العودة: الإصلاح هو الحراك المطلوب الآن وليس مزيدًا من الدماء

By :

- الثورات العربية لم تكتمل بعد والشعوب لا زالت تتطلع لمستقبلها

- لم أكن أتوقع أن أعيش لأرى عروشا تتهاوى وشعوبا تقرر مصيرها

- "الحلم" يمد الإنسان بقيمة الحياة حتى لو افتقر لأسباب تحقيقه

- حقوق المرأة في مجتمعاتنا كلام نظري والمرأة لا زالت  تعاني

- نحتاج للتفريق بين ما هو عادة اجتماعية وما هو شريعة منزلة

- مناهجنا الدينية تحتاج للتطوير والتحديث مطلب شرعي

- المبتعثة بدون محرم عرضة للضياع فضلا عن مخالفتها للشرع

دعا الدكتور سلمان العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين،  المبتعثين إلى ضرورة التوازن خلال سنوات الابتعاث، محذرا من خطأ الانعزال كنتيجة لسلبيات المجتمع الجديد أو الانفتاح الزائد الذي يولد ردة فعل ضد المجتمع الأصلى.

وأشار  ـ خلال لقائه مع المبتعثين السعوديين بالولايات المتحدة عبر قناة "سعوديون في أمريكا" على موقع "يوتيوب" ـ إلى خطأ نظرة الشباب  للمجتمع الجديد بسلبية تلجئهم للعزلة، وكأنهم فقط يريدون تحصيل تعليم مجرد من أي ثقافة أخرى، لافتا ـ في الوقت ذاته ـ إلى خطأ الانفتاح على المجتمع الجديد بصورة تولد ردة فعل عنيفة ضد المجتمع الأصلي.

ونصح ـ في هذا الصدد ـ بضرورة قراءة الكتب المقارنة بين المجتمعات "بحيث تكتشف نقاط القوة في مجتمعك لتحافظ عليها، وتكتشف نقاط القوة في المجتمع الذي تعيش فيه لتقتبسها وتستفيد منها".

ودعا كذلك إلى ضرورة اقتباس العادات الحسنة المتعلقة بالنظام والانضباط ـ ليس أثناء وجودنا فقط بحكم أن القانون ـ ، وإنما كثقافة أصيلة نصطبغ بها.

ضرورة الخيال

كما دعا فضيلته إلى ضرورة التحلي بالطموح والخيال، لأنه بدون الحلم تصبح الرغبة في الحياة غير واضحة. وقال "الأحلام التي نرغب أن نعيش من أجلها قد تكون على صعيد المجد الشخصي أو المعرفي، أو الإنجاز السياسي، وهو ما نشعر به الآن". وتابع "أعتقد أنني عشت أكثر مما كنت أتوقع"، مضيفا  "لم أكن أتوقع أن أعيش لأرى عروشاً تتهاوى وتتساقط في مصر وفي ليبيا وفي تونس وفي سوريا قريباً إن شاء الله وفي اليمن وفي غيرها".

وتابع: "لم أكن أتوقع أن أعيش لأرى الشعوب العربية وقد بدأت تفكر بمصيرها وتفكر بمستقبلها وتبحث عن الحلول وأصبحت الحكومات تحاول أن تقرأ رغبة الشعوب وتستجيب لها، وتقر ـ ولو بشكل نظري ـ أن هذه الشعوب هي مصدر شرعيتها ومحل مرجعيتها".

إلا أن د. العودة أشار ـ في الوقت ذاته ـ إلى أن الشعوب لا زالت تتطلع لتحقيق نهضتها الكاملة، وأن القصة لم تنته بعد قائلاً: "شاهدنا الوجه الأول من هذه القصة وهو سقوط وتهاوي عروش الظلمة والطغاة والجبارين، وشاهدنا الشعوب العربية تتحرر، ولكن هذا لا يعني أننا شاهدنا كل شيء، لم نصل إلى نهاية المطاف هناك ثورات منقوصة -إن صح التعبير- مثلما نجد في مصر، مثلاً، أو تونس أو ليبيا حيث الشعوب لا زالت تتطلع إلى مستقبل أفضل".

إصلاح دون هدم

وحول الحراك الثوري ضد الأنظمة العربية، أكد د. العودة أننا لا نتمنى أن يحدث في كل بلد نزيف دماء"، مشددا على ضرورة أن تستمع الأنظمة إلى صوت الناس ونبض المجتمعات وأن يشعر الناس أن هناك ضوءاً في آخر النفق.

وقال: "قبل أسابيع تحدثنا عن مجلس شورى منتخب في "تويتر" وعمل عدد من الشباب "هشتاج" حول هذا الموضوع، وخلال ساعات جمع نحو ثلاثين ألف تغريدة، وقبل أيام رأينا مجلس الشورى يتم الإعلان عن أعضائه كما هي العادة"، داعيا إلى "السعي المرتب والناضج في الإصلاح بعيداً عن هدم المؤسسات الموجودة كما حدث في أكثر من بلد على سبيل المثال في ليبيا أو سوريا أو في غيرها".

طموح وتوقُّد

وأشار الشيخ سلمان إلى أن "عمر الإنسان لا يحسب بالسنوات وإنما بالروح والحيوية والطموح والتوقد"، مشيرا إلى أن هناك شابا في مقتبل عمره يشعر بالهرم والشيخوخة وآخرون قطعوا مرحلة لا بأس بها من العمر يعيشون أحلامهم غضة طرية حية".

وحث الشيخ سلمان متابعيه إلى ضرورة التخيل وتوقع الأفضل دائما، مشيرا إلى أن الخيال ـ كما يقول البعض ـ "أهم من المعرفة لأن الخيال هو الذي يحول هذه المعرفة إلى واقع ويبرمجها".

واعتبر أن "ميزة الخيال أنه لا يستجيب للقيود حتى السجن وكل وسائل الترهيب البشرية"، مشيرا إلى أن الخيال هو الذي يمد الإنسان بقيمة الحياة، حتى لو لم تكن لدينا أسباب كافية لتحقيقها الآن وربما تتحقق غداً أو بعد سنة أو عشر سنوات، ويمكن أن تتحقق على أيدينا أو تتحقق على يد من بعدنا".

منهج نبوي

ولفت د. العودة إلى المنهج النبوي المحفز على الخيال مثل قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لا يخاف إلا الله ، أو الذئب على غنمه)، مشيرًا إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضرب هذا المثال الذي لا يمكن أن تسمعه دون أن تتخيل أن راكباً على بعيره من صنعاء إلى حضرموت وهي منطقة في أقصى الجزيرة العربية لا يخاف إلا الله، بمعنى أنه حصل على الحقوق، وعلى الحريات، ولذلك هو لا يخاف من الحاكم ولا يخاف من الشرطي ولا يخاف من الظلم.

لغة الحوار في الغرب

وشدد د. العودة على اختيار لغة الحوار وفقا للمجتمع الذي نعيش فيه، مشيرا ـ في هذا الصدد ـ إلى أن بعض شبابنا لا يمتلك ثقافة تؤهله أصلاً للحوار، وربما يخاطب الأمريكي ـ في قضايا المرأة أو الجهاد ـ بنفس اللغة التي يخاطب فيها زميله في المدرسة الثانوية في الرياض أو جدة ـ مثلا ـ وكما يقال: "فاقد الشيء لا يعطيه".

المرأة في مجتمعاتنا

وأضاف أن الكلام عن اكتمال حقوق المرأة في مجتمعاتنا العربية كلام نظري أكثر منه حقيقة، مشيرًا إلى أن المرأة لا زالت  تعاني من أشياء كثيرة كعدم الحصول على حقوقها المالية أو على إرثها أو مصادرة حقه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: « إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ »، على الرغم من أنها محفوظة إلى حد كبير من الانحلال الذي نجده -مثلاً- في مجتمعات غربية.

وأشار إلى أن هناك أيضا  عدوانا على المرأة، وفي كثير من الأحيان لا تستطيع النساء البوح بمعاناتها، وهو ما ينبغي إدراكه والسعي في معالجته بدلا من رسم مجتمعنا على أنها مجتمع ملائكي، مستنكرا الدفاع عن كل ما هو موجود في مجتمعنا كما لو كان شريعة من عند الله أو سنة نبوية.

وشدد على ضرورة التفريق بين ما هو عادة اجتماعية ، وبين ما هو شريعة نحتاج أن نقدمها للناس بالعقل والحكمة والمنطق.

المسلمون الجدد

ودعا الشيخ العودة إلى الرفق مع المسلمين الجدد في البلدان الغربية، والتركيز معهم على الأشياء الأساسية كقضية أركان الإيمان وإثبات وجود الله أو تقرير القرآن الكريم للإلوهية والربوبية ولأسماء الله وصفاته بالمعنى الصحيح الذي ليس فيه تمثيل أو تجسيد أو تشبيه بالخلق ولكن فيه إثبات الأسماء والصفات بشكل لا يحيط البشر به علماً، إضافة إلى أركان الإسلام، وقضية الأخلاق والقيم مثل العدل مثل الإنصاف بر الوالدين وصلة الرحم الإحسان إلى الخلق وهو ما يستهوي جميع الناس لأنه من المشترك الإنساني.

تطوير المناهج الدينية

واعتبر د. العودة أن المناهج الدينية بحاجة إلى تحديث وإلى تجديد حتى في الأمثلة وطريقة العرض، مشيرا إلى أن الذي يدرسه أبناؤه الآن هو قريب مما درسه قبل أربعين أو خمس وأربعين سنة، مشيرا إلى أن عملية التحديث والمواكبة مطلب شرعي.

ونوه د. العودة إلى أن القصة هنا ليست في المعلومات وإنما مرتبطة بطريقة تقديم المعلومة، قائلا: "لا أعتقد أن مناهج التعليم عندنا تعزز حب الله وتعزز حب الإيمان وتعزز حب الأخلاق، وإن كانت تتضمن معلومات صحيحة، إلا أنها تحتاج إلى إعادة نظر في طريقة عرضها".

أحكام مختلفة

ودعا د. العودة إلى المداومة على الذكر والاستغفار لأن الإقامة مع غير مسلمين فيها إشكال، وربما يشاهد المبتعث الكثير من المنكرات، وقد يتلبّس بشيء منها من غير قصد ولا اختيار في الجامعة أو في الفصل أو في المدرسة أو في السوق أو في البيت إلى غير ذلك لأنه لا يتحكم في هذا المجتمع وليس هو الذي يضع نظامه"، مشيرا إلى أن ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ذكر في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" كلامًا مفاده أن الإنسان الذي يقيم بين أظهر مجتمعات غير إسلامية له أحكام  ليست مثل أحكام المجتمعات إسلامية.

إلا أنه أكد – في الوقت ذاته ـ على ضرورة ألا نحمل بناتنا وأبناءنا على اللامبالاة أو على التلبّس بما فيه شبهه أو ريبة أو ما قد يؤدي إلى ما بعده، فبعض الأمور ليست مشكلاتها في ذاتها وإنما باعتبارها مدرجاً وجسراً إلى ما هو أعظم وأشد منها.

سفر المرأة

وحول سفر المرأة أكد د. العودة أنه لا يجوز أن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، والأحاديث في هذا صحيحة وصريحة ، وهو مذهب الأئمة الأربعة ، ولكن بعض العلماء وضعوا استثناءات -مثلاً- في الحج إذا وجدت رفقة مأمونة، وابن تيمية -رحمه الله- يرى أن الأمر يُطرد في كل سفر فيه طاعة وخير وبر إذا احتاجت المرأة إلى ذلك.

وأكد أن سفر المرأة خاصةً في بلاد بعيدة جداً دون حسيب ولا رقيب، يعرضها للوقوع في محظورات كثيرة جداً أو للضياع بمعنى الكلمة.

وقال: "الذي يريد لابنته السفر في بعثة يجب أن يرافقها أو يوفد محرما"، متسائلا: "ما الذي يمنع أن يأخذ هو أو أحد إخوتها أجازة ويسافر معها".

أندية طلابية

وحول الأندية الطلابية في بلاد الابتعاث رأى د. العودة أن الأمر مرتبط بالالتزام بالتقاليد الإسلامية كابتعاد الطالبة عن التجمل أو التزين أو التبرج أو الخضوع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، إضافة إلى عدم الاختلاط والخلوة والاحتكاك المباشر كأن يكون الطلبة في قاعة والبنات في الجهة الأخر، مشيرا إلى أن الحياة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الرجال في مقدَّم المسجد والنساء في آخره ويصلون معاً خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم تنصرف النساء بأدب وينصرف الرجال بعد ذلك".

وقال: "القصة هنا مرتبطة بالنية الصالحة والمقصد الحسن"، مشيرا إلى أنه يقدر الخلاف حول هذا الأمر لأن هناك في المقابل تفلّت وشهوات إضافة ما يتسم به البعض من شدة حفاظ على نفسه أو على زوجته أو حتى على زميلاته.

وقال: "هناك أشياء بالتأكيد سنختلف عليها لأننا لسنا لبِنَات خرجنا من مصنع واحد متفق في الطول والعرض والعمق والكثافة، وإنما نحن بشر مختلفون"، داعيا إلى تقديم حسن الظن والتحاور وتقبل التفاوت في مثل هذه الأمور.

القصر والجمع في الصلاة

أما بالنسبة للقصر في بلاد الابتعاث قال د. العودة: إن المسألة فيها اختلاف، وبعض فقهائنا كالشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- كان يفتي بقصر الصلاة للمبتعث لأنه في حكم المسافر، وهو مذهب الإمام ابن تيميه وابن القيم-رحمهما الله-، ولكن الذي عليه جمهور العلماء بما في ذلك الأئمة الأربعة كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة هو عدم القصر، أنّ القصر مرهون بسفر مؤقت، أما السفر الطويل الذي قد يمتد لسنوات فالأقرب أنه أشبه بالمقيم ولذلك لا يقصر الصلاة.

وأشار إلى أنَّ الجمع شُرع للحاجة والضرورة، وإذا احتاج الإنسان إلى الجمع ـ سواءً بسبب الحصص الدراسية أو بسبب الاختبارات أو بسبب ظروف المجتمع ـ فإنه يجوز للحاجة، كأن يُريد الإنسان أن يخرج من البيت وإذا خرج قد لا يجد مكاناً يتوضأ فيه أو مكاناً يصلي فيه، أو أنّ شباباً اجتمعوا ولا يتيسر لهم دائماً الاجتماع فصلوا الظهر مع العصر أو صلوا المغرب مع العشاء فالجمع جائز في هذه الحالات.

الذبائح

وحول الذبائح في بلاد الابتعاث أوضح د. العودة أن طعام الذين أوتوا الكتاب حل لنا وطعامنا حل لهم كما ذكرت الآية الكريمة، مشيرا إلى أن المقصود بالأطعمة هي ذبائحهم لأن بقية الأطعمة هي في الأصل حل منهم ومن غيرهم إلا إذا علم الإنسان أن هذه الذبيحة وأن هذا اللحم ذبح بطريقة غير شرعية بدون تذكية أو ما أشبه ذلك.


اترك تعليق