العودة: قوة الصهاينة من ضعف الأمة

By :

محمد وائل

اعتبر الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أن الفلسطينيين هم الذين ألهموا ـ إلى حد كبير ـ حراك شعوب الربيع العربي، مشيرا إلى أن الفلسطينيين على الرغم من أنهم قاموا بمواجهات عسكرية مع اليهود، لكنهم أيضاً استخدموا أسلوب المقاومة المدنية كالانتفاضات السلمية التي أثرت بشكل كبير على اليهود وعلى الاقتصاد الصهيوني.

وأشار ـ خلال محاضرة "لقاء مقدسي" في مدينة جدةـ إلى أن "الربيع العربي" استلهم هذا المعنى حينما قام بحركته في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، معتبراً أن ثمت صلة ورحما ما بين القضية الفلسطينية وما بين الربيع العربي.

لم تؤثر سلبًا

لكنه أشار، في الوقت ذاته، إلى أنَّ 65% ـ بحسب استطلاع للرأي ـ اعتبروا أن الربيع العربي أثر سلباً على القضية الفلسطينية، على اعتبار أن هذه الشعوب انشغلت بهمها الداخلي، فضلا عما تعانيه ـ حاليا ـ من عدم استقرار أثر بدوره على التعاطي مع القضية الفلسطينية، مؤكدا ـ في المقابل ـ أن الصهاينة، ليسوا واقفين أمام هذه التطورات وإنما يخططون بصمت، إلا أن محاولاتهم ستفشل، خاصة وأن الربيع العربي من شأنه أن يُعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي .

وانتقد د. العودة النظرة المحبطة لنتائج الربيع العربي، مشيرا إلى أن مجرد زوال الحاكم ـ وإن كان أعظم عقبة أمام الشعوب لتحقيق أحلامها ـ لا يعني عودة الأمور إلى نصابها في الحال، إلا أنه يكفي ضمان عدم وجود حكومة عربية يمكنها خيانة القضية أو أن تضع يدها في يد الظالم أو أن تطعن الشعب الفلسطيني في خاصرته، وإنما ستقتسم مع الفلسطينيين كسرة الخبز، ورشفة الماء، والحاضر والمستقبل.

ترمومتر الأمة

وأشار الشيخ سلمان إلى أنه "قبل أيام الربيع العربي كنا نعتبر أن قضية فلسطين بمثابة ترمومتر معبر عن تخلُّف الأمة أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً وتنموياً وحتى صناعياً، وأنه من غير الممكن النظر إلى القضية الفلسطينية معزولة عن الشعوب العربية، وبالتالي فإنّ ما يحدث الآن هو خطوة إلى الأمام وإن كان لا يجب أن نحملها فوق ما تستحق".

دور مصر

وأكد أن التحدي الأكبر أمام الشعوب كان زوال الأنظمة ، معربا عن تفاؤله الكبير بالربيع العربي خاصة مصر بلد الثمانين مليون والنيل والتاريخ والعلماء في أن تستعيد زمام المبادرة والتأثير.

وأشار د. العودة ـ في هذا الصدد ـ إلى أنه لا يمكن لجماعة الإخوان أو السلفية أو أي قوى وطنية أخرى أن تحكم مصر بمفردها، فشعب مصر هو الذي سيحكم، مشددا على أنه لن يستطيع أحد أن يستبد في مصر بعد ذلك.

لكنه لفت، في الوقت ذاته، إلى أن فئة من الناس قد لا تحسن استخدام هذه الحريات بشكل صحيح وقد تُخدع أو تُوظَّف من داخل مصر أو من خارجها، إلا أنه في النهاية ستستقر الأمور وتظل مصر هي الرافد الأكبر للقضية الفلسطينية وللقدس، فضلا عن أن هناك وعدا نبويا محكما وعظيما في صحيح مسلم يقول فيه -صلى الله عليه وسلم-: « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِىُّ وَرَاءَ الْحَجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِىٌّ يَخْتَبِئُ وَرَائِى تَعَالَ فَاقْتُلْهُ ».

قتال اليهود

وبين أن قتال اليهود ليس بناءً على دينهم فاليهود عاشوا في ظل الدولة الإسلامية بأمان وضمان، ولكنه قتال المحتلين الغزاة المحاربين لله ورسوله وللمؤمنين، مشيرا إلى أن بعض روايات الحديث تضمنت قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه).

وحذر د. العودة من المخاوف التي يتم رسمها لنا حول القوة الصهيونية، مشيرا إلى أن كل هذه المصطلحات من قبيل الحرب النفسية التي يقوم الصهاينة بنشرها بيننا.

ضعف العرب والمسلمين

وأكد د. العودة أن أكبر ما يدعم الصهاينة هو الضعف العربي والإسلامي، مشيرا إلى أن الصهاينة استفادوا من انشقاقاتنا وخلافاتنا وأججوا الأحقاد والضغائن حتى داخل المنظمات الفلسطينية، فضلا عن استغلالهم حالة الضعف التنموي والحضاري عند شعوب العرب والمسلمين، وقدموا أنفسهم على أنهم دولة ديمقراطية وحريات وانتخابات، على خلاف الواقع لأن المجتمع الصهيوني يتعامل مع العرب بكثير من العنصرية والجميع يعرف كيف يتم معاملة النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي وكيف يتم العدوان عليهم والتعامل معهم بازدراء، بل حتى المواطن العربي العادي الذي لا يحمل الجنسية أو حتى يحمل الجنسية الإسرائيلية لا يتم معاملته مثلما يُعامل اليهودي.

وقال العودة: "إذا كان الربيع العربي استلهم الحراك الفلسطيني السلمي المدني ذات مرة فمن الممكن جداً أن يستلهم الفلسطينيون الربيع العربي أيضاً بحراكهم، بحيث يكون سقوط التسلط الصهيوني من خلال العدد البشري؛ والخطط الحكيمة الثابتة، وبإسناد ودعم إخوانهم العرب.

مسخ هوية

وحول الأزمات التي تعانيها القدس تحت نير الاحتلال أوضح د. العودة أن القدس تعاني من عملية مسخ لهويتها وتغيير ديموجرافيتها والقضاء على آثارها من خلال الحفريات، حتى تحت بيت المقدسة، إضافة إلى استهداف الأحياء العربية والإسلامية، مشيرا إلى أن اليهود يعملون بصمت ودأب وتخطيط لمحاولة فرض الأمر الواقع وتحويل القدس كعاصمة لـ"إسرائيل".

وأشار إلى أن اليهود سعوا لتغيير المدينة  ديموجرافيا ـ أيضا ـ من خلال عدم منح المقادسة الجنسية الإسرائيلية فظلت جنسيتهم "أردنية" قبل أن تسحب منهم كذلك ليصبحوا بدون جنسية.

وأشار إلى أن مرور بني إسرائيل على القدس كان عابراً، لقوله تعالى القرآن الكريم الله:{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}، مشيرا إلى أن "هذه المدينة المقدسة دخلها اليهود وأقاموا فيها مملكة بني إسرائيل  التي لم تستمر أكثر من سبعين سنة، وبعد ذلك تناوبتها أمم وشعوب".

حق مكذوب

وأوضح د. العودة أن حديث اليهود عن أنهم أصحاب حق تاريخي لعبة مفضوحة، بدليل أنهم بحثهم المستمر عن الهيكل المزعوم لم يسفر إلا عن المزيد من الآثار العربية والإسلامية، مما دفع  بعض مؤرخيهم إلى القول بوضوح أنه لا حق لهم في هذه المدينة.

واجب الأمة

وأكد الشيخ سلمان أن واجبنا تجاه مدينة القدس أن تظل حاضرة أمامنا دائماً في أناشيدنا الإسلامية ومجالسنا وخطبنا والحديث عن عمر بن الخطاب وصلاح الدين كفاتحين لها، والحلم بجيش يُحرر المدينة ، لكن من الناحية العملية هناك أحلام قريبة وأخرى تظل ونحاول أن نورِّثها لأولادنا وأحفادنا حتى لا تموت.

وشدد على أهمية أن ننشغل بأشياء بسيطة وممكنة ومقدور عليها، كالاحتفاظ بصورة للقدس أو بيت المقدس أو قبة الصخرة بالمنزل، وإجراء حوارات مع الناس حول هذه القضية، أو التسجيل في المدونتات و "فيسبوك" و"تويتر" بين الفينة والأخرى تغريدات أو معلومات أو إضاءات حول هذا الموضوع، بل من الممكن أن نصنع ألعاباً لأطفالنا حتى يتربوا على أن القدس هي مدينتهم، وأن يتعرفوا على بعض معالم المدينة.

ثالث الحرمين

وأشار إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أعطانا إشارات عديدة إلى كون هذه المدينة عربية إسلامية وكانت القبلة الأولى لنا، وينبغي أن يكون هذا المعنى جزءا من إيماننا وصميم رسالتنا.

ورأى أن وصف المسجد الأقصى بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لا إشكال فيه، لأنه ثالثهم بدليل حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِى هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»، وثالثهم على اعتبار أن لهم فضيلة خاصة، حيث لا توجد بقعة في العالم لها فضيلة خاصة إلا هذه المساجد الثلاثة.

وأشار إلى أن هذه الكلمة تتضمن مزية أخرى، وهي أنها تذكرنا بالأخ الثالث للحرمين الشريفين الذي يئن تحت وطأة وقيد الاحتلال وهو المعنى الذي ينبغي أن يكون حاضراً في أذهاننا.

انتماء

وأشار د. العودة إلى تمسك الفلسطينيين بأرضهم وانتمائهم الشديد لها قائلا: "في القدس بقية من الفلسطينيين يسكنون قطعا صغيرة جداً أو يقيمون في بقعة من الأرض ربما لا تتعدى ثلاثة في أربعة أمتار ولا يجدون مكانا يضعون فيه الأواني فيعلقونها على الجدار أو السقف؛ ومع ذلك يرفضون إغراءات مالية ضخمة مقابل بيعها، وهذا هو الإيمان بالمبدأ لأنهم أصحاب الأرض الأصليين".

تاريخ القدس

وحول تاريخ مدينة القدس أوضح العودة أن بناتها هم "اليبوسيون"، من عرب الجزيرة ـ حسبما أكدت المؤرخة الأمريكية أولبرايت في دراسة مشهورة ـ مشيرا إلى أن الجزيرة العربية كانت هي الرحم التي تدفع بالمزيد من الهجرات إلى العراق والشام.

وبين أن القدس هي أقدم مدينة تاريخية، تعود لأكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وهو ما يعنى أننا أمام أكثر من ستة آلاف سنة، ولذلك حظيت بأكثر من ستة آلاف وخمسمائة دراسة ما بين رسائل ماجستير، ودكتوراه، وبحوث، منوها إلى أن القدس تتضمن أكثر من ألفي أثر عربي وإسلامي.

تحولات ديموجرافية

وأوضح الشيخ سلمان أن عدد العرب فيها يزيد على 64% في الظروف العادية، والبقية من أصناف شتى، موضحا أن اليهود كانوا يُشكِّلون ما بين 1.5% إلى 4% من سكانها، هذا في الماضي، أما الآن فمع التحولات الديموجرافية والألعوبة الصهيونية أصبحت القدس على نقيض ذلك تماماً بحيث ارتفعت نسبة اليهود جداً لتصل ـ ربما ـ لأكثر من 80% ، ويصبح سكان البلد الأصليين لا يُشكِّلون إلا نسبة ضئيلة جداً في هذا البلد المنكوب.

حفظ الحقوق

وأشار إلى أن القدس استقبلت الخليفة عمر -رضي الله عنه- حينما ذهب في قصة تاريخية، واستلم مفاتيح القدس وأمَّن أهلها ولم يسفك المسلمون قطرة دم، وقام عمر نفسه بكنس القمامة تواضعاً لله -عز وجل- ورسالة للمسلمين في احترام المقدسات وحفظ الحقوق والتواضع لله سبحانه وبحمده، مشيرا إلى أن الصراع لم يكن هنا صراعاً على قطعة أرض ولا مادياً وإنما هو صراع روحاني وإيماني وأزلي بين الحق والباطل وليس بين الساميين وغيرهم أو بين العرب وجنس آخر.

بصمات إسلامية

وأوضح د. العودة أن كل دولة إسلامية سعت أن يكون لها بصمة في القدس، حيث بنى الأمويون المسجد المرواني وقبة الصخرة بل كانوا يفكرون أن يضعوا القدس عاصمة لخلافتهم، مشيرا إلى أن العباسيين أول من صكوا عملة نقدية باسم بيت المقدس، إضافة إلى أن المظفر قطز والسلطان قلاوون وغيرهم كانوا يضخون الكثير من ميزانية الدولة في بناء وإعمار وتشييد القدس، فضلا عن العثمانيين الذين قدموا الكثير من الخدمات لاسيما موقف السلطان عبد الحميد حينما رفض أن يسمح لليهود بالتنازل عن شبر أو موضع قدم في فلسطين.

وأشار إلى أن المسلمين تاريخياً عرفوا بالحفاظ على دماء خصومهم في كل مراحل التاريخ، حتى أن صلاح الدين حينما  دخل القدس، منتصرا ـ وكان قد قتل  قبل مائة سنة أكثر من سبعين ألف مسلم ودُفنوا في مقبرة معروفة في القدس اسمها مقبرة "مان الله" ـ لم يقتل أحداً وإنما قام بعلاج المصابين تكريساً لعظمة الإسلام وإنسانيته.


اترك تعليق