فتوى فيما يتعلّق بصحيح البخاري

By :

لقد فوجئت وفوجئ كل مسلم، بل كل منصف، بهذه الحملة المنكرة على أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن "الجامع الصحيح للبخاري" الذي تلقته الأمة -منذ اثني عشر قرنا بالقبول والرضا جيلا بعد جيل، الخاصة منها والعامة حتى إن الناس إذا أرادوا أن يهونوا من خطأ وقع فيه إنسان قالوا: "إنه لم يخطئ في البخاري ".


لقد قف شعر رأسي، واقشعر جلدي، حين تابعت هذه الحملة الممنهجة.


ولا ريب أن حفظ الذكر "القرآن" إنما يتم بحفظ ما يبينه ويشرحه، وهي السنة التي خاطب الله صاحبها بقوله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)النحل:44.

 

 

ونحمد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل شيئا ليخفيه عن الناس، بل كانت حياته الخاصة والعامة ملك الأمة جميعا، وما فعله في ليله ونهاره، في خلوته أو جلوته، فقد نقله نساؤه صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من بعده، لأنه تشريع لهم، ولهم فيه أسوة حسنة.


ولم يكن علماء الحديث يقبلون قولا حتى يعلموا أصله ومصدره، ولهذا اشترطوا الإسناد الذي تفردت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم.


قال ابن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". وقال غيره: طالب علم بلا إسناد كحاطب بليل. ونظر الشافعي في تفسير اشتمل على قصص وعبر، فقال: يا له من علم لو كان له إسناد!!


ولم يكونوا يقبلون أي إسناد يذكر، بل يضعون كل راو من رواة السند على مشرحة التحليل، يسألون عنه… عن عقله ودينه… وخلقه وسيرته، وعن شيوخه وتلامذته، فمن اشتبهوا فيه أسقطوه، وردوا حديثه، ومن قامت الدلائل على صدقه وحفظه وعدالته وضبطه رووا عنه وقبلوه، وقد كان من ثمرات هذه البحوث المتشعبة المستفيضة علمان جليلان من علوم السنة هما… علم رجال الحديث وعلم الجرح والتعديل.


وكانوا يجوبون الآفاق، ويذرعون الأرض، طلبا للحديث ممن سمعه بأذنيه، قال سعيد بن المسيب: (إنا كنا نسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد).


وسأل رجل الشعبي عن مسألة فأفتاه فيها ثم قال: (خذها بغير شيء وإن كنا نسير فيما دونها من الكوفة إلى المدينة).

 

 

إن هؤلاء المرجفون لا يتهمون البخاري بصنع الأحاديث وحده بل يتهمون معه سائر علماء الإسلام وحملة رسالته، في القرون الأولى التي هي خير القرون، واتهم الأمة كلها بالغباوة والغفلة والجهل، حيث تقبلت هذه الأحاديث بضعة عشر قرنا بقبول حسن. وأثنت على رواتها، وخلعت عليهم وصف الإمامة في الدين، حتى جاء هذا النحرير، فوصفهم بما يستحي من ذكره.


لقد سئل القاضي أبو يوسف: أتقبل شهادة رجل يسب السلف الصالح؟ فقال: لو عرفت رجلا يسب جيرانه ما قبلت شهادته، فكيف بمن يسب أفاضل الأمة؟


أقول: فكيف بمن يسب الأمة كلها، ليأتي على دينها من القواعد، لتقر أعين المبشرين والمستشرقين والشيوعيين؟! اللهم لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.

 

 

إن الحملة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست بنت اليوم، فإن وراءها جهات ومؤسسات تغذيها وتمدها، ولم يزل المبشرون والمستشرقون والشيوعيون يقودون المعركة ضدها، ويرمون لها بالوقود الدائم لتظل مستعرة الأوار، وليس من الضروري أن يظهروا بأنفسهم على المسرح، فقد يوغر ظهورهم الصدور، ويثير الشكوك، ففي تلامذتهم -المخدوعين منهم والخادعين- الكفاية كل الكفاية. وما أكثر الذين تحركهم مؤسسات التبشير والاستشراق والإلحاد الأحمر، ليحطبوا في حبلهم وهم لا يشعرون، بل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وما أكثر المأجورين الذين يشترون بدينهم ثمنا قليلا، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار.


ألا وإن هذه الحملات لا تزيدنا إلا استمساكا بالحق، وثباتا عليه، واعتصاما بسنة الرسول العظيم التي بدونها لا يفهم القرآن ولا تستبين معالم الدين وحدوده وقد قال صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي).


اترك تعليق