«الدولة الإسلامية» بين مشروع النهضة والاستخبارات (1-2)

By : خلود عبدالله الخميس

في هذا المقال والمقال المقبل سأطرح مبحثاً حول كيفية تأسيس «الدولة الإسلامية» ضمن فكر استخباراتي دولي، وفكرة «الخلافة الإسلامية» كنبوءة، وموقف مشاريع النهضة المتفرقة من مشروع نهضوي متكامل يمثل دولة الخلافة المطلوبة.


بداية: عندما أُعلنت الدولة الإسلامية في العراق والشام، اهتز العالم الإسلامي فرحاً وبهجة، وبايع من بايع وكانت بيعة كل حسب استطاعته، بيده أو بلسانه أو بقلبه، والسواد الأعظم من الأمة بايع بأضعف الإيمان، بقلبه.
والحقيقة أن الكثير من المسلمين لديهم ذاكرة الذباب إن صح التشبيه من فرط ضعفها، ففي بدايات الألفية الثانية، وتحديداً بعد احتلال أميركا للعراق، أُعْلِنَ تنظيم له أهداف شبيهة بتلك التي تدعو لها «الدولة المشار إليها أعلاه» واسمه «التوحيد والجهاد» ثم صار «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» بعد بيعته لابن لادن، ثم وبعد بدء الكفاح المسلح لثوار سوريا ضد النظام البعثي الحاكم أعلنت ذات المجموعة مع بعض التغيير في القيادات وأسلوب العمل «الدولة الإسلامية في العراق والشام».


مرة أخرى: الدولة الإسلامية مصطلح مغرٍ لأي مسلم يتطلع لمحو حدود (سايكس - بيكو) التي خطها الاستعمار لتقسيم ديار الإسلام، ولصياغة ثقافة المسلمين على أسس التغريب والعلمانية، والابتعاد عن المدنية والدينية.
بالتوازي مع إصابة الدولة العثمانية بالمرض، وكثرة السكاكين التي غُرزت في قلب الجمل عندما سقط، لم يعد بالإمكان حماية فكرة الدولة الإسلامية أو فكر الشعوب المسلمة من الاحتلال الذي أعدت له الكنيسة بتجنيد أمراء وملوك أوروبا، وتعبئة الشعوب بتأجيج العاطفة الدينية والزج بمظلومية الخلاص التي يؤمنون بها والتذكير بمعاناة المسيح، وقد نجحوا في ذلك.


فالخطاب العاطفي هو الأوحد الذي من شأنه دفع الجماهير إلى هوة مجهولة أو فوهات مليئة بالبارود.


سقطت الخلافة، وقامت دولة إسلامية في العراق والشام انضم لها من انضم سواء غضباً أو خوفاً أو قناعة أو تورطاً، تعددت الأسباب والبيعة واحدة.


والنتيجة: دولة شبح، ما لها من الإسلام إلا قرصنة اسمه، وموتى من المسلمين في رقبة تلك الدولة يتنافسون في العدد مع من قتلتهم الحرب الصليبية.


فهل نستطيع أن نقول: هذه هي الدولة الإسلامية؟


 الخلافة الإسلامية: الخلافة الإسلامية كما جاءت في النبوءة «ثم تعود خلافة على منهاج النبوة» قضية فقهية تتطلب علما في السياسة الشرعية وعلى رأسه الإلمام بفقه النوازل، ومن يعمل في هذا المجال يعرف أن عودة الخلافة إيمان بالعمل في سبيل الفكرة، وليس بالضرورة أن يرى النتائج في حياته.


والفرق بالطبع كبير بين الطغاة والدعاة، الداعية للخلافة يجب أن يكون هو خليفة الله في الأرض، يطبق مفهوم الاستخلاف والبناء والتعمير لها، جسداً وعقلاً وروحاً والقلب مطمئن لما يسير إليه أنه هدى وصراط مستقيم، بينما الطغاة وإن كانوا مسلمين ويقولون: إننا نسعى لإعادة الخلافة الإسلامية، وهم جماعات موجودة في التاريخ الإسلامي وأولهم من خرج على الإمام علي بن أبي طالب، فليسوا من إرهاصات «خلافة على منهاج النبوة» ولا حتى قريبا منها.


الجماعات الجهادية شيء، والجماعات السياسية شيء مختلف، الخلافة تتطلب علما بالسياسة الشرعية التي بناء عليها يُعْلَنُ حكْمٌ يطبق الشريعة الإسلامية، وإمارة بالشورى والتراضي والقبول لا بالتهديد والوعيد وتعليق المشانق في الشوارع للسكان وترويع الآمنين وصلب الأطفال عقوبة على تدخين السجائر وقطع الرؤوس بادعاء مفارقة الجماعة وعدم المبايعة للأمير الذي لا يعرفونه.


الخلافة الإسلامية التي جاءت في النبوءة آتية لا ريب، ولكنها ليست دولة البغدادي لا ريب أيضاً.



اترك تعليق