من فتاوى العلامة الشيخ يوسف القرضاوي للصائم

By :
السؤال:  في أول يوم رمضان تعبت جداً وحصل عندي قيء، وقال لي الزملاء إن القيء يفطر الصائم، فهل القيء يفطر الصائم أم لا؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد..

فلا يترتب على القيء بطلان الصيام ، كان رغماً عن الشخص أو باختياره، لأن التفطير بالقيء قول لا يتفق مع مقاصد الصيام، وإليك تفصيل ذلك في فتوى الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه " فقه الصيام":

القيء جاء فيه حديث أبي هريرة: "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض" (قال الحافظ في التلخيص: رواه الدارمي وأصحاب السنن وابن حبان والدارقطني والحاكم من حديث أبي هريرة، قال النسائي: وقفه عطاء عن أبي هريرة، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة، تفرد به عيسى بن يونس، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده. وقال الدارمي: زعم أهل البصرة أن هشامًا أوهم فيه، وقال أبو داود وبعض الحُفاظ لا يراه محفوظًا، وأنكره أحمد وقال في وراية: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى بن يونس، وليس هو في كتابه، غلط فيه، وليس هو من حديثه!.

وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأخرجه من طريق حفص بن غياث أيضًا، وأخرجه ابن ماجه أيضًا. (ا.هـ-. من التلخيص مع المجموع -351/6)، وبهذا نرى أن الذين أوردوه لم يُصححوه، بل ضعَّفوه وأنكروه، فيما عدا الحاكم، وهو كما قالوا: (واسع الخطو متساهل في التصحيح).

وكذلك حديث أبي الدرداء: أنه صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر (قال الحافظ: رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة، وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم عن أبي الدرداء، ونقل عن البيهقي، وغيره أن الحديث مختلف في إسناده. وقال البيهقي في موضع آخر: إسناده مضطرب، ولا تقوم به حجة -التلخيص مع المجموع 352/6).

فأما حديث أبي هريرة فيكفي أن أحمد أنكره، وقال: ليس من ذا شيء، أي أنه غير محفوظ وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح إسناده.

ومما يدل على عدم صحته: أن أبا هريرة راويه كان يقول بعدم الفطر بالقيء، فقد روى عنه البخاري أنه قال: إذا قاء، فلا يفطر. إنما يخرج ولا يولج، قال: ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر. والأول أصح.أ.هـ. فإن صح موقوفًا: كان رأيًا له رجع عنه.

ونقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود عدم الإفطار بالقيء، مطلقًا ذرعه أو تعمده. وعلَّق البخاري عن ابن عباس وعكرمة قالا: الصوم مما دخل، وليس مما خرج. وإيراد البخاري لهذه الآثار يدل على أن مذهبه عدم الفطر بالقيء مطلقًا.

وأما حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر. فلا يدل على أن القيء مفطر بذاته، بل كما يقال: مرض فأفطر، أو أصابه جهد ومشقة فأفطر، أي أفطر بأن أكل أو شرب. هكذا فسره الطحاوي رحمه الله. وإلا فإن لفظ (قاء) لا يدل على التعمد الذي هو المفطِّر عندهم. وإنما الذي يدل على التعمد هو (استقاء). والحقيقة أن التفطير بالقيء لا يتفق مع مقاصد الصيام.

وقد جاء في حديث مرفوع آخر ما يعارض هذا، وهو ما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "ثلاث لا يفطرن: الحجامة والقيء والاحتلام" (قال الحافظ في التلخيص: رواه الترمذي والبيهقي من حديث أبي سعيد، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، ورواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق قد تكلموا في حفظه.. إلخ. انظر تلخيص الحبير -194/2). والله أعلم.

السؤال: أفيدونا عن السحور.. هل هو شرط في صحة الصوم، أم أنه ليس كذلك ؟

الجواب: الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعه إلى يوم الدين، وبعد :

السحور ليس شرطاً في الصيام، وإنما هو سنة، عن النبي صلي الله عليه وسلم فعلها وأمر بها ، وقال: " تسحروا ، فإن في السحور بركة" (متفق عليه من حديث أنس). فيسن السحور ويسن تأخيره ، لأنه مما يقوي المسلم على الصيام ، ويخفف عنه مشقة الصوم ؛ لأنه يقلل مدة الجوع والعطش ، وقد جاء هذا الدين بالميسرات ، التي تيسر على الناس عباداتهم ، وترغبهم فيها ، ومن ذلك تعجيل الفطور وتأخير السحور ، فيسن للمسلم الصائم أن يقوم إلى السحور ويتسحر ولو بالقليل ولو بتمرة أو شربة ماء، عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي السحور فائدة أخرى روحية ، وهي التنبه والاستيقاظ قبل الفجر ، ساعة السحور التي يتجلى الله فيها لعباده ، فيجيب من دعا ، ويغفر لم استغفر ، ويتقبل ممن عمل صالحاً . وما أعظم الفرق بين من يقضي هذا الوقت ذاكراً تالياً ، من يمر عليه راقداً نائماً.

استعمال السواك ومعجون الأسنان للصائم 
د. يوسف القرضاوي، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد..

فالسواك قبل الزوال مستحب كما هو دائمًا، وبعد الزوال اختلف الفقهاء فقال بعضهم: يكره الاستياك للصائم بعد الزوال . وحجته في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (رواه البخاري من حديث أبي هريرة) فهو يرى أن ريح المسك هذا لا يحسن أن يزيله المسلم، أو يكره له أن يزيله، ما دامت هذه الرائحة مقبولة عند الله ومحبوبة عند الله، فليبقها الصائم ولا يزيلها، وهذا مثل الدماء ... دماء الجراح .. التي يصاب بها الشهيد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء: " زمّلوهم بدمائهم وثيابهم، فإنما يبعثون بها عند الله يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك " ولذلك يبقى الشهيد بدمه وثيابه لا يغسل ولا يزال أثر الدم . قاسوا هذا على ذلك.

والصحيح أنه لا يقاس هذا على ذلك، فذلك له مقام خاص، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قال: " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتسوك ما لا يحصى وهو صائم " فالسواك في الصيام مستحب في كل الأوقات في أول النهار وفي آخره، كما هو مستحب قبل الصيام وبعد الصيام .. فهو سنة أوصى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " (رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . ورواه البخاري معلقًا مجزومًا) . ولم يفرق بين الصوم وغيره.

أما معجون الأسنان، فينبغي التحوط في استعماله بألا يدخل شيء منه إلى الجوف وهذا الذي يدخل إلى الجوف مفطر عند أكثر العلماء ؛ ولذا فالأولى أن يجتنب المسلم ذلك ويؤخره إلى ما بعد الإفطار، ولكن إذا استعمله واحتاط لنفسه وكان حذرًا في ذلك ودخل شيء إلى جوفه فهو معفو عنه والله سبحانه وتعالى يقول :"وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم" (الأحزاب: 5) والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". والله أعلم.

 


اترك تعليق