العودة: بعض أبنائنا نصبوا أنفسهم محامين عن الكيان الصهيوني وأدعو لاستيعاب الخارجين من السجون وعدم عزلهم

By :

-مصالح إسرائيل الانتخابية هي سبب العدوان وليست المقاومة

- المسافر يحتاج إلى إحساسه بالقرب من الله وليس البعد عنه

- الحنين شعور فطري تكشفه لنا الغربة ويمكننا استغلاله

- على المغتربين مراعاة الانفتاح وفي الوقت ذاته عدم الذوبان

- جزء من نظرة المسلمين للمرأة لا علاقة لها بالدين

- الإسلام أكد معنى التكافؤ بين الزوجين

اعتبر الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أن انتفاض بعض الشعوب الغير الإسلامية ضد العدوان على قطاع غزة من دافع إنساني، جاء أقوى ـ أحيانا ـ من رد بعض الشعوب العربية والإسلامية، مشيرا إلى أنبعض أبنائنا ، على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يتحدثون عن إدانة الهجوم الصهيوني بقدر تحميل الفلسطينيين مسئولية استفزاز الكيان وهو ما ينافي الحقيقة تماما.

وأكد ـ خلال محاضرة "حياة مغترب" بجامعة "ماستخرت" بهولندا عبر "اسكاي بي" ـ أن هذا العدوان على وجه الخصوص لم يكن بأي مبادأة أو مبادرة من الفلسطينيين، بل كل ما في الأمر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أراد أن يكسب صفوف الناخبين من خلال القصف والعدوان ليس أكثر، عبر إثارة مخاوف الإسرائيليين، كما فعل الرئيس الأمريكي السابق، حينما أثار مخاوف الشعب وجعلهم يعيشون حالة من الرعب ليعيدوا انتخابه، لافتا إلى أن الإحصائيات الآن تشير بالفعل إلى ارتفاع أسهمه داخل الكيان الصهيوني.

عدوان  واضح

وشدد فضيلته، على ضرورة أن يكون واضحًا لدى كل المنصفين ولدى العرب والمسلمين ـ على وجه الخصوص ـ أنها حالة عدوان واغتصاب واضحة وسافرة ولا يجب أن تمر بسلام، مستنكرا موقف بعض أبنائنا وبني جلدتنا وكأنهم محامون عن الكيان الصهيوني، أو يتهمون الفلسطينيين بأنهم هم البادئون.

وجدد د. العودة ترحيبه بالمواقف العربية والإسلامية مثل موقف مصر وتونس وتركيا وبعض دول الخليج، إضافة إلى مواقف الشعوب العربية وشعوب العالم التي تعلن احتجاجها على هذا العدوان في أكثر من مكان وبأكثر من طريقة.

وعدٌ بالنصر

ولفت د. العودة إلى معاناة اللاجئين السوريين الذين غادروا بلادهم بسبب قصف الطيران الجوي وبسبب براميل البارود التي يتم إلقاؤها عليهم؛ بل والقنابل الانشطارية، مشيرا إلى أن هذه الهجرة برغم ما فيها من الضيق والألم والضعف إلا أنّ معها أيضاً الفضل والرحمة والمن من الله -سبحانه وتعالى- لأن كلّ ضعف معه لطف، والله -عز وجل- هو القوي العزيز، وقد وعد المظلومين  بالنصر والانتقام من الظالمين.

السفر

واعتبر د. العودة أن السفر برغم ما فيه من ألم ومعاناة وبعد عن الأحبة وعن الأهل وعن الوالدين، وأحياناً أيضاً عن المساجد، فإنَّ فيه حركة وحياة وتجديدا وتعرفا وتجربة وتغييرا للروتين واكتساب عادات جديدة ومعارف وعلوم وخبرات، مشيرا إلى أن السفر مثل الحياة، جماله في مواجهة المتاعب،فالحياة إذا نظرنا إليها على أنها مجرد استرخاء لم يكن لها قيمة، إنما إذا نظرنا إلى الحياة بأنها مواجهة للصعاب والشدائد كانت أجمل.

وقال: "هكذا يجب أن نفهم الحياة، فقيمة الأشياء تكمن في السعي والمشقة في الحصول عليها، بمعنى أن الإنسان على ـ على سبيل المثال ـ يشعر بالمتعة حينما يذهب إلى المزرعة ويقطف الثمرة، لا حينما توفر له باستمرار دون أي مشقة".

تركيزٌ على العبادة

ولفت د. العودة إلى مجموعة من النقاط المتعلقة بالسفر والغربة: النقطة الأولى: مسألة العبادة، مشددا على ضرورة حرص المؤمن على أداء عباداته، وأن يؤدي كل صلاة في وقتها، وإذا احتاج إلى الجمع بحكم ظروف البلد فلا بأس في ذلك.

وأشار إلى أنه لا يرى قصر الصلاة إذا كانت إقامته طويلة كالموظفين ـ مثلا ـ في السفارات أو الطلبة أيضاً، بخلاف الجمع لأن بابه أوسع.

ونوه إلى أن "من العبادة هنا الحرص على الأذكار والدعاء؛ لأن المسافر غريب ويحتاج إلى إحساسه بالقرب من الله -سبحانه وتعالى-"، موصيا "أبناءه وبناته في الغربة بأن يكثروا الدعاء لإخوانهم في مصر وفلسطين وسوريا والمغرب العربي، والدعاء لوالديهم، ولأصدقائهم، ولأنفسهم ولأزواجهم ولأولادهم، ومن أفضل وأعظم الأدعية سؤال الله تعالى باسمه الأعظم، (اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ يَا حَىُّ يَا قَيُّومُ)، ولا بأس أن يضيف إليها (أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَىْءٌ، يعلم السر وأخفى).

اصنع الابتسامة

أما النقطة الثانية التى أوصى بها فضيلته، فتتعلق بمسألة "الابتسامة"، مشيرا إلى أن "الابتسامة خلق بسيط وعظيم نصنعه نحن ليصنعنا، بمعنى أننا حينما نتصنع الابتسامة في البداية حتى لو كان الإنسان حزيناً فإنها تفجر في قلبه ينابيع من الرضا والروح والفرح والسعادة والسرور والتفاؤل".

وأوضح د. العودة أن النقطة الثالثة تتعلق بقضية الإحسان، مشيرا إلى أن الإحسان هنا نوعين، الأول:هو الإحسان في طاعة الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لجبريل: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، والثاني: هو "الإحسان إلى عباد الله".

وأضاف أن النقطة الرابعة هي قصة "الأقربون"، مشيرا إلى أن مقولة "الأقربون أولى بالمعروف"، وإن كانت ليس حديثاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنه معنى صحيح. وشدد على ضرورة معاملة الأقربين في الغربة بالمعروف خاصة مع المرأة بأن يتذكر الزوج أنه في غربة وكذلك الزوجة تتذكر أن زوجها في غربة، مضيفا أن "على الإنسان أن يراعي غربة المرأة، لأن المرأة بطبيعتها اجتماعية أكثر من الرجل، وهي ابتعدت عن أمها وعن أخواتها وعن صديقاتها وبالتالي فينبغي على الرجل أنه يحتوي المرأة بعواطفه ومشاعره".

القدوة

وأشار إلى أن النقطة الخامسة تتعلق بقضية القدوة، داعيا إلى أن يضرب المغتربون القدوة والمثال، لافتا إلى أن بلداً ضخماً مثل إندونيسيا فيه أكثر من مائتي مليون مسلم لم يدخله الإسلام عن طريق الجيوش الغازية وإنما عن طريق التجار الحضارم وغيرهم.

وقال: "لن يتقبل الناس عربيا مسلما على خطأ أو في ملهى أو في مكان سيء أو يشاهدون أخلاقا قاسية أو يرونه منعزلاً بعيداً عنهم أو غير منضبط"، مشيرا أن الطلبة العرب والمسلمين ـ أحيانا  عن غير قصد ـ ينشرون الفوضى بطريقة عفوية وغير مقصودة، ومن هنا فلا بد أن تكون هناك "فرصة لتعلم بعض السلوكيات الحسنة والتدرب عليها".

الهدف

وأوضح د. العودة أن النقطة السادسة تتعلق بقضية الهدف خلال فترة الاغتراب سواء كان تجاريا أو تعليميا أو طبيا، مشيرا إلى أن على الشباب العربي والمسلم الاهتمام بصناعة مستقبله والاستفادة بطريقة ممتازة من الآخرين وألا تكون الفكرة مجرد الحصول على الشهادة.

أما النقطة السابعة فهي النجاح، مشيرا إلى ضرورة التعرف على عادات الناجحين، والسعي أن يكون الشخص واحداً منهم، سواءًا كان النجاح هنا تعليمياً، أو وظيفياً، معتبرا أن أجمل أنواع النجاح هو النجاح الحياتي بأن يكون الإنسان ناجحاً في حياته بشكل شامل.

معاملة غير المسلمين

وأوضح د. العودة أن النقطة الثامنة تتعلق بالتعامل مع غير المسلمين، مشددا على ضرورة أن نتذكر دائماً طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- مع غير المسلمين سواء اليهود أو المنافقين في المدينة أو الوثنيين بمكة والذين قال لهم -صلى الله عليه وسلم-:«اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».

وأكد على ضرورة التعايش بالخلق الكريم، والصبر،والحلم، والبر، التي ذكرها المولى ـ سبحانه وتعالى ـ في قوله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} ، مشددا على ضرورة أن يكون التعامل إنسانياً فطرياً، وليس كما يتصور بعض لشباب أن التدين هو نقيض الإنسانية.

تواصل

أما النقطة التاسعة فتتعلق بمفهوم التواصل التقني، مشددا على ضرورة استخدام تقنيات التواصل مع الوالدين و الأصدقاء والأقربين ، وليس كما يفعل البعض حينما يغترب يعيش حالة صدود أو انشغال عن الأهل، وينسى أن هناك قلوباً تنتظره، وتريد أن تسمعه أو تراه وخاصةً الوالدين.

حنين

وأشار إلى أن النقطة العاشرة تتعلق بقضية الحنين، مشيرا إلى أن الحنين شعور فطري تكشفه لنا الغربة، سواء كان الحنين للوالدين أو الأبناء أو الزوجة، ويمكن أن يحملك على كتابة قصيدة أو قصة أو رسالة أو ذكرى، مشيرا إلى أن أجمل الكلام والشعر والقصص وأروعه ما كان متعلقا بالمعاناة الناتجة عن الغربة.

أما النقطة الحادية عشرة فهي قضية السعادة، مشيرا إلى أنه بإمكان أي شخص أن يصنع السعادة من خلال "استغلال الأماكن والمجتمع الجديد في الاستمتاع بالحياة". وقال: "فمثلاً في هولندا عندما يبزغ الصباح تستشعر جمالية يوم جديد، وتتوقع الخير والفضل من الله -سبحانه وتعالى-، وترسل تحية الصباح لأصدقائك، وتبدأ يومك بأهلك وأسرتك بالعلاقة الطيبة والحميمية معهم"، إضافة إلى استلهام وتأمل جماليات الحياة المختلفة من طير وشجر وطبيعة وغير ذلك.

حرمانٌ من السعادة

واعتبر د. العودة أن أكثر ما يحرم الإنسان من السعادة هو التفكير الدائم في الماضي أو التفكير الدائم في المستقبل، داعيا إلى التغاضي عما مضى ونسيانه ، مضيفا أنه "بإمكانك أن تخطط للمستقبل دون أن تطيل فيه لدرجة أن يسرق منك فرحة الحاضر".

المرأة المغتربة

وأشار د. العودة إلى أنَّ معاناة المرأة المغتربة بالرغم من أنها أكثر قدرة على التكيف من الرجل، إلا أن غربتها في الغالب أقسى من غربة الرجل لاعتبارات كثيرة مرتبطة بظروف الغربة ومسئوليتها تجاه زوجها وأولادها.

وشدد على ضرورة حسن التعامل مع المرأة في كل الأحوال خاصة في أوقات الغربة، مذكرا بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم-: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».

حركات نسوية

وأوضح أن الشعوب الغربية ربما أفرطت في الحريات للمرأة أكثر مما هو مطلوب، حتى ظهرت الحركات النسوية ومن بينها ما يسمى بـ"الفييمينزم" في أمريكا وفي أوروبا؛ وهي حركات نسوية مفرطة في استقلالية المرأة وتجاوز الحدود، مؤكدا أن خطورة هذه الحركات تكمن في بعدها عن الفطرة و الدين والقيم والأخلاق، ومن هنا ينبغي الحذر من مثل هذه الثقافات.

توازن

وأوصى د. العودة بضرورة التوازن خلال التعامل مع المرأة في المجتمعات الغربية "بمعنى أن ثقافتنا المحلية في طريقة التعامل مع المرأة ينبغي ألا تكون هي الحاكمة في تعاملاتنا مع النساء في هذه المجتمعات".

وقال: "على سبيل المثال في مجتمعاتنا تعوّدنا على أنّ الرجل يمشي والمرأة تسير خلفه حينما يذهبان إلى السوق حتى لو كانت زوجته، وكأنه يستحيى من أن يسير بجانبها"، مشيرا إلى أن هذا الأسلوب ليس شرعياً لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سابق عائشة وسبقته، بمعنى أنها أصبحت أمامه"، مضيفا أن "كثيرا من الناس حتى من الدعاة أو العلماء ربما لا يستطيع أن يفعله باعتباره عيبا". وقال: "ليس كل موجود في مجتمعنا وخاصةً في شأن المرأة هو هدي إسلامي وهدي نبوي".

نظرة دونية

وأضاف فضيلته، أن كثيرا من شبابنا ينظرون إلى المرأة بنوع من الدونية أو اعتبار أنها مخلوق أقل أهمية وأقل إنسانية، بحيث لا يسمح لها بالتدخل أو مناقشة أي قضية أو رأي في المستقل، داعيا إلى ضرورة أن يكون هناك احترام متبادل بين الرجال والنساء.

وأكد أن "الندِّية" تعني تحقيق الوصف النبوي: «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»، والله -سبحانه وتعالى- يقول: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى}، ولذلك فقد سمى الله تعالى، الرجل زوجاً والمرأة زوجة مما يؤكد مبدأ التكافؤ بين الرجل والمرأة.

وأوضح أنَّ العرب كانوا لا يرون أي شأن للمرأة حتى نزل قول الله تعالى في القرآن الكريم يذكر: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِين َوَالصَّابِرَاتِ..} فأدركوا أن الله تعالى جعل المرأة نظير الرجل؛ بل وفي بعض الأحيان تفوق الرجل، كما في حديث الرجل الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم- من  أبر؟؟ قال: « أُمُّكَ ». قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: « ثُمَّ أُمُّكَ ». قَالَ ثُمَّ مَنْ؟.. قَالَ: « ثُمَّ أُمُّكَ ». قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: « ثُمَّ أَبُوكَ ».

ذوبان

وأوصى د. العودة المغتربين بألا ينساقوا مع البيئات الغربية أو أن تذوب ثقافتهم وتميزهم وإيمانهم؛ لأنهم تنتمون إلى دين وإلى حضارة وإلى أمة مختلفة في نظرتها إلى المرأة عن الرؤية الغربية المادية، إلا أنه شدد ـ في الوقت ذاته ـ على ضرورة عدم الانسياق وراء تفاصيل الثقافة المحلية التي لا تعطي المرأة حقها، بمعنى عدم الانصهار في البيئة الجديدة رغم قوتها وتأثيرها وفي المقابل عدم الانكفاء والانغلاق والعادات المحلية.
 
يدعو لاستيعاب الخارجين من السجون وعدم عزلهم 

إلى ذلك استنكر الدكتور سلمان بن فهد العودة، امتهان كرامة السجين عقب إطلاق سراحه سواء بالتجاهل أو سوء المعاملة أو الحكم المتسرع ضده، داعيًا المنظمات الرسمية والمجتمع إلى استيعابه وإعادة إحساسه بالكرامة وحسن توجيهه بعيدًا عن التوبيخ والتعيير والتعنيف واللوم المتكرر. موضحًا أنَّه إذا لم نساند الخارج من السجن ونقف معه ونسنده.. فعلينا أن لا نفرط في التوقعات الوردية.

وفي مقاله "كرامة سجين" والمنشور بموقع "الإسلام اليوم" بالتزامن مع عدد من الصحف الخليجية والمصرية وصف العودة مأساة السجين بأنه، "خرج من سجن ضيق يوفر له السكن والطعام، ويعفيه من التطواف، إلى سجن كبير؛ يلاحقه حيثما ذهب، ويحمله مسؤولية نفسه دون أن يوفّر له أسباب النجاح"، متسائلاً: "ما معنى أن تُخرج سجينًا وتتركه يواجه صعوبات الحياة بمفرده، وأنت تعزله عن فرص النجاح أو -على الأقل- لا تبالي به نجح أم أخفق؟!".

وتابع: "أين دور رجال الحي؛ الذين يجب أن يستوعبوا المولود الجديد، ويعيدوا إليه إحساسه بالكرامة؟ ويحسنوا التوجيه؛ بعيداً عن التوبيخ، والتعيير، والتعنيف، واللوم المكرور!؟"، مضيفًا: "هل نملك ثقافة إعادة الكرامة الإنسانية إلى إنسان ظل محرومًا منها لسنوات أم سنزيده هوانًا وإحساسًا بفقدان الانتماء؟"

وأشار د. العودة إلى سوء نظرة المجتمع للسجين عقب خروجه للحياة قائلا: "السجين "ص" يخرج فيفرح به أهله، وفي النفوس غصَّة، وفي عيون الأطفال تساؤل، وفي قلوب الأمهات جراح لا تندمل"، مضيفًا "الجيران يتحاشون اللقاء؛ خوفًا من العيون المتلصصة، ومن يضطر للسلام يلمح عن الانتقاد بكلمة "الله يهديك!".

ووصف د. العودة ما يواجه السجين عقب خروجه بقوله: "الأصدقاء انفضُّوا، والجماعات تفرَّقت.. الوظيفة قد سُحبت، وعليك أن تبحث بنَفَسٍ طويلٍ عن عمل، ومن ذا سيقبلك؟ أو أن تقبل مد اليد أو أن تكون عالة على أسرتك ووالدك!".

ودعا د. العودة إلى ضرورة أن يؤدي المجتمع دوره في الوقوف بجانبه قائلاً: "هلمَّ بنا الآن نزور مفرَجاً عنه، ونهنؤه بالسلامة، ونضاحكه، ونتبسَّط معه.. دون أن يكون هدف الزيارة نصيحة أو نقداً أو تقويماً لشخصيته، وما كان، وما صار"، مشددا على ضرورة "الكف عن الاتهامات الجزاف، والتصنيف المتسرِّع، ونعود إلى حفظ كرامة الإنسان، وأخوَّة المسلم، وحسن الظن به، وتوقع الأفضل منه"، والمساعدة "في بناء المستقبل، وتذليل الصعاب، وإعادة اللحمة، وتجاوز الماضي".

واختتم بقوله: "حين نشهد حالات إفراج متعددة فعلينا أن نُسرّ بها، وفي الوقت ذاته أن نتساءل عن دورنا وواجبنا تجاه هذه الأرواح المضحية؛ التي تبحث عن الطريق فتخطئ وتصيب".


اترك تعليق