حكومة نواكشوط تراقب مصادر تمويل "المحاظر الدينية"

By :

تسعى الحكومة الموريتانية إلى ترقية وحماية "المحاظر" التي تهتم بتدريس علوم اللغة العربية والفقه الإسلامي، ووضعت برامج لمراقبتها والحفاظ على خصوصيتها الحضارية وفتح آفاق للتبادل العلمي بينهما وبين نظيراتها من مؤسسات التعليم العتيق في الدول الإسلامية.

ويطلق الموريتانيون على المدرسة التقليدية الدينية "المحظرة" وهي شكل من أشكال التدريس لا يوجد إلا في موريتانيا فرضته حياة الحل والترحال، حيث كانت هذه الجامعات البدوية تنتقل بطلابها على ظهور الإبل، من منطقة لأخرى محافظة على طابعها ونظامها التقليدي، وتضم مختلف المراحل الدراسية من الابتدائي وحتى العالي وتنقسم إلى محاظر كبيرة ومشهورة تدرس القرآن الكريم وعلوم الفقه وأصوله وعلوم الحديث والبلاغة والفلسفة والتاريخ والحساب والطب، وأخرى صغيرة تختص بتدريس القرآن الكريم فقط.

 طلاب من مختلف الأعمار يدرسون بالمحاظر الموريتانية وتحاول السلطات مراقبة جميع المدارس الإسلامية الخاصة لتتأكد من مصادر تمويلها ومناهج التعليم وطبيعة قبول الطلبة، ورغم ان الظروف الحالية ساعدت على التخفيف من القلق المتصاعد من الدارسين في المعاهد الدينية الذين اتهموا في وقت سابق بالانتماء لتنظيم القاعدة والتطرف والاستقطاب الديني، إلا أن السلطات تخشى تجدد استقطاب الطلبة من قبل المنظمات الإسلامية الراديكالية، وتسعى إلى مراقبتهم للتأكد من تحركاتهم ومن مصادر تمويل هذه المدارس ودوافعها.

وتنتشر المحاظر الموريتانية التي ميزت نظام التعليم بالبلاد على مدى قرون، وخرجت علماء كبارا جابوا الدنيا بعلومهم وعملوا على نشر الإسلام وتعاليمه، على طول البلاد، ويؤكد أحمد ولد النيني وزير الشؤون الإسلامية أن عدد المحاضر في موريتانيا يناهز 7 آلاف محظرة في بلد يضرب فيه الإسلام والتدين بجذور عميقة، وأشار إلى أن المسح الإحصائي الشامل الأول من نوعه في موريتانيا أكد أن عدد المحاضر بلغ 6718 محظرة، و5082 مدرسة قرآنية، تضم 163912 طالبا، وبلغ عدد المساجد الإجمالي 8000 مسجدا، منها 1813 جامعا و4337 مصلى والباقي مساجد.

وأضاف الوزير أن هذا الاحصاء سيمكن من تحديث قاعدة البيانات المتعلقة بالمساجد والمحاظر وضبطها والتواصل معها حتى نتمكن من التعرف على شيوخ المحاظر ومعرفة مخزونهم العلمي ومستوى أدائهم، والطلاب ومراحلهم الدراسية وعدد الأجانب منهم.

مراقبة الطلبة

وتراقب السلطات الأمنية تحركات الدارسين في المعاهد الدينية، خصوصا من غير الموريتانيين، خشية سيطرة جماعات متشددة عليهم، ورغم أن مسيري هذه المدارس يؤكدون أن تمويلها يتم عن طريق أشخاص وجمعيات خيرية إسلامية والمنح الدراسية التي تعطى للطلاب، فقد ركزت السلطات الأمنية على نشاط بعض هذه المدارس المتهمة بالتعاون مع تنظيم القاعدة، بعدما شنت القاعدة هجمات داخل موريتانيا وأصبح الطلاب يخضعون للتدقيق من قبل قوات الأمن.

كما لاحقت السلطات بعض الجمعيات الخيرية التي تقدم تمويلا لهذه المدارس وألزمت بعض المدارس بقبول الطلاب الذين ينفقون على إقامتهم ودراستهم في هذه المدارس، ولا زالت السلطات قلقة بشأن قدرة الجمعيات الخيرية على دعم الإرهاب، وتراقب تحركات ممولي المدراس الدينية وتتقصى المعلومات الأمنية من الدول المجاورة حول الطلبة الأجانب الذين يدرسون بها.

جامعات بدوية

يدين الموريتانيون للمحاضر بالكثير من الفضل، لأنها حافظت على هوية البلاد الحضارية والثقافية ووفرت فرص التعليم المجاني لجميع الموريتانيين بدون استثناء، مما ساهم في تدني نسبة الأمية بالبلاد، وابتدع الموريتانيون هذا النظام التعليمي وطوعوه ليوافق ظروفهم الاجتماعية والبيئية، حيث إن هذه الجامعات البدوية تناسب ظروف الصحراء والترحال الذي يميز حياة سكانها.

ولعبت المحاظر دورا كبيرا في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، كما لعبت هذه الجامعات دورا سياسيا واجتماعيا عبر مراحل تاريخ بلاد شنقيط، (الاسم القديم لموريتانيا) حيث قامت المحاظر بسد الفراغ الذي خلفه سقوط دولة المرابطين، وشكلت سلطة سياسية تلتجئ القبائل إليها لفض نزاعاتها وعقد الصلح بينها، كما أنها قاومت الاستعمار وشكلت بؤرة التعبئة الشعبية ضد وجوده ووقفت سدا منيعا ضد محاولاته طمس الهوية الإسلامية وفرض اللغة الأجنبية.

وتستقبل هذه المحاظر طلبة من جميع الجنسيات، خاصة من الدول المغاربية وإفريقيا غرب الصحراء، إضافة إلى بعض الأوربيين والأمريكيين الباحثين عن حقيقة الإسلام. وقد واجهت المحاظر الكثير من التحديات، فبعد أن أشاعت المحظرة الأدب والثقافة في أطراف الصحراء، دخلت في صراع مع المدرسة النظامية التي تؤمن لخريجيها عملا قارا مما أضر بالمحاظر وأذكى فكرة إحيائها واستحداث هياكلها ومؤسساتها.


اترك تعليق