العودة: الذكاء العاطفي ولغة الابتسامة هي بوابة الدخول للقلوب

By : محمد وائل

- الإلحاد ليس دائماً شبهة عقلية وإنما قد يكون ردة فعل

- كثير من الشباب مشكلته مع داعية وليس مع الإسلام

- الدعوة هي الأكثر احتياجا إلى العفوية والبُعد عن التكلّف

- السعادة تعني القدرة على اقتناص اللحظات البسيطة والتعامل معها

- الإعلام الجديد درّب الإنسان على الصمت وتحمل الخصوم

أكد الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أنَّ الدعوة ليست حكراً على أحد من الناس لا بالوراثة أو المكانة أو العلم، وإنما هي مهمة إنسانية ربانية عظيمة، على كل شخص من المسلمين قدر واجب منها، مشيرا إلى أهمية أن يتدرب الداعية على مهارات الإقناع والتغيير، إضافة إلى  العفوية والمعايشة والبُعد عن التكلّف.

مهارات الإقناع

وأوضح ـ خلال محاضرته "الدعوة والشباب" بصبيا جيزان ـ أنّ مهارات الإقناع تعني القدرة على مخاطبة العقل، لافتا إلى مخاطبة الله -سبحانه وتعالى- في القرآن الكريم للعقول بقوله: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَت * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، بل قال الله -سبحانه وتعالى-:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}.

وبيَّن د. العودة أن قوله ـ عز وجل ـ {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى}؛ يلفت إلى أن العقل الجماهيري يغلب عليه أحيانا العاطفة وليس التفكير؛ بمعنى أن العقل الجماهيري يغلب على العقل الفردي، ولذلك قد يكون بين الجماعة الفقيه والفيلسوف والعالم، ومع ذلك يتبعون رجلاً غير مؤهل لمجرد أنه قائد -مثلاً- أو  شجاع أو جريء أو ما أشبه ذلك، وبالتالي جاء قوله عز وجل: {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى}، بمعنى التفكر المنفرد بعيدا عن تأثير الجماعة.

الذكاء العاطفي

ولفت إلى أهمية اكتساب مهارة الذكاء العاطفي، الذي يعطي انطباعاً ايجابياً لدى المتلقي، ومن ذلك لغة الابتسامة التي اعتبرها النبي -صلى الله عليه وسلم- صدقة، وبيَّن أن المؤمن يترقَّى فيها من مجرد ابتسامة عابرة إلى أن تكون طبيعة وجبلة، لافتا إلى أنَّ النساء يتميَّزن بسرعة بناء العلاقات عن الرجال.

وأشار الشيخ سلمان العودة إلى ضرورة تعلم بناء الجسور مع الآخرين قائلا: "من خلال تجربتي البسيطة في الحياة وجدت أن البعض يتردد كثيرا في الكلمة ويحسب لها مع أن الأمر لا يتطلب ذلك، لأنها بالمجان، الأهم فقط هو أن تكون الكلمة طيبة وليست إثماً أو قطيعة رحم".

وأضاف "قد تكون الكلمة في دائرة المباح ولكن الله تعالى يكتب لك الأجر بنية إدخال السرور على قلب أخيك، فربما كان هذا الشخص لديه مشكلة أو معاناة أو حائراً لا يجد من يستمع إليه"، مشيرا إلى أن كثيرا من المشاهير بمال أو سلطان أو علم أو وجاهة أو رياضة أو إعلام أو فن هم أحوج من يحتاجون للاستماع إليهم.

أبراج الدعاة

وقال: "على الدعاة ألا يبنوا أبراجاً عاجية وصوراً مثالية وإنما ينزلون إلى واقع الناس ويتحملون"، مقارنًا بين شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين شخصياتنا في كثير من الأحيان، قائلا: "وجدت أن البعض يتعمد فعل أشياء عجيبة حتى في ملبسه مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يأتيه الرجل من البادية وهو جالس في أصحابه فلا يعرفه من بينهم، حتى يقول: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ مثلما في قصة ضمام بن ثعلبة".

وأضاف أنه "ليس من الضروري أن يتميز الداعية عن الناس في كل شيء، وأن يتمسك بما يسمونه "البرستيج"، مشيرا إلى أهمية أن يكون "الإنسان قريباً سهلاً سمحاً متواضعاً، إلا إذا كان الداعية مديراً في مدرسة ـ مثلا ـ يخاف أن يكسر الطلبة جاهه، أو يسيئون إليه، فهذه لها اعتبارها ولها حكمها".

لغة السعادة

وأشار إلى أن مفهوم السعادة يعني القدرة على اقتناص اللحظات الصغيرة البسيطة والتعامل معها إيجابية، قائلا: "كل ما في الأمر إذا استطعت أن تشرب فنجان الشاي الأخضر مع زوجتك أو صديقك أو ابنك لا تسأل: "ما قيمة هذه الجلسة؟"، لأن هذا السؤال هو الذي يفسد الحياة". وتابع: "ققط فكر أن هذه لحظة جميلة، وأنها هبة من الله سبحانه، اغتنمها".

وأضاف: "الابتسامة بحد ذاتها صدقة وخير، وهي تضيء داخلك كما تضيء للآخرين الذين يشاهدونها".

تجربة جزر المالديف

وذكر د. العودة ـ في هذا الإطار ـ أنه سافر قبل أربع سنوات مع أسرته لجزر المالديف بدعوة من وزارة الشئون الإسلامية، وتم التقاط صور عائلية قام ابنه بنشر نحو خمسين صورة على المواقع الإلكترونية من بينها صورله  في البحر، وأخرى خلال لعبه مع أبنائه، وهو ما أشعرهم بنوع من الكرب، إلا أنهم فوجئوا برد فعل إيجابي كبير بعد أن تبادلها الإخوة في المواقع، لدرجة أن البعض أقسم أنهم "ما يجلسون مع أطفالهم بهذه الطريقة العفوية والجميلة".

ونوه إلى أهمية أن يكون الداعية أكثر قرباً مع الناس، فبدلاً من أن يتحدث إليهم، يتحدث معهم ويستمع إليهم ويشاهدهم، مشيرا أيضا إلى ضرورة ثقافة الداعية وسعة معلوماته الحياتية، إضافة إلى سعة الصدر وتقبل الخلاف والصبر على الناس بل والعدوان، أحيانا.

أذى الإعلام الجديد

ونوه د. العودة إلى أن "طبيعة الإعلام الجديد تدرب الإنسان على التعامل مع الخصوم، نظرًا لما يواجهه من حالات سب أو انتقاد وعدوان، فيتعلم الإنسان هنا الصبر والمصابرة والتحمل في صمت"، لافتا إلى أن تجربة الصمت على الأذى، من الأمور التي حثتنا عليها نصوص كثيرة في الشريعة، ومنها ما ورد عن أن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ كان في مجلس فقام رجل يسبه، والنبي - صلى الله عليه وسلم- جالس، وأبو بكر أخذ مقام الصمت، فلما طال السب قام أبو بكر يدافع عن نفسه، فقام النبي، من المجلس، فلحق به أبو بكر وقال: يا رسول الله كان هذا الرجل يسبني وأنت جالس وساكت، فلما دافعت عن نفسي قمت. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: يا أبا بكر كان ملك يدافع عنك، فلما تكلمت حضر الشيطان ولم أكن لأقعد في مجلس حضر فيه الشيطان".، مشيرا إلى أن "الصمت ـ أحيانا ـ يكون خير وسيلة للدفاع عن النفس".

حفظ العلاقات

وأشار د. العودة إلى أهمية حفظ العلاقة العاطفية لأن كثيرا من الناس يبنون علاقاتهم بسرعة كبيرة ثم يهدمونها بعد فترة قصيرة، مشيرا إلى أن الذكاء العاطفي يعني استمرار هذه العلاقة، وكما يقول معاوية - رضي الله عنه - : "بيني وبين الناس شعرة إن شدوها أرخيتها وأن أرخوها شددتها".

وأشار الشيخ سلمان إلى أهمية مفهوم العفوية والاقتراب من الناس، مشيرا إلى أن هناك عوائق كثيرة يضعها بعض الدعاة عن اليمين وعن الشمال و"كأنه يخشى أن ينكسر جاهه عند الناس".

إلحاد الشباب

وأشار إلى انتشار ظاهرة الحديث عن الإلحاد بين الشباب مع توسع تقنيات التواصل التي ألغت الحواجز بين المجتمعات، فتجد كثيرا من الشباب العربي والإسلامي يتحدثون عن ما يسمونه بـ"تجربتهم مع الإلحاد"، وهو ما يتطلب قدرًا كبير جداً من الإقناع.

ولفت الشيخ سلمان إلى أهمية أن يكون لدينا دعاة متخصصون في الرد على شبهات الإلحاد، وفي تعزيز الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- عند الشباب، مشيرا ـ في الوقت ذاته ـ إلى أن ضرورة معرفة أن الإلحاد لا يعالج فقط بالإقناع العقلي بل هناك مهارات التأثير؛ لأن الإلحاد ليس دائماً شبهة عقلية، وإنما يكون ـ أحياناً ـ عارضاً بسبب المرحلة العمرية التي يعيشها الإنسان.

وأضاف "أنَّ كثيراً من الشباب بعدما أستمع إليهم أكتشف عدم وجود شبهة عقلية في وجود الله بقدر ما لديه وسوسة نفسية وأسئلة تحتاج إلى جواب وأمور تحتاج إلى كشف، إضافة إلى تعزيز ثقته بإيمانه وبدينه، ولذلك غالباً ما تكون مشكلة الإلحاد في سن المراهقة وفي سن المرحلة الجامعية".

ردة فعل

كما أشار إلى أنَّ مهارات التأثير من شأنها أن تدعم الحجج، مشيرا إلى أن كثيرا من الإلحاد جاء نتيجة ردة فعل أو صدمة بسبب ظروف وتحديات الواقع، وبعض المشكلات؛ سواءً داخل الأسرة أو المجتمع أو حتى البيئة الدعوية.

وقال "كثير من الشباب ليست مشكلته مع الإسلام، وإنما قد تكون مع شخص داعية أو حتى مدرسة فقهية أو دعوية أو اتجاه أو تيار معين"، مشيرا إلى أن هناك فرقا بين إنسان منطلقه إلحادي حقيقي وبين آخر قد يكون عنده ردة فعل -إن صح التعبير- بسبب ظروف معينة عاشها أو تصرفات واجهها أو ـ ربما ـ عدم القدرة على الاستيعاب والتكيف".

تحقيق الصدق

ونبه الدعاة إلى ضرورة تحقيق الصدق مع الله والبُعد عن حظوظ النفس، خاصة مع ما يحيط بالدعوة من جاه ومنصب ومكانة ومظنة الوقوع في الفتنة، لافتاً إلى قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- « إِنَّ لِكُلِّ شَىْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ »، بمعنى أن الشهرة والمكانة والمنزلة عند الناس والتصدير في المجالس ينبغي ألا يلهي الداعية عن نفسه وعن الانتباه لمشاعره ومقاصده والتوقف عند حدود الله، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- «فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ» أي لم ينهمك أو يندفع في هذه الأمور.

وأشار فضيلته إلى أنَّ "الإنسان قد يستفيد الحكمة ممن هو دونه أو أقل منه علماً أو منزلةً أو مكانة"، لافتاً إلى أنَّ نبيَّ الله سليمان - عليه الصلاة والسلام- سأل الهدهد واستجوبه، و"أنَّ مما عزى وصبَّر الإمام أحمد - رحمه الله - في السجن أن جاءه رجل وقال له: يا أحمد أنا رجل سُجنت عشرات المرات من أجل السرقة وجُلدت وأُوذيت وليس لي في ذلك أجر ولا احتساب، وأنت رجل أوذيت في ذات الله تعالى فاصبر واحتسب.  فقال الإمام أحمد: فكان هذا مما عزاني وقوى صبري في السجن"، مشيرا إلى أن العالم والشيخ قد يحتاج إلى من ينبِّهه إلى نص شرعي غفل عنه أو إلى ضعف وقع فيه.

بشر دون خطأ!

وأشار د.العودة إلى كيفية التعامل مع الأخطاء خاصة وأن الناس بطبيعتهم الخطأ، و« كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ »، مشيرا إلى أن تصوُّر بشر من دون خطأ أمر غير واقعي حتى فيما يتعلق بالمجتمعات، لأن الأخطاء حصلت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعض أصحابه، مشيرا ـ في الوقت ذاته ـ إلى ضرورة التوازن ما بين النظر إلى الخطأ على أساس أنه خطأ ويجب دفعه وتقليله، وبين أن يكون ذلك في إطار من الحلم والود والصبر.

الشهوة

ونوه إلى أن أعظم ما يدفع الناس إلى الوقوع في الخطأ، هو الجوانب الجنسية، سواء تمثلت في اتصال هاتفي، أو "شاتينج"، أو علاقة، أو صحبة، مشيرا إلى أن كل هذه الأمور في النهاية لا تستحق أن تضحي وتعصي الله -سبحانه وتعالى- من أجلها، إضافة إلى أنها محفوفة بكثير من المخاطر.

وقال: "أعرف أسرار بعض الشباب الذين يشتكون من الأمراض بسبب خطأ ارتكبوه مرة واحدة فقط، فربما شهوة ورَّثت حزناً طويلاً وأفسدت دنيا الإنسان فضلاً عن آخرته"، مشيرا إلى أن الإنسان "لا يستمتع بالحرام، مهما حاول، لأن بداخله شيئاً يدفعه دائما للإحساس بالذنب، كما أن إدمان المعصية، في ذات الوقت، يُحرم الاستمتاع بالحلال".

وقال: "على العبد أيضاً أن يدري أن الامتناع والاستعصام وطاعة الله -سبحانه وتعالى- فيها من السرور وقرة العين ما لا يمكن أن يجده الإنسان في مثل تلك الذنوب والمعاصي".


اترك تعليق