القره داغي لموقعنا: سوريا تحتاج إلى دعم العرب والمسلمين

By :

أشاد فضيلة الشيخ د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بموقف دولة قطر التي التزمت تنفيذ قرار الجامعة العربية في اعترافها بالائتلاف السوري، داعيا إلى وجوب مد يد المساعدة بما نملك من الزكاة والصدقات لإخواننا السوريين، وقرر قائلا: اليوم أنا لا أجد أهم من دعم سوريا بكل ما تعني هذه الكلمة.

وقال القره داغي: إذا كنا نتحدث عن الإحسان، فإن من معاني الإحسان أيضا فعل الخيرات، وتشمل كل المجالات التي يمكن للإنسان أن يقدم فيها الخير والمصلحة والمنفعة لأخيه المسلم، ويشمل الخيرات: قول الخير، وفعل الخير، وتنفيذ الخير، والدعوة إلى الخير، فالإنسان المسلم هو خير بقوله وبفعله وبدعوته، لا يعرف الشر، ولا يعرف الضرر، وإنما يبتعد عنه، وإنما ينطلق من قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله سبحانه عنه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

وأضاف: من هذا المنطلق، أجد أنه من واجبنا الأساسي مساعدة إخواننا المستضعفين المشردين الذين يقتلون ويذبحون بكل أنواع الوسائل، وتشير الدراسات والتجارب إلى استعمال الغازات الكيمياوية السامة، ضد الشعب السوري المسلم المجاهد، الذي يقف أمام كل هذه الأسلحة، بصدوره العارية وبأسلحة خفيفة، والناس يتفرجون ولا نسمع سوى كلمات لا أكثر، ففي وقت الحرب ليس للبكاء والدموع فائدة، وإنما وقت الحرب ينبغي علينا أن ندافع، ونجاهد، ونساعد، ونشارك، وإن شاء الله سيساعدهم دعاؤنا وتضرعاتنا، لافتا إلى أن العالم الغربي أثبت فعلا الازدواجية في التعامل مع الشعوب المسلمة، حيث يقف متفرجا طوال العامين الماضيين والشعب السوري يقتل كل يوم.

وتساءل: أين الأمة الإسلامية، وأين قادتها، وقادة الدول العربية، الذين اجتمعوا في قطر، قطر التي لا تقصر والتي تفعل وتقدم الكثير من أجل سوريا، ولكن أين قرار الجامعة بالاعتراف بالائتلاف السوري؟ مشيرا إلى أن الدولة الوحيدة التي نفذت القرار هي دولة قطر، مطالبا المسلمين بمد يد المساعدة بما يملكون من زكاة وصدقات لإخواننا السوريين، الذين يحتاجون اليوم لدعمنا بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.

وأشار إلى أن ما يحدث في ميانمار وصمة عار في جبين الأمم المتحدة، وفي جبين المنظمات الدولية كلها بدون استثناء، وكأن هؤلاء المسلمين في ميانمار لا يستحقون أن يكونوا مواطنين، بل يراد لهؤلاء أن يذابوا، متسائلا: أين منظمة التعاون الإسلامي؟ لافتا إلى أن أهل ميانمار يلجؤون إلى بنجلاديش فارين، ولكنهم يلاقون من بنغلاديش الأسوأ، نظرا لأن الحكومة هناك تعامل شعبها بطريقة سيئة فكيف بمن لجأ إليها.

وكان فضيلته قد بدأ حديثه لموقعنا قائلا: يريد الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أن تكون أمة كاملة، كما أنزل عليها رسالة كاملة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، وهذا الكمال للأمة إنما يتحقق بأربعة أشياء أساسية، أولها: أن تكون القلوب والداخل مع الله سبحانه وتعالى، وهذا ما عُبر عنه بالتصديق بالجنان، بكل ما أمر الله سبحانه وتعالى له من الإيمان، وهذا هو الجانب العقدي والإيماني، الذي يتحقق من خلاله الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته. والأمر الثاني: أن تكون الألسنة والجوارح تعمل وفق ما أراده الله سبحانه وتعالى، وهذا ما عُبر عنه التصديق باللسان، والأمر الثالث: العمل بالأركان، وهذه الأمور الثلاثة معروفة لدينا، وعبر الرسول صلى الله عليه وسلم الجانب الأول بالإيمان والجانب الثاني والثالث بالإسلام. أما الأمر الرابع والأساسي، من إخلاص القلب لله، ونزاهة اللسان والأعمال الصالحات، وهذا الأمر عبر عنه الله سبحانه وتعالى وعبر عنه الرسول بالإحسان، وهذا ما دل عليه الحديث الصحيح الذي يرويه سيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه حيث يقول: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وهذا دليل على منتهى الأدب، وفي ذلك تعليم لمن أراد أن يتعلم من شيخ، أو أن يسأل سؤالا لأحد من العلماء، أن يكون بهذا المستوى من الأدب، من حيث الجلوس والهدوء والاستعداد والتفرغ لقبول الاستجابة للأسئلة التي يوجهها إلى الشخص المعنيّ، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً". قال صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك").

وقال د.القرة داغي: إن الإحسان جعله الرسول صلى الله عليه وسلم أعلى المراتب، حينما يكون هناك الإيمان والأعمال الكثيرة، فيزداد الإيمان بالله تعالى، أو حينما يكون الإيمان بالله حينئذ يزداد الإنسان عملا، وقربا من الله سبحانه وتعالى الذي آمن به، ويزداد كذلك استعدادا لهذا اليوم الآخر الذي يبدأ من بعد الموت إلى أن يدخل الجنة أو النار..ثم يرتقي الإنسان، ولا بد أن يرتقي، ولا يقف على هاتين المرحلتين، وإنما يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصل الإنسان بقوة هاتين المرحلتين إلى مرحلة الإحسان..و"الإحسان" في اللغة العربية من "أحسن" وكلمة أحسن لها عدة معان، تأتي بمعنى فعل الخير، أي فعل كل ما فيه منفعة وخير، وكل ما فيه تحقيق للطيبات فهو داخل في هذا الإحسان، إلا أنه يدخل فيه الاتقان، وهذا أيضا مطلوب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب من المؤمن إذا عمل عملا أن يتقنه) والله سبحانه كتب الإحسان أي الإتقان في العمل، كما يسمى في وقتنا الحاضر بالجودة، وهذه مطلوبة في الإسلام، و"كتب" في اللغة العربية بمعنى "فرض"، والقرآن الكريم استعملها بهذا المعنى (كتب عليكم الصيام) أي فرض عليكم الصيام (كتب عليكم القتال) أي فرض عليكم القتال، وهنا كتب الله الإحسان في كل شيء ويقول الرسول (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحة).

وذكر أن الإتقان هو أن يبذل الإنسان منتهى جهده في كل عمل منوط به، فالله سبحانه كتب الإحسان على كل شيء، وفي كل شيء، وإذا قصر في هذا المجال فيكون آثماً، وإن ترك الفريضة إثم، لأن ما هو مقابل الفريضة حرام، وإذا ارتكب الإنسان غير الإحسان فإنه آثم بلا شك، بدليل هذا الحديث ودلائل أخرى كثير من الكتاب والسنة. ويريد الرسول منا بهذه الكلمة معنى آخر أكثر من الإتقان، وأكثر من الجودة، والتي نحن اليوم نعاني منها، ولا يعرف الإنسان مشكلة الغش التجاري وعدم الإتقان في العمل إلا إذا تعامل مع هؤلاء الناس، انظر إلى الموظفين فمنهم لا أقول أنه لا يحافظ على الإتقان، بل لا يحافظ على أدنى الفريضة، وهي مسألة الدوام، أي أن تحضر الساعات التي تأخذ مبلغا في مقابله...وقد سئل الإمام الشافعي في رجل صلى صلاة الظهر في وقت عمله ثم تذكر أنه لم يكن على الوضوء، فأعاد الوضوء، وصلى صلاة الظهر والسنن، فما الذي يجب عليه؟ فقال الشافعي: قد أخطأ الرجل مرتين، الأول أنه صلى بدون وضوء ناسيا وهو معذور، أما الخطأ الذي يحاسب عليه، أنه يجب أن يعوض صاحب العمل عن الوقت الذي ضيعه عن الصلاة الثانية لأنه ليس مسؤولا عن خطئه.

وأكد فضيلته أن عدم تقيد الموظفين بساعات الدوام ليس من باب الإحسان فقط وإنما من باب المخالفات الشرعية، التي تجعل الرواتب التي تؤخذ في مقابل هذه الأوقات تكون محرمة بإجماع العلماء.


وقال: كنت أتساءل هل يكون هناك شيء بعد الإيمان والإسلام؟ .. نعم هناك، فهؤلاء كلهم مؤمنون، ومسلمون، ومصلون، ويزكون، ويصومون، ولكنهم ليسوا محسنين، ولم يدخلوا في مرتبة الإحسان، لأن أقل شيء في الإحسان أن تتقن عملك، والرسول لا يكتفي بهذا، وإنما يتجاوز الاتقان إلى الإبداع لأن معنى الإحسان في أصل اللغة أحسن وأفضل شيء.


اترك تعليق