الريسوني: قاعدة “مَا مِن حَادِثةٍ إلا وللهِ فيها حُكْمٌ“

By : د. أحمد الريسوني

نص القاعدة: مَا مِن حَادِثةٍ إلا وللهِ فيها حُكْمٌ[1].

صيغ أخرى للقاعدة:
1– ما من نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها[2].
2– أية حادثة شرعية لا تخلو الأصول من دلالة عليها[3].
3– لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى متلقى من قاعدة الشرع[4].
4– لا يجوز ترك الحادثة لا حكم فيها مع ورود الشرع[5].
5– كليات الشريعة دالة على أن الأحكام لا تبقى مشكلة لا فيصل فيها[6].
6– ما من واقعة إلا وفي الشريعة مستمسك بحكم الله فيها[7].

قواعد ذات علاقة:
1– لا حكم إلا لله[8] /​قاعدة أصل.
2– الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة[9] /​قاعدة علاقة لزوم .
3– لا يجوز خلو الأرض عن مجتهد[10] /​قاعدة علاقة لزوم .
4_​إذا سقطت العلامات, فالاستصحاب قانون في الشريعة[11] /​قاعدة فرعية .
5_​إذا عدمنا الاجتهاد بالكلية, استصحبنا ما كنا عليه[12] /​قاعدة فرعية .
6_​إذا لم نجد نصّاً فالرجوع إلى قضايا النُّهَى[13] /​قاعدة فرعية .
شرح القاعدة:
هذه إحدى القواعد الكلية المرجوع إليها عند علماء الشريعة وولاة أمور المسلمين , وخاصة عندما تواجههم قضايا وإشكالات لم يسبق عهد بها. وهي قاعدة تفتح الباب للاجتهاد المستمر اللامحدود. فهي تربط بين استمرار الحوادث واستمرار الاجتهاد.
والمراد بالحادثة والحوادث , ما يحدث وما يطرأ, مما لم يرد في شأنه نص كتاب ولا سنة, ولا تقدم له حكم خاص به في الشرع. وقد يعبر كذلك عن هذا المعنى بالواقعة, وجمعها وقائع, أو بالنازلة, وجمعها نوازل.

والمقصود بالحكم في القاعدة, الحكم الشرعي؛ بالإباحة, أو بالتحريم, أو بالوجوب, أو بالندب, أو بالكراهة.
فالقاعدة تقضي أن كل أمر أو مشكل جديد يقع أو يطرأ أو يظهر, فله في دين الله تعالى حكم بأحد هذه الأحكام أو ما يدخل فيها, فيجب طلبه والبحث عنه لمعرفته والعملِ بمقتضاه فيما طرأ ونزل بالناس, أفرادا أو جماعات.
وهذا لا يعني أن حكم الله في الحادثة يوجد معيَّنا جاهزا, منصوصا عليه ومصرحا به, بل يعني أنه مضمن في مقتضيات الأدلة الشرعية ودلالاتها, وفيما نصبه الشرع لها من مسالك وقواعد, وأنه يمكن التوصل إليه بالاجتهاد والتحري والاستنباط.
ومعنى هذا أن حكم الله في الوقائع الجديدة, يحتاج إلى من يستكشفه ويستخرجه من مناجمه, ثم يكشفه للناس. ومن هنا فإن هذه القاعدة تستلزم وجود من يجتهد ويستنبط, بعد تحقق أهليته بشروطها. ولذلك قال جمهور الأصوليين بوجوب وجود العلماء المجتهدين في كل عصر. وهو ما ضمنوه قاعدة أخرى, يعبرون عنها بصيغ شتى, مثل قولهم: ” الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة “, أو قولهم: ” لا يجوز خلو الأرض عن مجتهد “.
فحكم الله في كل واقعة جديدة, موجود بالقوة, أما وجوده بالفعل, فيتوقف على وجود العالم الذي يجتهد فيه ويكشف عنه. فعامة الناس, يمكنهم تلقي أحكام الشرع الصريحة, مباشرة من أدلتها, لكن الوقائع والأحوال الجديدة, والأحكام والمعاني الخفية بسبب وجود تعارض أو استشكال فيها أو صعوبة, لا بد لهم فيها من العلماء القادرين على استنباط الأحكام واستخراجها وتنقيح مناطاتها…
وأما كيف يُستنبط الجديد من القديم, وكيف يستخرج المجهول من المعلوم, وكيف يولَّد الكثير من القليل, فهذا هو شأن العلوم كلها, وشأن العلماء في جميع التخصصات. وهذا هو ما يسمى اليوم بالبحث العلمي. غير أن البحث العلمي حين يتعلق بمعرفة حكم الله أولا, ويتعلق بالقضايا الجديدة والقضايا المشْكِلة ثانيا, فهذا لا يُقبل فيه أي باحث كان, بل يشترط له درجة عليا من الأهلية الدينية والعلمية والفكرية, هي المعبر عنها بدرجة الاجتهاد. وهي الدرجة التي تخول صاحبها التصرف العلمي في إعمال مصادر الأحكام وأصولها وقواعدها وطرق استنباطها. وبذلك يصل إلى العلم بأن الشريعة — بأصولها وكلياتها وقواعدها — تقدم لكل سؤال جوابا ولكل مشكلة حلا. وهذا ما عناه إمام الحرمين بقوله: ” كليات الشريعة دالة على أن الأحكام لا تبقى مشكلة لا فيصل فيها[14].
وعلى هذا الأساس, فإن العلماء وولاة الأمور , مدعوون على الدوام للاجتهاد وتقرير الأحكام الشرعية والحلول الشرعية, لكل الأحوال الجديدة والإشكالات الجديدة, التي تنزل بالمسلمين أمة وأفرادا وجماعات ومجتمعات. وليس هناك شيء يمكن أن يقال فيه: ليس له حكم في الشرع, أو لا نستطيع أن نعرف حكمه في الشرع, ثم يطوى الموضوع ويترك. بل واجب العلماء البحث والنظر والائتمار والتشاور, حتى يجدوا جوابا وحلا وحكما.
ومن أول من قرروا هذه القاعدة ونصوا عليها, الإمام الشافعي . وقد أوردنا عبارته في صيغ القاعدة, وسيأتي ذكرها ضمن الأدلة بعد قليل. وقبل الشافعي كان الصحابة قد استنوا للأمة السير على هذا النهج؛ فكانوا لا يتركون شيئا نزل بساحتهم إلا اجتهدوا له وقرروا له حكمه, سواء كان منصوصا أو غير منصوص, صريحا أو غير صريح. وسيأتي قريبا مزيد بيان لهذا.
وقد تتابع العلماء على القول بهذه القاعدة, أو الالتزام العملي بفحواها ومقتضاها, وذلك في عامة المذاهب الفقهية. وذهب بعض المتكلمين إلى إمكانية وجود حالات ليس لله فيها حكم. قال الجويني : “وقد ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا[15] إلى أنه لا يبعد تقرير واقعة ليس في الشريعة حكم الله فيها, وزعم أنهاإذا اتفقت, فلا تكليف على العباد فيها. وهذا زلل ظاهر. والمعتقد أنه لا يفرض وقوع واقعة مع بقاء الشريعة بين ظهرانَـيْ حَمَلتها, إلا وفي الشريعة مستمسك بحكم الله فيها”.[16]

ونتيجة لذلك نجد في كل العصور والأقطار الإسلامية, أحكاما جديدة واستنباطات جديدة وفتاوى جديدة. ولم نجد العلماء والمفتين والقضاة — في أي عصر– قد توقفوا جميعا في نازلة أو مشكلة, وقالوا: ليس لها حكم في شريعتنا.
وحتى حينما قيل بتوقف الاجتهاد ونودي بإغلاق بابه, فإن ذلك لم يكن راجعا– عند القائلين به– لعدم وجود أحكام شرعية لما يستجد من وقائع, ولكن فقط لسبب عارض, وهو عدم وجود مؤهلين للاجتهاد واستنباط الأحكام الجديدة. والحقيقة أن الاجتهاد لم ينقطع واستنباط أحكام جديدة لم يتوقف. وإذا كنا نجد من قالوا بتوقف الاجتهاد والاقتصار على اجتهادات السابقين, فإننا نجد في كل العصور من كانوا يمارسون الاجتهاد ويدعون إلى ممارسته.
وحتى في القرن الثامن الهجري, حيث استقر الجمود والتقليد, وسادت فكرة توقف الاجتهاد, نجد — على سبيل المثال– ابن القيم يقول: “إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء , فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا ؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز, وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم؛ فإنهم كانوا يُسألون عن حوادثَ لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران , وإن اجتهد فأخطأ فله أجر“[17]. وهذا يعم ما اجتَهد فيه مما لم يَعرف فيه قول مَن قبله وما عَرف فيه أقوالا واجتهد في الصواب منها. وعلى هذا درج السلف والخلف . والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة الوقائع واختلاف الحوادث. ومن له مباشرة لفتاوى الناس يعلم أن المنقول, وإن اتسع غاية الاتساع, فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعا, وأنت إذا تأملت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة, ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم .
والثاني: لا يجوز له الإفتاء ولا الحكم, بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل, قال الإمام أحمد لبعض أصحابه : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع, لتعلقها بالعمل, وشدة الحاجة إليها, وسهولة خطرها[18], ولا يجوز في مسائل الأصول.
والحق التفصيل, وأن ذلك يجوز– بل يستحب أو يجب– عند الحاجة وأهلية المفتي والحاكم. فإن عُدم الأمران لم يجز, وإن وجد أحدهما دون الآخر احتمل الجواز والمنع والتفصيل, فيجوز للحاجة دون عدمها“[19].
ولقد كان السؤال النظري الذي شغل عددا من الأصوليين[20] في هذا الباب هو: إذا كانت نصوص الشرع وأحكامه المنزلة محدودة معدودة, والوقائع المتجددة لا تنحصر ولا تقف عند حد, فكيف سنجد في الشرع جوابا لكل سؤال وحكما لكل نازلة؟! أو بصيغة أخرى يستعملها الأصوليون: إذا كانت النصوص متناهية, والحوادث لا متناهية, فكيف يحيط المتناهي باللامتناهي؟!
لقد ظل العلماء — منذ عصر الصحابة إلى الآن– يجيبون على هذا السؤال. وكان جوابهم عليه جوابا عمليا أكثر منه نظريا, وذلك بالممارسة الفعلية للاجتهاد والإفتاء. وتتمثل أهم مسالكهم النظرية والعملية في الجواب على هذا السؤال, أو هذا الإشكال, فيما يلي:

1– تدبر النصوص والاستنباط منها.
فكثير من النصوص الشرعية, قد تكون نزلت أو حكمت في شأن معين ومسألة محددة, ولكن بمزيد من النظر والتدبر في صيغها العامة, وفي دلالاتها المفردة, أو دلالاتها المركبة, الناشئة عن ربطها وضمها مع غيرها من النصوص, ينقدح فيها معنى جديد وحكم جديد, لم يسبق استنباطه والتصريح به من قبل. وهكذا يستطيع الناظر المتدبر لنصوص القرآن والسنة, أن يستبين كثيرا من المعاني والأحكام الخفية, التي قد يظن أنها لا وجود لها في النصوص.
وعلى هذا الأساس, ظل الفقهاء على مر العصور, يستنبطون من القرآن والسنة أحكاما جديدة لما يستجد من أحوالهم ونوازلهم.
فمن ذلك ما استنبطه علي بن أبي طالب رضي الله عنه, في شأن شرب الخمر, بعد أن اتسع واستشرى في بعض الأقاليم. “قال الزهرى : أخبرنى حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبى قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه, فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما, وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم, وهم معه متكئون في المسجد. فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه, فقال عمر رضي الله عنه: هم هؤلاء عندك فسلهم[21]. فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى, وإذا هذى افترى, وعلى المفترى ثمانون. قال فقال عمر رضي الله عنه: أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد رضي الله عنه ثمانين, وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين“[22].
ومعلوم أن هذا الاستنباط مأخوذ من قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة} [النور-​4] . فالآية في موضوع القذف, ولكن عليا استنبط منها وبنى عليها اجتهاده لقضية أخرى, بحكم العنصر المشترك بين الحالتين, وهو الافتراء والقذف.
ومن استنباطاته أيضا ما استنتجه في مسألة الحد الأدنى لمدة الحمل, وذلك من خلال النظر والربط بين عدة آيات. قال ابن كثير : “وقد استدل علي , رضي الله عنه, بهذه الآية {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف — 15] , مع التي في لقمان: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان– 14] , وقولِه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة-​233] , على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر, وهو استنباط قوي صحيح“[23].
وهكذا كان كبار الصحابة وفقهاؤهم , لا يتوقفون عن التدبر واستنباط المعاني والأحكام الجديدة من الكتاب والسنة, لما يشهدونه أو يعرض عليهم من تطورات ومستجدات. والأمثلة في هذا الباب كثيرة, عن علي وعمر وأبي بكر وعثمان وعائشة وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت, وغيرهم رضي الله عنهم.
وقد وُضعت بعض النصوص الشرعية على نحو يبقى فيه مجال مقصود للنظر والاستنباط بما يناسب الأحوال المتغيرة والوقائع المستجدة.
من أمثلة ذلك ما جاء في صحيح مسلم وغيره: “أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة…, إلى أن قال: ” … ثم إني لا أدع بعدى شيئا أهم عندي من الكلالة . ما راجعت رسولَ الله– صلى الله عليه وسلم — في شيء ما راجعته في الكلالة, وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه, حتى طَعن بإصبعه في صدري فقال: « يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء[24] ؟!». وإني إن أعشْ أَقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن… “[25].
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: “ولعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما أغلظ له (أي لعمر), لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نُصَّ عليه صريحا, وترْكِهِم الاستنباطَ من النصوص. وقد قال الله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء — 83] . فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة, لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة, فإذا أُهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها“[26].
2_​القياس على المنصوص.
ولسنا الآن في مقام الحديث عن القياس وحجيته وما إلى ذلك من مباحثه, فهذا له مكان آخر من هذه المعلمة. ولكننا نذكر القياس باعتباره دليلا شرعيا مسلَّما عند جمهور العلماء , من لدن الصحابة إلى اليوم, وباعتباره أحد المسالك الواسعة التي أتاحت للفقهاء تطبيق قاعدتنا (ما من حادثة إلا ولله فيها حكم). فالقياس يَستخرج من كل حكم منصوص معلَّلٍ, أحكاما أخرى عديدةً من جنسه وعلى مقاسه.
قال ابن السمعاني : ” الضرورة داعية إلى وجوب القياس, لأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية, ولا بد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم, إما بتحريم أو تحليل. فإذا كانت النصوص قاصرة عن تناول جميع الحوادث وكان التكليف واقعا بمعرفة الأحكام, لم يكن لنا طريق نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس. ألا ترى: أنا إذا تركنا القياس تعطلت أحكام الحوادث, فصح قولنا: إن الضرورة داعية إلى استعمال القياس[27]”.
وقال إمام الحرمين في بيان أهمية القياس في هذا المقام: ” القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي, ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة, وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية, فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة, ومواضع الإجماع معدودة مأثورة, فما ينقل منها تواترا فهو المستند إلى القطع, وهو معوز قليل, وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار يُـنَـزَّل منزلة أخبار الآحاد, وهي على الجملة متناهية, ونحن نعلم قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. والرأي المبتوت المقطوع به عندنا, أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى, متلقى من قاعدة الشرع“[28].
3_​تحكيم كليات الشريعة.
وهذا مسلك آخر, يـمَكِّن من معرفة حكم الشرع فيما لا حد له من النوازل والأوضاع الجديدة, في مختلف مجالات الحياة. ويدخل في كليات الشريعة كل ما نعرضه في هذا القسم من هذه مبادئ عامة, وما سيأتي قريبا من قواعد المقاصد العامة, وما سيأتي لاحقا من القواعد الفقهية الكبرى. فلتراجعْ أدلتها وتطبيقاتها مبينة في مواضعها السابقة واللاحقة, فهناك يظهر أن كل قاعدة من هذه القواعد والمبادئ الكلية, قد دل عليها وشهد لصحتها نصوص وأحكام شرعية كثيرة, وحجج عقلية عديدة. فلذلك يجب الرجوع إليها وتحكيمها, عند عدم النص المباشر على حكم مسألة من المسائل. وقد دأب الأئمة والعلماء المجتهدون — في كافة العصور– بناء ما لا يحصى من فتاويهم واجتهاداتهم على هذه الكليات. يقول إمام الحرمين

الجويني , مبينا اعتماده على الكليات في تقرير أحكام المستجدات: “لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء , ولم يتعرض له العلماء , فإن معظم مضمون هذا الكتاب[29] لا يُلْفَى مدونا في كتاب, ولا مضمنا لباب. ومتى انتهى مساق الكلام إلى أحكام نظمها أقوام, أحلتها على أربابها وعزيتها إلى كتابها, ولكني لا أبتدع ولا أخترع شيئا, بل ألاحظ وضع الشرع, وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحراه. وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة, التي لا يوجد فيها أجوبة العلماء معدة. وأصحاب المصطفى صلوات الله عليه, ورضي الله عنهم, لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصا معدودة, وأحكاما محصورة محدودة, ثم حكموا في كل واقعة عنَّت, ولم يجاوزوا وضع الشرع ولا تعدوا حدوده, فعلمونا أن أحكام الله تعالى لا تتناهي في الوقائع, وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرة عن قواعد مضبوطة“[30].
ومن أكبر هذه الكليات وأغزرها عطاء, ما سماه بعض العلماء بالقياس الكلي. وهو المسمى أيضا بالاستصلاح, أو المصلحة المرسلة, أو القياس المرسل. فهذا المسلك يسمح, بل يقضي بالنظر إلى المصالح المشروعة وبناء الأحكام عليها فيما لا نص فيه. وهو المسلك الذي عول عليه الصحابة من وقت مبكر بعد انقطاع الوحي. فهم– كما يقول الغزالي — ” استرسلوا على الفتوى, وكانوا لا يرون الحصر, والنصوص ومعانيها لا تفي بجملة المسائل, فلا بد من المصير إلى المصالح“[31].
وسيأتي البيان المفصل لهذا المسلك في قاعدة مستقلة ضمن قواعد المقاصد العامة, وكذا في القواعد الأصولية. وإنما خصصناه بالذكر هنا تنويها بأهميته ومكانته في تمكين العلماء وولاة الأمر من استيعاب المصالح والحوادث المتجددة على مر العصور.

4-​_​أحكام الوقائع بين طرف الانحصار وطرف الانتشار.
وذكر إمام الحرمين مسلكا آخر يمكن من خلاله تقرير أحكام لا حصر لها, مما لم ينص الشرع على أحكامه. قال في بيان هذا المسلك: “… فلو قال قائل: ما يتوقع وقوعه من الوقائع لا نهاية له, ومآخذ الأحكام متناهية, فكيف يشتمل ما يتناهى على ما لا يتناهي؟ وهذا إعضال لا ينوء بحمله إلا موفَّقٌ رَيَّانُ من علوم الشريعة. فنقول: للشرع مبنى بديع, وأُسٌّ هو منشأ كل تفصيل وتفريع. وهو معتمد المفتي في الهداية الكلية والدراية, وهو المشير إلى استرسال أحكام الله على الوقائع مع نفي النهاية. وذلك أن قواعد الشريعة متقابلة بين النفي والإثبات, والأمر والنهي, والإطلاق والحجر, والإباحة والحظر, ولا يتقابل قط أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما, وتنـتفي النهاية عن مقابِلِهِ ومناقضه“[32].
ومعنى هذا أن الأصناف المتقابلة من أحكام الشرع, يكون فيها أحد الصنفين محصورا وأحكامه معلومة, ويكون مقابلُه غير محصور في أفراده وصوره. فإذا عرفنا أحكام الصنف المحصور, فمقابله يكون على عكسه في الحكم. فالمحرمات محددة ومحصورة, يقابلها ما لا ينحصر من الأشياء والتصرفات, فحكمها الإباحة. وما فيه حجر وتقييد من الشرع, محدد منحصر, ويقابله ما لا يحصى, فهو على الإطلاق وعدم التقييد. وما حكم الشرع بنجاسته معين محصور, وما سوى ذلك فهو على حكم الطهارة.[33]
وعلى هذا المنوال قال ابن القيم : “… وكذلك يُجعل ما ينقض الوضوء محصورا, وما سوى ذلك لا ينقضه. وكذلك ما يفسد الصوم, وما يوجب الغسل, وما يوجب العدة, وما يُمنع منه المحرِم, وأمثال ذلك… “[34].
ومعنى هذا أن هناك ما لا يحصى من الأشياء والأفعال والحوادث, يعرف حكمها بمعرفة الأحكام المنصوصة الواردة في بعض أفرادها على خلاف الأصل, فإذا تحددت وانحصرت, كان الباقي على أصله…
أدلة القاعدة:
لقد كان الإمام الشافعي سباقا إلى تقرير هذه القاعدة, وكان أيضا سباقا إلى ذكر عدد من أدلتها من القرآن الكريم. ولذلك نبدأ منه.
1– “قال الشافعي : فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها.
قال الله تبارك وتعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم — 1]
وقال: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل — 44]
وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل –89]
وقال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى — 52] “[35]
2_ ​نقل الزركشي عن القفال قوله: “لا حادثة إلا ولله فيها حكم اشتمل القرآن على بيانه, لقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [/​] …“[36]
على أن البيان القرآني لكل شيء قد يكون على وجه التفصيل, وقد يكون على وجه التأصيل[37].

3_ ​ومن الآيات التي يستدل بها على شمول الأحكام الشرعية, قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل — 89] . والقرآن إنما صار تبيانا لكل شيء بما تضمنه من أحكام وما أصله من أصول.
قال الفخر الرازي : ” وأما الفقهاء فإنهم قالوا: القرآن إنما كان تبياناً لكل شيء, لأنه يدل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة, فإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصول, كان ذلك الحكم ثابتاً بالقرآن“[38].
وقال الشوكاني : “ثم لا يخفى على ذي لب صحيح وفهم صالح, أن في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوصِ نصوصهما, ما يفي بكل حادثة تحدث ويقوم ببيان كل نازلة تنزل, عَرف ذلك من عرفه وجهله من جهله“[39].
4_ ​ومن أقوى الأدلة التي استند إليها الفقهاء والأصوليون في هذه القاعدة, عملُ الصحابة ونهجُهم في التعامل مع المستجدات التي حلت بهم. قال إمام الحرمين : “والمعتقد أنه لا يفرض وقوع واقعة مع بقاء الشريعة بين ظهراني حَمَلتها, إلا وفي الشريعة مستمسك بحكم الله فيها. والدليل القاطع على ذلك: أن أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم, استفتحوا النظر في الوقائع والفتاوي والأقضية, فكانوا يعرضونها على كتاب الله, فإن لم يجدوا فيه متعلقا راجعوا سنن المصطفى, فإن لم يجدوا فيها شفاء اشتوروا واجتهدوا. وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرهم إلى انقراض عصرهم. ثم استن مَن بَعدهم بسنتهم. فلم تتفق في مَكَرِّ الأعصار وممر الليل والنهار, واقعة تقضي بِعُرُوِّها عن موجب من موجبات التكليف. ولو كان ذلك ممكنا, لكان يَتفق وقوعُه على تمادي الآماد, مع التطاول والامتداد. فلما لم يقع عَلمنا اضطرارا في مُطَّرد الاعتياد أن الشريعة تشمل كل واقعة ممكنة. ولما قال رسول الله لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: بم تحكم يا معاذ ؟ فقال: بكتاب الله, قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي[40]. فقرره رسول الله عليه السلام وصوبه ولم يقل: فإن قصر عنك اجتهادك فماذا تصنع؟ فكان ذلك نصا على أن الوقائع تشملها القواعد التي ذكرها معاذ “[41].
5_ ​والأمر عند الجويني لا يقف عند الاستشهاد بالصحابة — والحال أن عصرهم قصير وما جد فيه من حوادث محدود — بل ذلك مستمر مطَّرد في بقية العصور. ففي رده على الباقلاني , الذي ذهب إلى القول بوجود حوادث لا حكم للشرع فيها, قال: ” أما جواز خلو الواقعة عن الحكم[42], فلا ينكره عقل. وأما وقوعه فأُنكِرُ ذلك؛ فإن الأمم الماضين المنقرضين كانوا يتصدون للفتوى مع كثرة ما ألقي إليهم وتفننها. وكانوا يهجمون [43]على الجواب فيها هجوم من لا يرى للأجوبة حصرا ومنتهى. ولو كان يجوز خلو بعض الوقائع عن حكم الله, لاتفق وقوع واقعة خلت عن حكم الله وبدت. فإذا لم يتفق, دل على أنهم ما اعتقدوا جواز خلو الواقعة عن حكم الله.
وأما ما استدلوا به من كون المآخذ [44]محصورة واستحالة {استنباط} ما لا يتناهى مما يتناهى, فهو بيِّنٌ لا حاصل له؛ فإن من تأمل قواعد الشريعة وجدها مترددة بين طرفين: أحدهما محصور والآخر غير محصور, فالنجاسة محصورة والطهارة لا حصر فيها, والتحريم محصور والإباحة لا حصر لها. فالواقعة إذا ترددت من الطرفين ووُجدت في شق الحصر فذلك, وإلا حُكِمَ فيها بحكم الشق الآخر الذي أعفى الحصر عنه“[45].
6– ويرى ابن عاشور أنَّ جَعْلَ الإسلامِ دينًا عامًا وباقيًا إلى يوم القيامة, يقتضي الأخذ بقاعدة المصالح المرسلة, التي تمكن الشريعة الإسلامية من تحقيق عمومها ودوامها, لأن “طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها, إذا التبست عليه المسالك, وأنه إن لم يتبع هذا المسلك الواضح والمحجة البيضاء, فقد عطل الإسلام عن أن يكون دينًا عامًا وباقيًا, ولم يأمن أن يسلك واديا أخوفَ, إلا ما وقى اللهُ ساريا“[46]
تطبيقات القاعدة
سبقت الإشارة إلى أن الفقه الإسلامي لم يتوقف– على مر العصور– عن الاجتهاد والاستنباط وتقديم أحكام وفتاوَى جديدة, في كل أصناف المشاكل والنوازل, بما فيها القضايا الغريبة النادرة, وبما فيها القضايا الافتراضية المتخيلة والمتوقعة. والمهم عندنا الآن هو بيان أن أياًّ من المفتين والقضاة والولاة , لم يقل إن أدلة الشرع وقواعده لم تسعفه ولم تعطه حلا أو جوابا لما يريد حله وجوابه.
وفيما يلي نماذج متفرقة لاجتهادات العلماء في قضايا متنوعة لا نص فيها.
1_ ​اشتهر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقدرته الفائقة على استنباط الأحكام للنوازل الجديدة غير المعهودة, حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه — وهو من هو — يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن[47]. من ذلك: “أن امرأة مجنونة أصابت فاحشة على عهد عمر , فأمر عمر برجمها, فمُرَّ بها علَى علي , والصبيان يقولون: مجنونةُ بني فلان تُرجَم, فقال علي : ما هذا ؟ قالوا: أصابت فاحشة, فأمر عمر برجمها, فقال: ردوها, فردوها, فقام إلى عمر , فقال: أما علمت أن القلم مرفوع عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ, وعن المبتلى حتى يبرأ, وعن الصبي حتى يعقل, أو قال: يحتلم؟ قال: بلى, قال: فما بال هذه؟ قال: فخلى سبيلها[48]”.
2_ ​من تطبيقات إمام الحرمين للقاعدة التي قررها حول وجود تقابل بين ما ينحصر وما لا ينحصر من أصناف الأحكام الشرعية: قضية نجاسة الأشياء وطهارتها. أي كيف نعرف ونحكم بأن هذا طاهر وهذا نجس, مما هو موجود, أو يطرأ أو يلتبس علينا من أعيان لا حصر لها ولأجناسها, مما هو طبيعي أو صناعي, أو بسيط أو مركب, أو جامد أو سائل, أو رطب أو يابس… ؟
قال الجويني : ” قد حكم الشرع بتنجيس أعيان, ومعنى النجاسة التعبد باجتناب ما نجسه الشرع في بعض العبادات, على تفاصيل يعرفها حَمَلة الشريعة في الحالات. ثم ما يحكم الشرع بنجاسته ينحصر نصا واستنباطا, وما لا يحكم الشرع بنجاسته لا نهاية له في ضبطنا. فسبيل المجتهد أن يَطلب ما يُسأل عن نجاسته وطهارته من القسم المنحصر, فإن لم يجده منصوصا فيه ولا ملتحقا به, بالمسلك المضبوط المعروف عند أهله, ألحقه بمقابل القسم ومناقضه, وحَكم بطهارته. فاستبان أنه لا يتصور والحالة هذه خلو واقعة في النجاسة والطهارة عن حكم الله تعالى فيها.
ثم هذا المسلك يَطَّرد في جميع قواعد الشريعة, وبه ينبسط حكم الله تعالى على ما لا نهاية له“[49].
3_ ​وعلى منوال هذه القاعدة, يمكن النظر في العقوبات الشرعية, فهي منقسمة إلى حدود وتعازير. والحدود محددة محصورة, والتعازير ليست محددة ولا محصورة. فالولاة والقضاة ينظرون فيما يرتكبه الناس من جنايات واعتداءات ومفاسد وأضرار, فإن كان فيه حد أخذوا به, وإلا فهو داخل في التقدير والاجتهاد من باب التعازير. قال الجزيري : “وها هنا سؤال ظاهر, وهو أن عقوبة التعزير لم ينص عليها في الشريعة الإسلامية بخصوصها, فهل عمل الحاكم في هذا الباب يقال له: حكم شرعي أو وضعي ؟
والجواب: أنه لا يخرج حكم من الأحكام عن نصوص الشريعة الإسلامية, ما دامت السموات والأرض. وليس معنى هذا أن كل حادثة منصوصٌ عليها بخصوصها, فإن هذا مما لا معنى له, لأن الحوادث تتجدد بتجدد الزمان والمكان, ولكن الغرض أن كل حادثة من الحوادث المتجددة لا بد أن تدخل تحت قاعدة كلية من قواعد الشريعة الإسلامية“[50]
4_ ​تطرق إمام الحرمين إلى جزئيات دقيقة تتعلق بحالة المريض العاجز عن إقامة أركان الصلاة على هيئاتها, من قيام وركوع وسجود, بحيث لا يلزمه منها إلا ما يستطيعه, وما لم يستطعه فيأتي به على أي هيئة يستطيعها. ثم تطرق إلى حالة تردد المصلي — في أثناء صلاته — بين القدرة والعجز, تبعا لما يجده ويحسه في نفسه وبدنه. فقد يبدأ الصلاة متحملا لها على أصولها, ثم يشتد به الألم والعياء, أو يدخل في الصلاة

قاعدا, أو مضطجعا, فإذا به يحس بخفة وتحسن قدرته, فيرى نفسه قادرا على الانتقال من الاضطجاع إلى القعود, أو من القعود إلى القيام, أو من الركوع قاعدا, إلى الركوع من قيام, أو العكس. وقد يقع التحول في حالته, في أثناء السجود أو في قراءة الفاتحة…
ففي هذه الحالات وأمثالها, ما الذي يلزم المصليَ فعلُه؟ وما الذي يجوز له فعله؟ وما الذي يستحب له فعله؟ وما الذي لا يصح له فعله؟ أم يقال: هذه التفصيلات والتدقيقات ليس لها حكم في الشرع؟
لقد أعطى إمام الحرمين إجابات دقيقة شافية لكل حالة, بعد وصفها وتمييزها عن غيرها. وهذا نموذج من تدقيقاته واجتهاداته في هذه المسألة. قال رحمه الله: “القادر على القيام إذا طرأ عليه عجز[51], قعد وبنى. والعاجز عن القيام إذا وجد خفة في أثناء قعوده, قام وانتصب, وبنى على صلاته. ثم إن كان القائم في أثناء قراءة الفاتحة, فعجز, فليختتم القراءة في هويه[52] إلى القعود؛ فإن ذلك أقرب إلى حد القيام. وليس ما ذكرناه استحبابا, بل يجب مراعاة ذلك, بناء على ما ثبت من رعاية الأقرب إلى الامتثال“[53].
وهذا بخلاف الحالة المقابلة, وهي حالة من كان في قراءة الفاتحة وهو قاعد لعجزه, ثم أحس بالقدرة على القيام فقام, فهذا يتوقف عن قراءة الفاتحة أثناء انتقاله من القعود إلى القيام, حتى يكملها وهو قائم؛ “فإنه إذا تمكن من إيقاع القراءة في القيام, لم يكتف بما دونه. ثم إذا قام لم نوجب عليه إعادة الفاتحة في القيام, بل يقرأ بقية الفاتحة… “[54].
ولكن بما أن هذه الحالات كلها, ليس لها ولأمثالها نصوص شرعية خاصة, يُرجع إليها لمعرفة أحكامها, فقد نبه الجويني على أن المعتمد فيها هو ما تقضي به قواعد النظر والتقدير العقلي. قال: “وإذا لم نجد نصا, فالرجوع إلى قضايا النُّهى, وليس لنتائج القرائح منتهى“[55].
5_ ​وبمقتضى قاعدتنا التي نحن فيها, يتعين على علماء الإسلام في هذا العصر دراسة كافة القضايا والمستجدات التي تشغل الناس وتؤثر على حياتهم في هذا العصر, وخاصة ما له تأثير على المسلمين وأحوالهم ومصالحهم, أمة وشعوبا ودولا.
ومن هذا القبيل النظرُ في النظام السياسي الدولي المعمول به اليوم, من هيئة الأمم المتحدة , ومجلس الأمن الدولي , ومحكمة العدل الدولية , ومحكمة الجنايات الدولية , وغيرها من الهيئات والمنظمات التي أصبح لها قدر كبير من التحكم والتأثير. فما هو الحكم الشرعي في وجودها, وأهدافها, وقوانينها, وطرق تشكيلها, وطرق اتخاذ قراراتها وتنفيذها؟ وما هو الحكم الشرعي لتعامل المسلمين معها, انخراطا فيها, وتحاكما إليها, وخضوعا لسلطانها… ؟
6_ ​ومن هذا القبيل أيضا, ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل: هل يجوز صنعها أصلا؟ وهل يجوز شراؤها واقتناؤها؟ وهل يجوز استعمالها وهي– في حال استعمالها– تقتل وتدمر وتبيد بلا حدود ولا قيود؟ بل قد ترجع بالإبادة والهلاك حتى على ممتلكيها ومستعمليها؟ وهل يجوز– بصفة خاصة– صنعها وامتلاكها واستعمالها بغرض الدفاع عن النفس والمعاملة بالمثل؟

*****************

هوامش

[1] — انظر : أدب القاضي للماوردي 1|565؛ العدة لأبي يعلى4|1327، 4|1417 ؛ الإبهاج للسبكي3|257 .

[2] — الرسالة للشافعي ص20، ط 1358| 1939– تحقيق أحمد شاكر .

[3] — التجريد للقدوري 1|234 ؛ تيسير التحرير لمحمد أمين، المعروف بأمير بادشاه 1| 133 .

[4] — البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني 2| 485 تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب — دارالوفاء — المنصورة الطبعة الرابعة ؛ وانظر : غياث الأمم في التياث الظلم، له أيضا، ص430 – 431 – ط2– 1401– بتحقيق عبد العظيم الديب

[5] — إحكام الفصول للباجي ص265 .

[6] — نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني، 9|324– 12|383 – ط1 – تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب.

[7] — غياث الأمم في التياث الظلم لإمام الحرمين الجويني ( الغياثي) ص266 .

[8] — هي القاعدة السابقة، ضمن هذه المبادئ العامة للتشريع الإسلامي .

[9] — فتح الباري لابن حجر 6|494 – 570، أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح 1|6، تحقيق الدكتور موفق عبد الله عبد القادر– مكتبة العلوم والحكم، وعالم الكتب – بيروت .

[10] — فتح الغفار لابن نجيم 3|37 ؛ إرشاد الفحول للشوكاني 1|253 .

[11] — نهاية المطلب للجويني 4|35 .

[12] — المصدر نفسه 8|543 .

[13] — المصدر نفسه 2|223 .

[14] — نهاية المطلب لإمام الحرمين الجويني 9|324 .

[15] — يقصد بـ“أصحابنا” : الأشاعرة. وهو هنا يشير خاصة إلى أبي بكر الباقلاني، صاحب هذا الرأي. انظر : البرهان لإمام الحرمين الجويني 2|882 .

[16] — الغياثي لإمام الحرمين الجويني 431 .

[17] — رواه البخاري 9| 108 (7352) ؛ ومسلم 3| 1342 (1716)|(15) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

[18] — أي ما ليس له خطورة كبيرة في الدين .

[19] — إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 5|156.

[20] — انظر : الإحكام للآمدي 4|22 ؛ المستصفى للغزالي 2|272و 239 ؛ إعلام الموقعين 1|455 .

[21] — يقصد كبار الصحابة الجالسين معه .

[22] — رواه الحاكم في المستدرك 4| 375 ؛ والدار قطني 3|157 (223) ؛ والبيهقي في السنن الكبرى 8| 320 ؛ ورواه عبد الرزاق في مصنفه مختصراً 7| 378 (13542). وقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي .

[23] — تفسير القرآن العظيم لابن كثير 7|280، تحقيق سامي بن محمد سلامة – نشر دار طيبة 1420هـ — 1999 م .

[24] — يشير عليه الصلاة والسلام إلى قوله تعالى(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ … ) الآية الأخيرة من سورة النساء.

[25] — صحيح مسلم 3| 1236 (1617) ؛ ورواه النسائي 10| 78 (11070) ؛ وابن ماجه 2| 910 – 911 (2726)

[26] — شرح النووي على صحيح مسلم11|57 – 58 .

[27] — قواطع الأدلة في الأصول لأبي المظفر بن السمعاني 2|84، تحقيق محمد حسن الشافعي، الناشر : دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان — الطبعة الأولى، 1418هـ|1999م .

[28] — البرهان لإمام الحرمين الجويني 2|485 .

[29] — يقصد كتابه الفذ (غياث الأمم في التياث الظلَم) المشتهر باسمه المختصر ( الغياثي) .

[30] — الغياثي لإمام الحرمين الجويني ص266 – 267 .

[31] — المنخول للغزالي ص 457 .

[32] — غياث الأمم في التياث الظلم لإمام الحرمين الجويني 432– 433، وانظر : البرهان2|883 .

[33] — انظر : فقرة التطبيقات بعد قليل.

[34] — إعلام الموقعين لابن القيم1|333 .

[35] — الرسالة للشافعي ص20 .

[36] — البحر المحيط للزركشي 6| 223 .

[37] — نعني بالتفصيل إعطاء الأحكام التفصيلية، وبالتأصيل وضع الأصول العامة.

[38] — تفسير الرازي، عند تفسير الآية المذكورة من سورة النحل .

[39] — إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني 1|435، تحقيق محمد سعيد بدري، ط1، دار الكتب، بيروت .

[40] — رواه أحمد 36|333، 416 – 417 (22007) (22100)؛ وأبو داود 4| 215 – 216 (3587)؛ والترمذي 3|616 – 617 (1327) ؛ والدارمي 1| 55(170)، وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ،وليس إسناده عندي بمتصل .

[41] — الغياثي لإمام الحرمين الجويني ص 431– 432 .

[42] — يقصد من حيث الإمكان العقلي .

[43] — أي يقْدمون .

[44] — المقصود : مآخذ الشريعة وأدلتها .

[45] — البرهان لإمام الحرمين الجويني 2|882 – 883 .

[46] — مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص315 – 316 .

[47] — رواه ابن عبد البر في الاستيعاب في معرفه الأصحاب 3| 206 (1875)، عن سعيد بن المسيب رحمه الله .

[48] — رواه أحمد 2|443 – 444 (1328) ، وأبو داود 5| 84 – 85 (4402) ؛ والنسائي في الكبرى 6|487 – 488 (7304) (3705) .

[49] — الغياثي لإمام الحرمين الجويني ص 433 – 434 .

[50] — الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري 5| 187 .

[51] — أي طرأ عليه العجز أثناء قيامه.

[52] — أي يسترسل في قراءة الفاتحة في أثناء انتقاله من القيام إلى رخصة القعود، لأن هيئته فيما بين القيام والقعود، هي أقرب إلى القيام من حاله وهو قاعد.

[53] — نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني 2|222، ط1– تحقيق عبد العظيم الديب.

[54] — المرجع السابق نفسه .

[55] — المرجع نفسه ص 223 .


اترك تعليق