ندوة في استانبول تتناول كبرى حوادث الأمة الإسلامية

By :


شارك عضو مجلس الأمناء في الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ عبد الرحمن بيراني في ندوة أقيمت في استانبول، حيث تناولت كبرى حوادث الأمة الإسلامية، وعلى رأسها الثورات القائمة ضد التسلط والإستبداد، بدءاً من تونس إلى مصر إلى ليبيا وصولاً إلى سوريا.

وهذه نص كلمة الشيخ بيراني:

 الحمد لله والصلوة والسلام علی رسول الله وعلی آله وأصحابه ومن والاه.

بابتهاج کبیر وسعادة غامرة أشارک في هذه الندوة التی تتناول کبری حوادث الأمة الإسلامیة بعد قرون من نضالها وصبرها وحزنها فالشکر الموصول للإخوة الأعزاء في مرکز الأبحاث الاجتماعیة والاقتصادیة رئیسا و أعضاء حیث وجهوا الدعوة إلینا لمثل هذه الندوة وهی تذکرنا بالقائد والداعیة الکبیر الأستاذ نجم الدین اربکان رحمه الله تعالی وجهوده المشکورة في خدمة الأمة. کما أنقل إلیکم تحیات إخوانی و أخواتی فی جماعة الدعوة والإصلاح فی إیران وهی جماعة إسلامیة تعمل فی مناطق أهل السنة فی خمسة عشر محافظة من واحد وثلاثین محافظة فی البلاد.

أصحاب المعالی والفضیلة والسعادة الأخوة والأخوات الأساتذة حضرات السیدات والسادة قبل هذه الثورات في الدول الإسلامیة کان یحاول البعض من مثقفی الأمة الإسلامیة أن یقلل من دور العلماء والحرکات الإسلامیة وکأنه انتهی دور الإسلام، وکانوا یقومون بنشر ثقافة الیأس والوهن بین أبناء الأمة وکان له تأثیر، لکن شاء الله أن یمن علی علماء الأمة ومفکریها والحرکات الإسلامیة والدعاة إلی الله بإعطائهم دورا کبیرا فی تقریر مصیر شعوبهم والمساهمة في بناء کیان جدید متمیز عن سابقیها یلبی متطلبات الشعوب وآمالها ویسترد لها حقوقها وحریاتها الأساسیة وعیشها وحیاتها اللائقة بها.

فهذا التطور العظیم وهذه الثورات العظیمة التي بدأت من تونس ثم مصر ثم لیبیا ووصلت إلی کل من سوریا ویمن بهذه الصورة هی تذکرنا بقول عبدالمطلب جد النبي محمد صلی الله علیه وسلم خطابا لأبرهة إن للبیت ربا یحمیه.

في الحقیقة یمکن القول بأن هذه الثوراة بدأت من نقطة الیأس، یأس الشعوب من إصلاح أمورهم عبر آلیات المعروفة لدی الحکومات فأجواء الیأس کان یشکل أحد أسباب الثورة کما من أسبابها کذلک انتهاک حقوق الشعوب وکرامتهم وحریاتهم وسیطرة فئة قلیلة علی مقدرات البلد علی ثرواتها وفرصها. وغالبیة الشعب یعیش في الفقر وتحت وطئة الحاکم المستبد العمیل، فاتسعت دائرة الفساد بکل أشکالها السیاسیة والإقتصادیة والإجتماعیة والأخلاقیة فغابت العدالة ونشأت اختلالات وبرزت قیم واتجاهات هجینة ومتخلفة ودخیلة. وفي مثل هذا الوضع أضرم بوعزیزي النار علی جسمه ووصلت شرارتها إلی الحکام الظالمین فبدأت هذه الثورات من تونس وبعدها فی دول أخری فمنها مانجحت في الإزالة بالحاکم الظالم المستبد وإقامة مجلس تأسیسي أو إقامة إنتخابات نیابیة ومنها ما ینتظر فسبحان من یخرج الحی من المیت ویخرج المیت من الحی.

إخواني وأخواتي الأساتذة الکرام!

إن هذه الثورات منحة ربانیة کبیرة للأمة بعد عقود من إضاعة الحقوق والکبت للحریات والإقصاء والتهمیش وسجن الدعاة والعلماء والرموز ونفیهم من بلدانهم أو الحکم علیهم بالإعدام.

منحة ربانیة في کونها حرکة شعبیة عامة وبمساهمة أبناء الشعب وأحزابه واطیافه وتیاراته.

منحة ربانیة قي تقدیم حجم هائل من التربیة الجهادیة والتضحیة بالغالي والثمین والتکافل ووحدة الصف والإرادة الراسخة في بناء مستقبل متمیز وبمساهمة الجمیع الإسلامي واللیبرالي والمسلم والمسیحي والقبطي. الحدث عظیم فالثمرة عظیمة کذلک.

منحة ربانیة لأن طبیعتها إسلامیة حیث بدأت من المسجد وبشعارات إسلامیة -الله‌أکبر-و-الشهیدحبیب‌الله- وإقامة صلوة الجمعة في میادین التحریر.

من أجل ذلک کله وبما أن الحرکات والتیارات الإسلامیة في بعض هذه الدول التي أجریت فيها الإنتخابات نجحت مرة أخری في کسب ثقة کبیرة من أبناء شعوبهم، فزادت المسؤولیة وثقلت الأمانة أکثر من ذي قبل ومن هنا اسمحوا لي أن أقول إن الحرکات الإسلامیة قد نجحت في ظل سنة الإبتلاء في تحمل کثیر من المشاکل وقدمت تضحیات عظیمة وصبرت وصمدت ونصرت فانتصرت. فبالتالي قد تکون ثقافة المحن أشد عندها مکانة من ثقافة المنح وصبرها فی الضراء أقوی من صبرها في السراء.

فعلیها ان تفتح صفحة جدیدة وأن تعلم أنها الیوم أمام اختبار أشد من اختبار السجن والمعتقلات التي عانت منها طویلا فتلک فتنة یلجأ فیها المرأ لربه مباشرة ولکن فتنة الخیر والسعة والسلطة أکبر وأشد اختبارا. وصدق الله العظیم إذ یقول: {...وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ}. (الأنبیاء/۳۵)

فثقة الشعوب فی الحرکة الاسلامیة تلک رسالة واضحة من الشارع العربی والاسلامي والعالم أجمع وتحتم علیها أن تکون علی مستوی تلک المنحة وهذه الثقة وأن تتواضع لشعوبها وتعیش همومهم وتسعی بکل ود لإکمال المسیرة بالنجاح وبمشارکة کل القوی دون تمییز فکري أو إقصاء طائفي أو تهمیش قومي حتی یشعر الجمیع بالمسؤولیة لتقریر مستقبلها في معرکة بنائیة تنمویة.

إن الأمة الاسلامیة الیوم في حاجة ماسة إلی قیادات ذو کفائة فی المجالات الثقافیة والاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة تکون عماد الناس في أمور دینهم ودنیاهم یصلحون أمورهم ویسیرون بهم سیرة الراشدین سواء کانوا أمراء أو علماء أو مفکرین.

الأمة تحتاج الی الصدق مع الخالق والخُلُق مع الخلق وأن تعامل معها بعدالة الإسلام وسماحته. فالإسلام رحمة الله للناس جمیعا والمسلمون هم دعاة الخیر والمحبة والتسامح والسلام للبشریة جمیعا. ویقول الله سبحانه وتعالی: {وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}. (الانبیاء/107)

{يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى‏ وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. (الحجرات/13)

{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ}. (الحج/41)

فمهمة الحرکات والتیارات الإسلامیة هی الإصلاح. والإصلاح کان شعار الانبیاء-علیهم‌الصلاةوالسلام-المعبر الدائم عن جوهر رسالتهم، قال الله تعالی: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإِلَيْهِ أُنِيبُ}. هود/88


اترك تعليق