إِمَّا.. وإِمَّا!

By : د. سلمان العودة

أنت إما داعشيّ أو إخوانيّ أو إيرانيّ

إذا لم تكن معنا.. معنا في تفاصيلنا، ومفرداتنا، ولغتنا، وتوقيتنا، وكل شيء (كل شيء!).

ولا يشفع لك أنك معنا في الغاية، والهدف، والاتجاه العام..


هذه محصّلة خطاب أحد المغرّدين؛ الذي ظلّ يتحدث وكأنه ينطق باسم الجميع طيلة أسبوع مضى!


هاجم الكويت؛ لأنه يعتقد أن موقفها لا يرقى إلى مستوى الحدث، وتطرَّف بالحديث عن تحريرها من قبضة البعث، وكأنه لا يدري أن تحرير الكويت مصلحة لشعوب الخليج والمنطقة بأسرها، ولا منَّ فيه لأحد على أحد ولا أذى، وليس من المروءة والأخلاق أن يثار الموضوع بهذه الطريقة.


هاجم عُمَان (بضم العين)؛ بناءً على تغريدة تبيَّن أنها مزورة!


ثم هاجم عَمَّان (بفتح العين)، والعين لا يحسن أن تفتح دائماً، فمن الحكمة الإعراض، والتغافل، والتفويت، وغض الطَّرف!


وهاجم الإمارات؛ لأنها يجب -في نظره- أن تقطع العلاقات لا أن تخفضها!


وهاجم مصر؛ لأن جزءاً من إعلامها انتقد أحكام الإعدام، وانتقد قطع العلاقة مع إيران.


وهاجم تركيا؛ لأنها كانت فاترة في موقفها من إعدام النمر، وهي التي تشترك مع السعودية فيما يشبه الحلف الإستراتيجي.


وهاجم الغرب المتواطئ مع النفوذ الإيراني.


وأمريكا المنافقة.


ومجلس الأمن؛ الذي يتعامل بازدواجيةٍ مقيتة..


وروسيا؛ التي تعرض الوساطة وهي طرف في الصراع..


أنت يا أخي قد أحكمت الحصار علينا بدل أن تحاصر إيران.


وصوّرت الخصم العنيد على أنه أخطبوط تام النفوذ عبر القارات، وهو واسع النفوذ فعلاً، وساعٍ لتضييق الدائرة على شعوب السُّنَّة وحكوماتها ومؤسساتها، ولكن لم يكن جيداً أن تحطب أنت في حبله، وتبالغ في تصوير نجاحه من حيث لا تريد.


بل تعدّى نفوذه وتأثيره عندك إلى الداخل فاستحوذ على (كل) الطائفة الشيعية في (كل) العالم العربي، بل في العالم كله!


وأراك ألحقت بهؤلاء وأولئك كل من لا يروق لك أسلوبه في التعبير عن رأيه من أهل السُّنَّة، وأهل البلد، والمثقفين، وغير المثقفين..


هاجمت أحدهم حين تأخَّر عن التعليق لساعات، ولعله بعيد عن الشبكات والأخبار، وحين علَّق وداخل اتهمته بأن فعل ذلك مجاملةً لك!


ولعله كان مشغولاً عني وعنك براحةٍ أو فسحةٍ أو مسامرة أهل أو محادثة صديق أو عبادة أو ما شاء الله.


من بقي (لك) إذن؟


وهل ثمَّ خطاب أكثر تشطيراً وتشظيّاً وأكثر دعماً للنفوذ الإيراني من هذا الذي تفعله؟


أنت يا أخي تدخل السياسة من أضيق أبوابها، وهو باب صناعة الأعداء والخصوم وخسارة الأصدقاء والأولياء، وتُقدّمهم -لو أطاعوك- غنيمة باردة لخصمٍ شرس لا يتردد في الالتهام والاحتواء والاستحواذ والتمدد.


وليست مشكلتنا معه إلا هذه.


فلو أن ذلك العدو قبع في أرضه واقتصر شره على رقعة محدودة من الأرض الإسلامية لاحتُمِلَ له ذلك، إلى أن يأذن الله لعباده بالفرج.


ولكنه تمدّد وتوسّع، وأعماه الطمع فامتدّ إلى العراق وابتلعها غنيمة باردة.


ثم لبنان..


ثم سوريا ففجَر وفجَّر، وقتل ودمَّر، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ.


ثم اليمن؛ فتحالف مع الثورة المضادة، واشترى الذمم، وظنّ أن لن يقدر عليه أحد، فرماه الله بعاصفة الحزم، ولكنه لم ييأس، وكيف ييأس وهو يقاتل منذ خمس سنوات في سوريا، ويناور، ويلعب ألاعيب السياسة كما لا تحسنها أنت، حتى كاد أن يفوّت نصراً ظنناه قريباً، وهو عند الله غير بعيد.


وفوق هذا فهو يسعى جاهداً لنشر مذهبه ليس بين الوثنيين والتائهين،كلا؛ وكأنه لا شأن له بهم، فمقصده الأعظم شعوب السُّنَّة في إفريقيا وآسيا؛ يتصيّد عامتها وخاصتها بالإغراء والتلبيس والإنفاق السخي وطول النَّفَس حتى صنع الفرقة في دولٍ لم تكن تعرف إلا المذهب الواحد.


أعجب من نفَس ذلك الخصم؛ الذي يقتل الأطفال في سوريا، ويتظاهر بالسكينة والهدوء والصدق، ويفلح في جعل نفسه رقماً صعباً في المنطقة والعالم.


وأعجب من قدرته على توظيف شتى الوسائل؛ الإعلام، والسياسة، والدراما، والمال، والنفوذ إلى جوار التسليح والتدريب.. بينما نكتفي نحن بالصياح والنياح.


وحتى الصياح والنياح وظّفها هو توظيفاً غريباً في كربلائياته ولطمياته؛ التي استحوذ بها على عقول البسطاء!


تذكَّرتُ وأنا أتابع حركتك (التويترية) تغريدة قلتُ فيها: (إن شعوب العرب أكثر الناس خوضاً في السياسة وأقلهم تأثيراً فيها).


هل تدري يا أخي أن حديثك هذا كله كان مع نفسك، وأن الذين يفترض أن يكون قصدك التأثير عليهم وجرّهم إلى صفك لم يسمعوا هذا الحديث؟


ولعله من الخير لهم ألا يسمعوا هذا الحديث؛ الذي لا ينكأ عدواً ولا يقتل صيداً، ولكنه يكسر السِّن ويفقأ العين!


هل يحسن عند حدثٍ أو موقف أن نُجهِّز زوايا التحجير والمحاصرة وغلق الأبواب؟ أو زوايا التصنيف والتخندق؟ وهل الوطنية تعني إقصاء من لا يتفق معنا في لفظ أو توقيت أو جزئية؟


أليس الأصلح للوطن وأهله الصادقين أن ينأوا بأنفسهم عن توظيف الأحداث الكبيرة لصالح فردٍ أو فئة منهم أو ضد فردٍ أوفئة منهم؟


أليس الأصلح للوطن وأهله المخلصين أن يسعوا إلى كسب الأطراف الممكن كسبها ولو لم تتطابق رؤيتها معنا تمام التطابق؟


هل نحن أمام خيار: (مَنْ لم يكن معي فهو ضدي)؟


أو خيار: (مَنْ لم يكن ضدي فهو معي)؟


وأفضل منهما خيار: (مَنْ لم يكن ضدي فأنا وهو معاً في مستوى واحد ليس أحدنا أولى بالتقديم من الآخر، وإن اختلفت تفصيلاتنا).


{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (35: فصلت).


اترك تعليق