المفكر الإسلامي محمد طلابي: محاربة الإستبداد من صميم الإسلام

By :

أكد المفكر المغربي محمد طلابي، أن القضايا المثارة حول منع تعدد الزوجات، ومنع الحكم بعقوبة الإعدام، وزواج المغربية المسلمة بالأجنبي، والمساواة في الإرث، والإجهاض، أنها معارك هامشية، ومجالات للإلهاء، قائلا  إن المهمة الأساسية لكل تلك المعارك هي أولا الخدش في المقدس، لينتهي إلى هدم المقدس على المدى البعيد. ثانيا الإلهاء عن المعركة الكبرى؛ معركة الإصلاح الديمقراطي.

وشدد طلابي على أن القيمة المركزية التي على المسلمين، والحركات الإسلامية، والمجتمع المدني بالمرجعية الإسلامية الدفاع عنها هي قيمة الحرية السياسية التي عنوانها الديمقراطية، موضحا أن عنوان إستراتيجية الدفاع اليوم عن القيم هو إنجاز مهام الإصلاح الديمقراطي في المغرب وفي كل وطننا العربي.

واعتبر طلابي أن قيمة الديمقراطية ستساعدنا على إعادة بناء قيمنا ذات المصدر الإسلامي، مضيفا أن بقيمة الديمقراطية سوف يعود للإسلام اعتباره في الدولة، كما سيعود للإسلام اعتباره في المجتمع، وأنه بقيمة الديمقراطية سنحارب الفساد، باعتبار أن محاربة الفساد من جوهر الإسلام، ومحاربة الاستبداد من صميم الإسلام، ومحاربة الغلو كذلك من الإسلام.

حاوره: عبد الله أموش

- تحدثنا عن أشكال التدافع بين منظومات القيم المختلفة، وعن الأهداف الإستراتيجية لنظام العولمة، فكيف حولت آليتي الاستعمار والاستشراق القيم في أوطاننا؟

- لقد نجح علم الاستشراق بنسبة كبيرة، وهذا ما أدى إلى تغير حزم القيم ذات المرجعية الإسلامية، بحزم قيمية ذات مرجعية غربية، وعلى رأسها قيم المادية، وقيم الشهوة، وقيم العلمانية. في تقديري هذا أمر حدث بفعل غزو فكرة لفكرة، أي غزو علم الاستشراق باعتباره فكرة لفكرة أخرى وهي الفكرة الإسلامية، وبالمناسبة فالتدافع في عالم الأفكار، أو في عالم القيم بين منظومتين قيميتين يتم عبر أربع آلية؛ الآلية الأولى دفع فكرة لفكرة، الآلية الثانية دفع فكرة لسلوك، والآلية الثالثة دفع سلوك لسلوك، والآلية الرابعة دفع سلوك لفكرة.

فعلم الاستشراق فكرة تمكنت من هزيمة جزئية للمسلمين، فخرجت فكرة الإسلام من قلوب وعقول الآلاف من العلمانيين والحداثيين. وخروج الفكرة الإسلامية، وحلول الفكرة الحداثية والعلمانية، أدى إلى تحول السلوك لدى المسلمين في كل شيء. إذن دفع فكرة لفكرة أدى إلى دفع الفكرة للسلوك، وهذا ما قام به علم الاستشراق، لكن هذه الأداة غير كافية فجاء الاستعمار كأداة إستراتيجية في التدافع، وهنا يمكننا الحديث عن السلوك، أي دفع سلوك لسلوك يؤدي إلى دفع السلوك لفكرة، وأعطيكم مثالا على ذلك، فالاستعمار جاء ووضع بنيات اقتصادية واجتماعية، ووضع البنك الربوي، فالبنك الربوي سلوك جاء به الاستعمار، وبدأ المسلمون يتعاملون معه، واضطرتهم ظروفهم لأخذ الربا، فعملوا بالسلوك، وبعد ذلك بدؤوا يغيرون الفكرة، فأفتى البعض بأن الربا ليست كلها حرام، وهكذا بدأ السلوك يغير الفكرة.

فيمكن أن نقول إن الاستشراق نجح في دفع الفكرة للفكرة، وبالتالي الفكرة للسلوك. والاستعمار نجح في دفع السلوك للسلوك، وبالتالي دفع السلوك للفكرة، وهذا بالفعل أدى إلى تحول في منظومة القيم عندنا، فبعضها أصبح مشوشا، وبعضها انهار لمدة من الزمن. وطبعا أقول إن هذا لم يعد الآن قائما، فقد بدأت العودة إلى القيم الإسلامية من جديد.

- هل يمكن أن نتحدث على إفرازات واقع التدافع بين القيم الغربية وذات المرجعية الإسلامية؟

- الحصيلة هي أن التدافع بين المنظومة الغربية للقيم والمنظومة الإسلامية للقيم خلال قرنين من الزمن، انتهت إلى تشكيل ثلاثة أشكال من الوعي؛ الوعي الأول أسميه بالوعي المطابق السليم. والوعي الثاني أسميه بالوعي المشوش المفتون. والوعي الثالث أسميه بالوعي المفوت السقيم. فأقصد بالوعي المطابق السليم، تلك الفئة من المسلمين التي عادت إلى دينها، وتعمل على تطابق سلوكها مع روح الدين، ومع روح العصر، وهذا الوعي -في تقديري- بدأ يعم ويتوسع بسبب الصحوة الإسلامية، وبسبب الصحوة الدينية العالمية.

الوعي الثاني هو الوعي المشوش المفتون، وهو يمثل المساحة الهائلة من المجتمع الإسلامي، ويعنى أن هناك مسلمين ولكن عندهم انحرافات كبيرة في السلوك، وهو يمثل مع الأسف كتلة ضخمة من المجتمع. والوعي الأخير هو الوعي المفوت السقيم وأقصد بالمفوت أنه غير مطابق لروح الإسلام، وغير مطابق لروح العصر، فهو سقيم غير مبدع. هذا الوعي يمثل أقلية في جزء من النخبة العلمانية التي تعي هذا، وهؤلاء تخلوا عن العقيدة الإسلامية، وبالتالي تخلوا عن سلوك وأخلاق الإسلام، وهذه الفئة رغم أنها قليلة في المجتمع الإسلامي، ولكنها نافذة من خلال الدولة، ومن خلال الإعلام، ومن خلال التعليم والبحث العلمي، وموجودة بقوة في مراكز القرار، والآن الصراع ما بين الوعي المطابق السليم، والوعي المفوت السقيم حول الكتلة الوسطى الكبرى، فالكل يريد جذبها إليه. وفي في تقديري أن الاتجاه العام سيسير في اتجاه الوعي المطابق السليم، لأسباب سنن التاريخ الكبرى، وهو أن العودة إلى الدين سنة تاريخية تجري، وبالتالي فهذه من مصلحتنا وليست من مصلحة أصحاب الوعي المفوت السقيم.

- هل يمكن أن تحدث كل هذه التحولات القيمية التي تحدثنا عنها في المغرب وفي جسم الأمة الإسلامية لولا قابليتها للاختراق؟

- كثيرا ما نفسر كل شيء بمنطق المؤامرة، فنعتبر الاستعمار مؤامرة، وإفشال الربيع الديمقراطي مؤامرة، واحتلال فلسطين مؤامرة، وتقسيم العراق مؤامرة، وتفتيت سوريا مؤامرة، وإسقاط النظام الديمقراطي في مصر مؤامرة، فالمؤامرة موجودة، لكن متى تنجح؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه. فالعدو يخطط وأنت يجب أن تخطط كذلك، وأستعير هنا كلمة للشاعر اللبناني السوري الكبير نزار قباني حينما قال وهو يتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي "لم تدخل إسرائيل من حدودنا بل تسربت كالنمل من عيوبنا".

فالمؤامرة تنجح بشرط واحد، هو حينما تكون الأمة ضعيفة وجسمها منهار ومنخور.

إذن فالخلاصة هي أنه حينما يكون جسم الأمة قوي، ويمتلك المناعة الحضاري والثقافي، التي تحول دون تسرب فيروسات العدو إليه، فعندها يمكن للأمة أن تمنع المؤامرة، لكن حينما تكون الأمة ضعيفة فهي تكون عندها القابلية للاستعمار كما عند مالك بن نبي. فوجود خلل عميق في جسم الأمة أفقدها القدرة على مواجهة العدو، فنجح الاستشراق ونجح الاستعمار في تحويل كثير من حزم القيم عندنا وكثير من أنماط السلوك.

- هل كان المجتمع المغربي يعي تلك التحولات على مستوى القيم؟

- في الواقع لابد أن نتكلم عن بعض القضايا التي تقع في التدافع بين حضارتين، حضارة قائدة، وحضارة مقودة. فالقانون هو أن المسود يقلد السائد دائما، في الحضارة والثقافة. ففي العصر الوسيط كان الغرب يقلد المسلمين، حتى ان نسبة الكلمات العربية في اللغة الاسبانية على سبيل المثال تمثل 16 في المائة، وإذا عدنا إلى ثقافة اللباس عند الغربيين نجد أنهم كانوا يقلدون المسلمين فيه وفي كل شيء، لماذا؟ لأن المسلمين كانت لهم القيادة الحضارية، وهذا هو قانون تطور الحضارات، فالقيادة الحضارية أو الحضارة القائدة تفرض منطقها وروحها على الشعوب والحضارات المنهارة، ونحن في العصر الحديث لم نعد أمة تقود الحضارة بل يقودها الآخرون.

هذه السنة أي سنة تقليد القائد الحضاري، موجدة عند كل الحضارات، وقد أصبحنا مقلدين بدون وعي، والتقليد هناك يعني الانبهار بالقائد وعبقريته، وإبداعه، وثورته العلمية التكنولوجية، ويؤدي هذا الانبهار إلى نوع من الاستلاب، فهذا هو العامل الدقيق في أن المجتمع المغربي أصبح مقلدا للحضارة الغربية، وثانيا وهي الصفوة المثقفة في العالم الإسلامي أو في مجتمعنا المغربي، فالصفوة في النهاية هي القائدة للمجتمع، فلا نهضة شاملة بدون صفوة عالمة، وهذه الأخيرة تشكل عقلها وقلبها وتصوراتها في مدارس أسسها الاستعمار، فتعلم أساتذة التعليم العالي في كل مجالات العلوم الإنسانية وغيرها وفق منهج الغرب وليس وفق منهجنا، وهذا ما أدى إلى نوع من التغرير بعشرات الآلاف من المثقفين في العالم الإسلامي ومنه المغرب، وبالتالي فهم يدرسون كل العلوم الإنسانية بمفهوم وقيم العقل الغربي، وهذا طبعا لا يمكن إلا أن ينتج جزء من المجتمع سينسلخ عن قيمه وسيتبنى القيم الجديدة. فهذان عاملان أساسيان في التحولات القيمية، العمل الأول سنني وهو أن الحضارة القائدة تفرض منطقها وقيمها على الشعوب المهزومة، والثاني وهو الصفوة التي في الغالب إن تشكلت وفق المنهج الغربي الحداثي فأعطت قيما وتصورا ومنطقا للآلاف الطلبة والتلاميذ من المنظور الغربي، فهذا طبعا سيؤدي إلى انتشار قيم الغرب وليس قيم الإسلام.

- من هم المتدافعون في ساحة القيم؟

- أعتقد أن التدافع في ساحة القيم بين نخبتين كبيرتين، نخبة المثقفين الإسلاميين من علماء ومفكرين ودعاة وغيرهم، ونخبة من المثقفين العلمانيين. وفي تقديري فإن النخبة المثقفة الإسلامية تمثل ما أسميته سالفا بالوعي المطابق السليم، أي وعي المسلم المطابق لمقاصد دينه ولروح عصره، فيما تنتمي النخبة العلمانية إلى الوعي المفوت السقيم، لأنها تدافع عن شيء فاته التاريخ، وفاته روح العصر والدين، وهذا سيكون هو العامل الأساسي في انهياره على المدى البعيد، وانتصار عالم القيم ذاته المرجعية الإسلامية.

- أكدت أن الصراع في ساحة القيم بين نخبتين كبيرتين، فما موقع الإعلام في ساحة التدافع؟

- يجب أن نميز في التدافع ما بين الفكر وما بين الثقافة لكي نفهم قضية الإعلام ووظيفته، لأن الوظيفة الأساسية للإعلام ثقافية وإن كانت -في تقديري- أيضا فكرية في العمق، ولكنها لا تنتج الفكر بل تقوم بتوزيعه. والفرق بين الفكر والثقافة هو أن الفكر موضوعه إنتاج الأفكار، وغايته بناء الوعي، أما الثقافة فموضوعها توزيع ذلك الإنتاج، وغايتها بناء السلوك. وهنا يجب أن نذكر بأن الفكر من مهام الصفوة وهذه الأخيرة قد تكون رجلا من رجال الصحافة، أو أستاذا من أساتذة التعليم العالي، أو قاض من القضاة، أو علماء من العلماء، أو فقيها من الفقهاء، أو غير ذلك، لكن توزيع هذا الفكر، وهذا الوعي هو من مهام المجتمع المدني ومؤسساته ومنها الإعلام، لهذا يلعب الإعلام دورا أساسيا في توزيع هذا الوعي، وفي إشاعته وسط المجتمع، ومن هنا خطورة الإعلام، لماذا؟ لأن المفكر قد ينتج الفكر، لكن قد يحول الإعلام بينه وبين وصوله إلى الأمة، فالإعلام مهمته نقل الوعي وتنزيله أو تعميمه على العامة، وعلى المجتمع بشكل عام، فإن كان الإعلام معاديا مخاصما للفكرة الإسلامية ولقيم الإسلام، فبالتأكيد سوف يحول دون تعميم وإشاعة وتوزيع هذه القيم.

فبالتالي الإعلام له خطورة خاصة، لكن علينا أيضا أن نستبشر، إذ الإعلام لم يعد منحصرا في القناة التليفزيونية فقط، ولم يعد منحصرا في الصحيفة وغيرها، بل أصبح الإعلام اليوم في متناول الشعوب والشباب، من خلال ما يسمى بالثورة المعلوماتية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات التليفزيونية على الانترنيت وغيرها، بمعنى أنه انفتحت أمامنا فرصة أن نبلغ الوعي والقيم، ليس من خلال القنوات الرسمية للدولة، التي يمكن أن تتحكم فيها، بل يمكن لنا أن نوصلها عن طريق إعلام جديد، وهذا يساعدنا على نقل الوعي ونقل القيم، لكن هناك أيضا نوعا آخر من أشكال التواصل، وهو التواصل من خلال المحاضرات، والندوات، والمواسم الاجتماعية وغيرها، وكل هذه أنسجة للتواصل يمكن للإسلاميين أن يكون لهم الفعل الأكبر من خلالها، لماذا؟ لأنهم أصحاب هذه المجالات، وهم الذين يغشون هذه المجالس، وهذه كلها قنوات شعبية عامة مهمة لنقل الوعي الإسلامي وقيمه إلى أكبر كتلة من المجتمع الإسلامي، كما أقول بأن العولمة أعطتنا أيضا إمكانيات وفرص وقنوات من خارج الأقطار، تشتغل وتعمل لصالح مشروع إعادة بناء القيم الإسلامية، في وجدان وعقول ملايين إن لم نقل ملايير من الناس والمسلمين في العالم.

- تحدثت عن نخبتين متدافعتين في ساحة القيم بالمغرب وخارجه، فأين تتموقع اليوم النخبة ذات المرجعية الإسلامية؟

- أعتقد أننا بدأنا نشهد بداية تململ المجتمع المدني الإسلامي، وعندما أتحدث عن المجتمع المدني فلابد من التذكير بأن المجتمع المدني في سياق التدافع القيمي ينقسم إلى صنفين؛ مجتمع مدني بمرجعية إسلامية، ومجتمع مدني بمرجعية لا دينية، وطبعا حينما أقول المجتمع المدني فأعني به كل مؤسسات المجتمع من (جمعيات، ومنظمات شبابية وحقوقية ونسائية، وأحزاب، ونقابات). واليوم توجد فرصة كبيرة أمام المجتمع المدني الإسلامي، خصوصا أننا في قلب العالم الإسلامي، وقد انفتحت بالمغرب مع الربيع الديمقراطي حريات كبيرة، فعلينا بالتالي أن نعي النقلة النوعية في المجتمع المدني المغربي، وقد أصبح الآن معترفا به رسميا في الدستور، وهذا تحول نوعي بعد أن بقينا سنين ونحن نتساءل هل يوجد مجتمع مدني؟ فالآن المجتمع المدني المغربي موجود رسميا ودستوريا، وموجود أيضا واقعا حيا، فالدستور ليس إلا تتويج لصيرورة تشكل المجتمع المدني عبر عقود من التدافع مع المسؤولين ومع الدولة.

إذن المجتمع المدني اليوم يشكل فرصة كبيرة لتوزيع الوعي، وعلى المجتمع المدني بالمرجعية الإسلامية أن يستغل تلك الفرصة التي أعطيت له، وأن يستغل الحريات المتعلقة بحرية التنظيم والحركة وحرية الاحتجاج والصحافة. فالمجتمع المدني هو الذي يمكن له أن يلعب دورا أساسيا في التحويل والتغيير للقيم وللسلوك وللعقول، وأنا أقول أن الإعلام ليس إلا مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، وفي تقديري أن السلطة الرابعة ليست للإعلام بل للمجتمع المدني. لقد كان المجتمع المدني في لحظة ما حكرا على النخبة العلمانية، أما الآن فلم يعد حكرا على تلك النخبة، وهذا تحول ملموس، سيساعد على الدفع في عالم التدافع القيمي لصالح القيم ذات المرجعية الإسلامي، لسبب بسيط قولته سابقا هو أن سنن التاريخ مع المدافعين عن القيم ومع الصحوة الدينية، وهذا هو مجرى التاريخ، ومن يعمل على أن يسبح في الاتجاه المعاكس للمجرى، فسوف يسبح لبعض الثواني ثم إما أن يجرفه التيار، وإما أن يرميه على الهامش، وبالتالي يمكن أن نقول إننا نسبح في الاتجاه الصحيح ولهذا سوف نحافظ على قوتنا.

- يجد المجتمع بالمرجعية الإسلامية كما أسميته نفسه في حرج كبير وهو يحاول أن يتدافع مع المجتمع المدني بمرجعية أخرى، في قضايا تتعلق بمنع التعدد، ومنع الإعدام، وزواج المسلمة بالأجنبي، والمساواة في الإرث، ما قراءتكم لكل هذه القضايا؟

- أعتقد أن كل هذه المعارك هامشية، وكلها مجالات للإلهاء. فعندما يتكلمون عن تعدد الزوجات ويصفونه بأنه مسيء للمرأة، نجد أن واقع التعدد في المغرب لا يمثل سوى 0,8 في المائة، ومع ذلك نجد المعركة قائمة حول قضية وهمية، وكذلك الأمر بالنسبة لقضية عقوبة الإعدام التي لم تنفذ منذ 1993، وهنا أريد أن أنبه؛ فأقول والله إنها لمفارقة فهم يزعقون من أجل إعدام الطفل البريء في بطن أمه، ويدافعون بكل قوة من أجل حماية المجرم، فهم في الواقع يريدون تبرئة المجرم وتجريم البريء، فهذه مفارقة، إذ كيف لأحد من الناس يقطع الرؤوس بالعشرات، ويتم منع إعدامه، ألا يشجعه على قطع المئات الأخرى؟ فإن أعدم فسوف يُعفى العشرات الألوف من القتلى، وحينما نأتي إلى قضية الإرث التي يطرحونها نتساءل هل مشكلتنا هو توزيع الإرث؟ أم أن المشكل هو أنه لا توجد في الأصل ثروة للتوزيع؟ فالمشكل هو هذا التفاوت الطبقي الخطير بين فئات المجتمع والتوزيع العادل للثروة، فأين معركة التوزيع العادل للثروة؟ في الواقع لا توجد.

- قلت إن القضايا المثارة حول منع التعدد، ومنع الإعدام، والمساواة في الإرث، والحق في الإجهاض، وغيرها إنها قضايا هامشية هدفها الإلهاء، الإلهاء عن ماذا؟  

- في اعتقادي أن المهمة الأساسية لكل تلك المعارك هي أولا الخدش في المقدس، لينتهي إلى هدم المقدس على المدى البعيد. ثانيا الإلهاء عن المعركة الكبرى؛ معركة الإصلاح الديمقراطي. إذ نجد الآن وفي مرحلة الربيع الديمقراطي المغربي، أنه ظهرت قضايا الإرث، والتعدد، والإعدام من أجل إلهائنا عن معركة الإصلاح الديمقراطي، لأنهم لا يريدون ديمقراطية في المجتمع المغربي، ولأنهم يخافون الإصلاح الحقيقي، لسبب بسيط هو أنه حال قيامه سيجرفهم، ولهذا يريدون تهريب المعركة إلى الهوامش. وطبعا إنْ نجحوا في جرنا معهم إلى الهوامش، فستكون تلك خسارة كبرى، لذلك يجب أن نشتغل نحن بإستراتيجيتنا.

ويمكن أن نعطي هذه القضايا مقدار من التدافع، لكن لا يجب أن تكون هي المعركة الحقيقة. معركتنا اليوم هي معركة الإصلاح الديمقراطي في المجتمع وفي الدولة، فيجب جعلها المعركة رقم واحد، وعلى أساسها سوف نعمل على تجفيف كل مانع الفساد في المستقبل، سواء كان فسادا سياسيا، أو ماليا، أو إداريا، لكن إن فشلنا في معركة الإصلاح الديمقراطي فسيعم الفساد.

- قلت إن تلك القضايا هدفها الإلهاء عن معركة الإصلاح الديمقراطي في المجتمع يجب التدافع معها بمقدار دونما انسياق وراءها والاشتغال وفق إستراتيجية، فما هي تلك الإستراتيجية؟

- أعتقد أن هذه اللحظة من التاريخ هي لحظة الدفاع عن قيمة مركزية أنتجها الغرب ألا وهي الحرية السياسية التي عنوانا الديمقراطية، فهي وإن لم ننتجها يجب أن ندافع عنها لما سبق أن قلناه بأننا ندافع عن القيم النبيلة. إذن القيمة المركزية التي على المسلمين، والحركات الإسلامية، والمجتمع المدني بالمرجعية الإسلامية الدفاع عنها هي قيمة الحرية السياسية التي عنوانها الديمقراطية، بمعنى آخر أننا نحن من يجب أن ندافع عن الحداثة وليس الحداثيين المغشوشين، فنحن الحداثيون الحق، فمعركتنا اليوم أن نكون حداثيون، والحداثة في تقدير ثمانية مكونات؛ المكون العقدي للحداثة "المادية"، المكون التنظيمي للحداثة "العلمانية"، المكون الفكري للحداثة "العقلانية"، المكون السياسي للحداثة "الديمقراطية"، المكون الاجتماعي للحداثة "الفردانية"، المكون الاقتصادي للحداثة "الرأسمالية"، المكون النفسي للحداثة "الشهوانية"، المكون الجغرافي للحداثة "القومية"، فهذه هي مكونات الحداثة الكبرى، فأيما حداثي يريد أن يتكلم عن الحداثة، فلابد له أن يتكلم عن هذه المكونات مجتمعة، ونحن عندنا تعارض فقط مع المكون المادي للحداثة، وتعارض آخر مع المكون العلماني، الذي يريد إبعاد الإسلام عند الدولة، فما عدا هذا فهل نحن ضد المكون الفكري الذي هو العقلانية؟ أو ضد المكون السياسي للحداثة الذي هو الديمقراطية؟ قطعا لا؛ بل إن شهدائنا وثوارنا ممن ينتمون للقيم الإسلامية في كل مكان، في ليبيا، وفي تونس، وفي اليمن، وفي مصر، وفي العراق، يستشهدون من أجل قيمة أنتجها الغرب ألا وهي الديمقراطية، وقد استشهدوا من أجلها في الثورة الديمقراطية، ونساءل الذين يقولون بأنهم حداثيون، لماذا تحالفوا اليوم مع العسكر في كل مكان؟ ولماذا تخلوا عن قيمة الديمقراطية التي هي جوهر الحداثة في الغرب؟ في الحقيقة هم علمانيون وليسوا حداثيون وديمقراطيون، ولكن نحن معركتنا أن نكون حداثين في هذه الأبعاد التي لا تتعارض مع الإسلام.

- لقد قلت سابقا إن المعركة اليوم في المجتمع المغربي وغيره، هي معركة تعميق الإصلاح الديمقراطي، وفق إستراتيجية واضحة، فكيف لتلك الإستراتيجية التي تعلي من قيم الديمقراطية والإصلاح أن تعزز القيم في المجتمع المغربي؟

- أعتقد أن عنوان الإستراتيجية اليوم هو إنجاز مهام الإصلاح الديمقراطي في المغرب وفي كل وطننا العربي، ويجب أن يكون الدفاع عن قيمة الديمقراطية معركة أساسية، في بيئتنا المتسمة الآن بالتحرك والحركية، باعتبار أن هذه القيمة ذات المصدر الغربي، ستساعدنا على إعادة بناء قيمنا ذات المصدر الإسلامي. لماذا؟ لأنه بقيمة الديمقراطية سوف يعود للإسلام اعتباره في الدولة، كما سيعود للإسلام اعتباره في المجتمع، وبقيمة الديمقراطية سنحارب الفساد، باعتبار أن محاربة الفساد من جوهر الإسلام، ومحاربة الاستبداد من صميم الإسلام، ومحاربة الغلو كذلك من الإسلام.

وبالتالي فمحاربة كل أشكال الفساد هي من دين الإسلام. ولكن لن ننتصر في هذه المعركة إلا بمشروع تعميق الإصلاح الديمقراطي في بلدنا، وأخوف ما أخاف هو أن يدفعنا البعض دفعا إلى معارك هامشية، تُلهينا عن هذا المشروع الاستراتيجي للعقدين المقبلين على الأقل، عندها -في تقديري- سيقع تلاق كبير بين قيم الحداثة النبيلة مثل الديمقراطية والعقلانية والتنظيم وغيرها، مع قيم الإسلام، وهذا هو الذي سيكون بمثابة الدفع الكبير لمشروع التنمية والنهوض المجتمعي.

- تحدثنا سابقا عن التحولات القيمية الواقعة في المجتمع، والتي انطلقت حسب ما قلت منذ قرنين من الزمن، بفعل القابلية للاختراق، وبسبب ولع المغلوب بتقليد الغالب، فكيف ترى حالة المجتمع المغربي اليوم؟

- لقد قلت إن القانون في التدافع بين حضارتين، حضارة قائدة، وحضارة مقودة هو أن المسود يقلد السائد دائما، في الحضارة والثقافة، وأن الحضارة القائدة تفرض منطقها وروحها على الشعوب والحضارات المنهارة، لكن كل ما تحدثت عنه تاريخي، أما الآن فنقول إن هناك بداية الصحوة، أي صحوة المسلمين، وصحوة صفوة المسلمين، أو بتعبير آخر بداية اليقظة بعد تخدير طويل امتد إلى عشرات العقود. فيمكن الآن بالفعل أن نتحدث عن بداية وعي الذات. فالمسلمون ومنهم المغاربة بدؤوا يعون ذاتهم، أي هويتهم الإسلامية. وفي تقديري أن هذا الوعي بدأ يؤتي ثماره، وهو ما سميته ببداية الهجرات الأربعة إذ يمكن الحديث في القرن 21 عن أربع سنن تاريخية تحكم مجرى التاريخ البشري، وهي فرص لنا كمسلمين، فمن هذه السنن؛ أولا بداية الهجرة نحو الله أو الصحوة الدينية العالمية، ثانيا بداية الهجرة نحو الحرية السياسية أي الصحوة الديمقراطية العالمية، ثالثا بداية هجرة الحضارة المادية من الغرب نحو الشرق، رابعا وأخيرا بداية هجرة الدولة القطرية نحو الدولة العابرة للأقطار (دولة التكتلات).

إذن فالصحوة دليل على الوعي، والمسلمون المغاربة الآن بدِوا يعودون إلى دينهم أفواجا وأفرادا، والظاهرة موجودة من خلال الشباب، وحضوره في المساجد، وفي الحج والصيام، وفي المظهر العام، بمعنى أننا بالفعل بدأنا نعي ذاتنا، أي أننا بالفعل خرجنا من عصر الغيبوبة إلى عصر الصحوة. 

الإصلاح 

 


اترك تعليق