فرض الضرائب مع الزكاة لتغطية النفقات العامة للدولة جائز

By :

نظام الزكاة في الإسلام أهم نظام مالي يؤدى إلي خلق توازن بين طبقات المجتمع، فلا يزداد الغنيُّ غنى على حساب الفقراء, ولا الفقير فقرا، بل يجعل المال دولة بين الجميع، ويؤخذ من الغني ليعطي إلي الفقير حتى يكون لديه حد الكفاية والحاجة، فيعيش الجميع في ظل أمن وأمان وحب ووئام بعيدا عن الحقد والبغض والحسد والشحناء ليصبحوا كجسدا واحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى، إضافة إلي أن الزكاة عبادة وقربة الله وأجر ومثوبة عنده يوم القيامة، وتزكية للنفس، وتطهير من أدرانها وصلة وسكينة. غير أن الزكاة هي الركن الواجب الأساسي والقاعدة العامة للعلاقات المالية بين المسلمين بحيث يؤدى أداؤها بالشكل المطلوب إلى القضاء على آثار الفقر المدقع والمجاعة والمشاكل المالية التي يعاني منها كثير من المجتمعات البشرية، ولكنها على الرغم من أهميتها ليست هي كل النظام المالي الإسلامي ولا الحق الوحيد في المال وإنما يوجد في المال حقوق مالية أخرى.. وهذا ماسوف نطالعه فيما اختص به فضيلة الشيخ أ. د. علي محيى الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيس المجلس الأوربي للافتاء والبحوث في سلسلة أبحاثه التي اختص بها الأمة الإسلامية هذا العام:

 


 هل يجوز للحاكم فرض الضريبة بجانب الزكاة؟


ــــ للجواب عن ذلك نحتاج إلى تفصيل وتأصيل وهو:

أولا: أن هناك فرائض مالية (ضرائب) مشروعة منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو خلفائه الراشدين فرضت قبل الدولة المسلمة مثل الجزية والخراج والعشور على التجار غير المسلمين هي في جوهرها بمثابة ضرائب مالية فهذه الأنواع الثلاثة لا تحتاج فيها إلى إجتهاد لأنها ثابتة بالإتفاق، وكذلك الأمر في الخمس المفروض على الركاز الشامل للمعادن والكنوز إضافة إلى الفيء والغنائم فهذه الأمور موارد مالية أخرى للدولة المسلمة لتغطية حاجياتها، ولتحقيق المجتمع الآمن الغني السعيد، وسنلقي بعض الأضواء على بعض هذه الأنواع وهي:

أ - الجزية: وهي المال المأخوذ من أهل الذمة كل عام مقابل بقائهم في دار الإسلام وحقوقهم المكتسبة بعقد الذمة وهي تصرف مصرف الفيء وتؤخذ من الذكور البالغين العقلاء مرة واحدة في كل سنة وليس لها مقدار محدد، وإنما تقديرها يعود إلى إجتهاد الحاكم بما لا يؤدي إلى ظلم وحيف وإجحاف وهذا ما قال به أحمد في رواية وأبو عبيد والثوري، وذهب آخرون منهم أبو حنيفة والشافعي إلى أنها مقدرة بقدر لا يزاد عليه ولا ينقص بحيث يؤخذ من كل بالغ عاقل: دينار أو عدله، بينما ذهب رأي ثالث إلى أن أقلها مقدر بدينار، وأكثرها غير مقدر، وهذا اختيار أبي بكر الحنبلي.

فهذا النوع بمثابة الضريبة النسبية، أو التصاعدية حسب اجتهاد الحاكم على الرأس وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة والإجماع كما هو معروف, ولكن لا مانع من تسميتها بالزكاة, كما حدث في عصر الخليفة الراشد عمر, أو بالضريبة.


ب - الخراج : وهو ما يوضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها وقد ذكر الماوردي أوجه الاشتراك والاختلاف بين الجزية والحراج, فذكر من أوجه الاشتراك أن كلاً منهما مأخوذ من كافر ويصرف في مصارف الفيء، ولا يستحق إلا بحلول الحول، وأما أوجه الاختلاف فهي أن الجزية ثبتت بالنص في حين أن الخراج ثبت باجتهاد، وأن الجزية تسقط بالإسلام، والخراج يؤخذ مع الكفر والإسلام، وان الجزية على الرؤوس والخراج على رقبة الأرض.

فالحكمة من وضع الخراج هو أن تبقى الأرض المفتوحة بأيدي أصحابها ليزرعوها ويعمروها وفي ذلك فوائد كثيرة عليهم حيث تبقى بأيديهم مصادر رزقهم، ويصبح خراجها مصدرا ثابتا من مصادر تمويل الدولة، وبذلك يكون لبيت المال دخل جيد ثابت (تقريبا) يستعين به لتحقيق المجتمع الإسلامي المتكافل القوي، إضافة إلى إبقاء المجاهدين على جهادهم كقوة عسكرية لا تشتغل بالأرض بل تتفرغ للجهاد وهذا ما عرضه عمر رضي الله عنه ووافق عليه الصحابة بعد حوار ونقاش عندما تم فتح سواد العراق حيث رأى أن لا توزع الأراضي المفتوحة بل تبقى بأيدي أصحابها (يكونون عمار الأرض فهم أعلم بها) وخالفه بعض الصحابة في البداية وعلى رأسهم بلال، ثم أهتدى عمر رضي الله عنه إلى آيات سورة الحشر من قوله تعالى (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول) إلى قوله (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)

فوجد فيها الدلالة الواضحة على ضرورة رعاية حقوق الأجيال اللاحقة، وهذه الرعاية إنما تتحقق بإبقاء الأرض المفتوحة للدخل الدائم المستمر ليستفيد منه كل جيل، حيث قال عمر بعد أن تلا عليهم آيات الحشر: قد أشرك الله الذين يأتون من بعدهم في هذا الفيء فلو قسمته عليكم لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه وقد بين عمر رضي الله عنه، الغرض من وضع الخراج وهو أن تكون حصيلة ما تجبى للدفاع والجهاد والخدمات العامة ولتحقيق التكافل الاجتماعي حيث قال: فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وارض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذه البلد وبغيره

اجتماع الزكاة والخراج:

يتصور هذا الاجتماع في حالة ماذا اسلم صاحب الأرض الخراجية، او اشتراها مسلم أو استأجرها فهل تؤخذ منه زكاة وخراج؟ اختلف فيه الفقهاء فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز اجتماع الزكاة والخراج، لأنهما حقان مختلفان من حيث الأساس والمصرف حيث الخراج مفروض على الأرض ويصف مصارف الفيء الزكاة مفروضة على ما يستخرج منها من زروع وثمار.

وذهب الحنفية إلى عدم جواز الجمع بينهما حيث يظل الخراج هو الأساس فإذا دفع المسلم الخراج على أرضه الخراجية سقطت عنه الزكاة واستدلوا بحديث (لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم)

ولسنا هنا بصدد عرض أدلة الطرفين ومناقشتهما لكن الذي يظهر رجحانه هو قول الجمهور لأن الخراج أمران مختلفان فلا يغني أحدهما عن الآخر، والحديث الذي استدل به الأحناف حديث ضعيف لا ينهض حجة، لأن فيه يحيى بن عنبسة، قال الحافظ الزيلعي، قال ابن عدي: يحيى بن عنبسه منكر الحديث، وإنما يروي هذا من قول إبراهيم فجاء يحيى فأبطل فيه، ووصله النبي صلى الله عليه وسلم ويحيى مكشوف الامر في ضعف لرواياته عن الثقات الموضوعات انتهى قال ابن حبان: ليس هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث لا تحل الرواية عنه.. وقال الدار قطني يحيى هذا دجال يضع الحديث وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.

والخراج كان منذ عهد عمر رضي الله عنه يؤخذ سنويا من الأرض مع قطع النظر عن إنتاجها حيث يؤخذ على جريب، وهذا يسمى بخراج الوظيفة ثم حدثت ظروف وتغيرات دفعت الخليفة أبا جعفر المنصور إلى القول بخراج المقاسمة بأن تأخذ الدولة جزءا شائعا من غلة الأرض مثل الربع، والخمس، ونحوهما، ويتكرر هذا الواجب بتكرر الزراعة وهذا يدل على أن تقدير الخراج منوط باجتهاد الإمام حسبما يحقق من مصلحة.

ج- ضريبة التعشير أوالعشور في التجارات: التعشير لغة من عشر، بتشديد الشين، فيقال: فيقال عشر المال أي اخذ عشره واصله من عشر يعشر عشرا وعشورا أي أخذ واحدا من عشرة، ويقال: عشر المال عشورا أي أخذ عشره مكسا فهو عاشر، وله معان أخرى .

والعشور والتعشير والأعشار في الإصطلاح يقصد به ما يؤخذ على أموال التجارة التي يأتي بها غير المسلمين إلى بلاد المسلمين .

وكان أول من شرع العشور على أموال التجارة التي يأتي بها غير المسلمين سيدنا عمر رضي الله عنه يقول أبو يوسف: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر ابن الخطاب: أن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهن العشر؟ قال: فكتب إليه عمر: فخذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، ومن المسلمين من كل أربعين درهما درهما ..

وهذا الأثر يدل على مشروعية الضريبة على التجارة بحيث توضع على تجارة غير المسلمين الذين يأتون من الخارج العشر10% وعلى تجارة الذميين نصف العشر5% وعلى تجارة المسلمين الزكاة، كما يدل على المعاملة بالمثل فإذا كانت الدول غير الإسلامية تضع على تجارتنا ضريبة فلنا الحق أن نضع على تجارتها مثلها, أو أكثر أو أقل وقد بين أبو يوسف بأن البداية كانت من أهل منبهج قوم من أهل الحرب وراء البحرِ كتبوا إلى عمر بن الخطاب فقالوا: دعنا ندخل أرضك تجارا تعاشرنا قال: فتشاور عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه به، فكان أول من عشر من أهل الحرب.

ولا شك أن هذا الاجتهاد العمري الذي وافق عليه الصحابة يعد أصلا عظيما في العلاقات التجارية الدولية وفي تنميتها، وفي ترسيخ موازين العدل والمساواة والمعاملة بالمثل بما يحقق الخير للجميع وفي دعم الاقتصاد الإسلامي حيث يصرف ما يجبى منها مصرف الفيء.

د- فرض الخمس على الركاز ( المعادن والكنوز) وما تخرجه البحار:

فقد فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس في الركاز فقال: (وفي الركاز الخمس) وهو يشمل على الراجح المعادن بجميع أنواعها السائلة والصلبة الظاهرة والباطنة ويشمل الكنوز أيضا, وهل هو زكاة أو فيئ؟ يأتي التفصيل في بحث مستقل يأتي.

وعلى ضوء ذلك فما تخرجه الأرض من أثقالها ومعادنها وكنوزها للإمام الحق في فرض ضريبة الخمس، يقول أبو يوسف: وفي كل ما أصيب في المعادن من قليل، أو كثير الخمس فأما الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت ففيه أيضا الخمس ومن أصاب كنزا عاديا في ملك أحد فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب فإن في ذلك الخمس .


ويقول أبو يوسف فيما يخرجه البحر فإن فيما خرج من البحر من الحلية والعنبر الخمس وترجم البخاري باب ما يستخرج من البحر، ثم نقل قول الحسن: في العنبر واللؤلؤ الخمس، فإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في الركاز الخمس


فهذه الأنواع السابقة (من الجزية والخراج والعشور وخمس الركاز) وإن كان لها أسماؤها الخاصة، لكنه لا مانع من تسميتها بالضرائب، إذ هي تتفق معها في جوهرها وهدفها مع ملاحظة أن لكل نظام خصائصه ومميزاته ولذلك فالأفضل إبقاؤها على مصطلحاتها ومن هنا فإن الدولة الإسلامية لها الحق في الأخذ بهذه الوسائل المقررة لتحصيل الأموال وتوفيرها كما أن عليها أن تأخذ بكل قديم صالح, وجديد نافع دلت التجارب البشرية نجاحها.


ثانيا: فرض ضرائب جديدة بجانب الزكاة ليس لها سابقة عملية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلاقة الراشدة فهل الدولة الإسلامية الحق في فرضها؟

هذا ما أثار فيه خلاف بين الفقهاء قديما وحديثا بين رافض ومانع، ومجيز بشروط وضوابط ويمكن التعبير عنه من خلال السؤال الآتي: ( هل في المال حق سوى الزكاة )،أو هل يعفى دفع الزكاة صاحب المال من أية التزامات مالية أخرى، أم أنها هي الحق الأساسي، ولامانع من تشريع حقوق أخرى بجانبها؟

وسبب الخلاف الأساسي يرجع إلى نصوص متعارضة في ظاهرها، حيث إن بعضها تدل على أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة مثل حديث الأعرابي الذي سأل عن الزكاة ثم قال: هل على غيرها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ( لا. إلا أن تطوع) ومع ذلك شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفلاح والفوز بالجنة ، كما استدلوا بحديث ورد مرة بلفظ (ليس في المال حق سوى الزكاة) لكنه حديث ضعيف جدا ومردود بل فيه خطأ وتحريف.

ولكن بجانب هذه النصوص توجد أخرى تدل على أن في المال حقا سوى الزكاة حيث استدلوا بقوله تعالى: «ليس البِرُّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البِرَّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل» وقد استدل بهذه الآية على أن في المال حقا سوى الزكاة الترمذي والطبري وغيرهما كما أستدلوا بالآيات والأحاديث الواردة في حق الزرع عند الحصاد ما عدا زكاته، وحقوق الأنعام والخيل، وحق الضيف وحق الماعون، ووجوب التكافل بين المسلمين وقد دافع ابن حزم دفاعا مستميتا عن هذا الرأي فناقش المخالفين ورد على أدلتهم، ثم أورد من النصوص مايدل عليه.

وهذا الرأي هو الأولى بالترجيح والقبول، فإذا ثبت هذا فتنتقض قاعدة المخالفين في حصر حقوق المال في الزكاة وبالتالي يفتح باب جواز فرض الضرائب مع الزكاة لرقابة مصالح الأمة، وتغطية النفقات العامة للدولة بضوابط وشروط وهذا ماعليه بعض المعاصرين ودافع عنه الشيخ القرضاوي ورد على المخالفين الذين ينفون وجود حق مالي آخر على المال سوى الزكاة.


اترك تعليق