارة، وأطفال الأفاعي والمساعي، ولا مبدأ لهم إلاّ المبدأ الفقهي المعروف "وجاز دفع مائل آخر بما أمكن” والمثل الفقهي الآخر: "من مات دون أرضه وعرضه، فهو شهيد”.


  إنّ هذا هو ما لم يدركه "جهابدة” السياسة العالمية وفقهاء القانون الدولي، بأنّ كرة الثلج المادية والمعنوية إن لم يُتكفَّل بها تُوشك أن تصبِح جبلاً من الثلج، يَصعُب إذابته، وحاجزًا إنسانيًا يَصعُب التغلّب عليه.

•الكيل بمكيالين، والوزن بميزانين، حتى في التعامل مع الضحايا، فقد شهدنا هالة الإعلام والتضامن التي صاحبت ضحايا المجلّة الفرنسية السّاخرة المعتدِية "شارلي إيبدو” فتجنّد العالم العربي والغربي للوقوف إلى جانبها، ومثلها الهالة الإعلامية، والسياسية التضامنية التي صاحبت تفجيرات باريس أخيرًا، وهو مظهر طيّب لا ننكره ولا نعترض عليه، لكن أين هي هذه المظاهر التضامنية العالمية من ضحايا فلسطين كلّ يوم، وضحايا تفجير الجنوب اللبناني، وكانوا بالعشرات، وضحايا اقتحام فندق باماكو بمالي، وكانوا بالعشرات، إنّ هؤلاء جميعًا لم تَبكهم باكية إلاّ أهاليهم، ولم تندبهم نادبة إلا من مواطنيهم.


  فهل يختلف الدّم بين أبيض وأسود، وبين عربي وغربي، وبين فرنسي وفلسطيني؟ اللّهم إنّنا نبرأ إليك من هذا التمييز العنصري الذي يسير على مبدأ التمييز الجسدي والبلدي، والعقدي، حتى في التعامل مع ضحايا الإرهاب.

  وإلاّ فلماذا يتّم العدوان على المساجد وعلى السّاجد بمجرد أنّ تفجيرًا وقع في فرنسا، ونسِب إلى مسلم، هل يعاقب الفرنسيون لمجرّد أنّ فرنسي منهم قام بجريمة؟.

  وهل تحمل الابتدائية أو الثانوية أو الجامعة مسؤولية صاحب تفجير لأنّه تكوّن في هذه الثانوية أو في هذه الجامعة؟.

  إنّنا نتوق إلى أن يستيقظ الضمير العالمي مما هو فيه من تبلّد ومن نوم وغفوة، فما نعانيه اليوم من تفجير، وتكفير، إن هو إلا النتيجة الفاسدة للمقدّمة الفاسدة، وإذا أردنا أن نستأصل الإرهاب، فيجب أن نبدأ باستئصال أسبابه من جذورها، وأن نكّف عن حلّ العنف بالعنف.

  يجب أن نعود إلى صواب السياسة، وهي الكفّ عن التدخل في الشؤون الخاصّة والداخلية للشعوب، وبدل ذلك يجب أن نساعدها على التخلّص من الظلم، والاستبداد، وأن نلجأ إلى التكوين الصحيح، والحوار الصريح مع من نختلف معهم، حتى وإن كانت الهوّة عميقة بيننا وبينهم.

  فلئن كنّا ندين كلّ أنواع الإرهاب، ونتضامن مع ضحاياه، أينما وُجدوا، فإنّنا بالمقابل ندعو المجتمع الدولي إلى ضرورة مراجعة المنظومة السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، التي تحكم العالم، فندخِل المزيد من العدل، ومن الإنصاف، ومن الإنفتاح، والتسامح، إذا أردنا أن نبني نظامًا عالميًا جديدًا.

  فإذا أردنا أن نصنع عالمًا خاليًا من الإرهاب فيجب أن نقضي على العنف بجميع أنواعه من عنف الخوّاص إلى عنف الدولة أي العنف والعنف المضّاد، فبذلك فقط نستطيع أن نتخلص من آفات عديدة يعاني العالم منها وأهمّها الإرهاب، والاستبداد والظلم، والفساد، والتهميش، والإقصاء.

  وبدل أن تلعنوا الظلام، أشعلوا المصباح كما يقول المثل، وكي لا تتحوّل هذه المعركة من معركة "مكافحة الإرهاب” كما يصفونها إلى "حرب الحضارات” كما هي في الواقع.


اترك تعليق