العودة: "المطففين" سورة الحرب على الإدمان والقرآن يعلمنا عدم اليأس من تكرار الفشل

By :

-إدمان تويتر أخطر من التدخين ومواقع التواصل تحولت لمواقع قطيعة

- البرمجة السلبية على الاستسلام مدمرة والحلول النظرية لن تفيد

- الافتقار للسعادة يدفع لطلبها في عالم الأوهام والفراغ سيد الموقف

- تويتر والجوال والمواقع الإباحية والألعاب أبرز أشكال الإدمان الحديث

- الشركات تمارس نوعا من غسيل المخ ومحاولات التمرد تدفع للتدخين

- الانتماء الأسري يعزز الانتصار والدعاء يصنع الثقة

حذر الدكتور سلمان فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، من خطورة برمجة المدمن السلبية على الاستسلام، مشيرا الإدمان لا يتوقف على التدخين والمخدرات فقط وإنما يشمل أيضا المشاهدة الإباحية، العادة السرية، الكحول، الجنس وممارسة الحرام، المكالمات والعلاقات الغرامية، التحرش، التسوق، إدمان الماركات والأجهزة، الألعاب الإلكترونية، الشات والنت، فضلا عن الشبكات الاجتماعية، وخاصة "تويتر".

وخلال 140 تغريدة لخص د. العودة محاضرته ( قصة مدمن) التي ألغيت في مدينة الطائف، متضمنة رؤيته حول مشكلة الإدمان وكيفية التعاطي معها وطرق علاجها.

وأوضح د. العودة أن "النيكوتين" أسرع عقار إدماني وكل شفطة سيجارة تدفع عن طريق الرئة بجرعة ضئيلة منه إلى المخ، مشيرا إلى أن هذه المادة تعمل بسرعة تفوق الهيروين الذي يحقنه المدمن في أوردته.

وأرجع ـ خلالها ـ أسباب التعاطي إلى عدة أمور أبرزها ما وصفه بـ"غسيل المخ" الناتج عن العلب الجذابة، والولاعات الذهبية، وطريقة جذب النفس، والخيال الخصب لاستحضار صور شخصيات محبوبة وطريقتها في التدخين، فضلا  عن محاولات التمرد على الأهل، والحظوة لدى الأصدقاء، وإحساس الفتاة أو الفتى بالتحرر والعصرية.

وحذر من خطورة البرمجة السلبية على الاستسلام، مشيرا إلى أنها "مدمرة"، مشيرا إلى أن متوسط عمر المدخن (60) سنة، وغير المدخن (69) سنة، حسب إحصائية فرنسية.

واعتبر د. العودة أن الإدمان حالة نفسية وعضوية تنتج رغبة ملحة في التعاطي ، لتحصيل الآثار النفسية، وتجنب الآثار المزعجة الناتجة عن الابتعاد، مشيرا إلى أن الإنسان يبحث عن السعادة والرضا، فإذا لم يحصل عليها في دنيا الحقيقة طلبها في عالم الأوهام.

صعوبة الحياة

وأوضح أن صعوبة الحياة تزيد من فرص الإدمان قائلا: "بقدر ما تصعب الفرص الحياتية وتتعقد أو تستحيل يبحث الإنسان عن الأسهل، مشيرا إلى أن العمل الشريف ومصدر الرزق ووجود العدالة، وتوفير الترفيه البريء في الرياضة والألعاب وغيرها يستوعب كثيرًا من طاقة الإنسان.

لكنه أكد في الوقت ذاته أن الإدمان على الرغم من  كونه مرضا مزمنا، لا ينفي مسؤولية صاحبه عند البداية، مشيرا إلى أن مرض السكري مثلًا قد يكون بسبب إدمان الحلوى. وقال "من الأجدر أن يواجه صعوبات أو مشكلات ليشعر بالخطر ويبحث عن علاج".

ولفت د. العودة إلى المعاناة الأسرية جراء أزمات الإدمان قائلا:  "طفل الثانية عشرة أصبح يؤدي دور ابن الخامسة والثلاثين، ويتحمل مسؤوليات منزلية كبيرة"،  وأضاف: "أصبح الطفل بالغًا وأبًا حقيقيًّا، وطالما اصطحب والده السكير في رحلة على الأقدام أو نزهة لعجزه عن قيادة السيارة"، وتابع: "لأنه الابن البكر كان نادرًا ما يسيء التصرف، وأظهر اهتمامًا فائقًا لبقية اخوته.أخوه الأصغر منه أصبح طفلًا متكيفًا مع واقع الأب".

الإدمان الجنسي

وحول إدمان العادة السرية ، أوضح د. العودة أن "المشكلة في تحولها إلى عادة حتى دون وجود رغبة، فيفعلها بحثاً عن المتعة، ويتطور الأمر إلى أن يكون مصحوبًا بمشاهدات تلفزيونية أو يوتيوبية"، مضيفا أنه "أحيانًا يتواصل طرفان عبر الهاتف أو الاسكايب أو البالتوك أو الماسنجر أو قوقل بلاس، ويتم ذلك عبر استعراض جسدي وإثارة صوتية، وقد تتحول إلى وثائق ابتزاز أو فضائح".

وأشار إلى أن "المراهقين في الماضي كانوا يشتكون من العادة السرية التي يلجئون إليها خوفًا من الوقوع فيما هو أشد، أو طلبًا لراحة الجسد من قلق الغريزة".

أمراض السيطرة على الدوافع

وأشار د. العودة إلى ما يسمى بـ«أمراض السيطرة على الدوافع»، موضحا أن (15%) من الولايات المتحدة اليوم حوالي من المصابين بما يسمى

وبين أن  أهم أمراض "السيطرة على الدوافع": إدمان الجنس، وإدمان السرقة، وإدمان التسوق والشراء بغير حاجة، وإدمان القمار، لافتا إلى كتاب "جون كرانت": «ساعدوني فأنا لا أستطيع التحكم في نفسي»والذي يحتوي العديد من المعلومات والقصص الحزينة عن الضحايا.

وقال: "شخص ناجح في عمله ومحترم ومهم جدًّا، ولكنه في سره يوبخ نفسه ويبكي بحرقة، لا يظهر أثر الإدمان على عمله وعلاقاته، مشيرا إلى أنه "يشعر بالعار لأنه مدمن علاقات جنسية، يحس بأنه لا ينجح في عمله إلا بهذا".

وأكد فضيلته أن "الإدمان مصيدة تفقد المريض معنى الحياة وجماليتها، والإحساس بقيمة الأسرة، وتحرمه الاستمتاع بالطيبات من المآكل والمشارب والمجالس والعلاقات"، مشيرا إلى أن "الإدمان مصيدة  تقضي على الأحلام الجميلة والأهداف النبيلة، وتأخذ الإنسان من عالمه الشريف إلى برزخ يتصل بالحيوانية واللامبالاة".

إدمان تويتر

وحول إدمان وسائط التكنولوجيا الحديثة، اعتبر العودة ـ على سبيل المثال ـ أن "إدمان تويتر، أقوى من إدمان التدخين كما تقول دراسة في كلية شيكاغو لإدارة الأعمال"، موضحا أن "أغلب المتطوعين وجدوا صعوبة في التوقف عن استطلاع حساباتهم على تويتر أقوى من التي يجدون في مقاومة الرغبة في التدخين".

كيف تعرف أنك مدمن؟

وحول علامات إدمان "تويتر" أوضح أن هناك عددا من الدلائل من بينها: "الدخول أثناء العمل، أو في المدرسة والفصل والمسجد، السهر الطويل، وإهمال الأهل والأولاد والأسرة، والتصفح عند الأكل، و الاضطراب العصبي وقلة النوم، وتراجع العلاقات الاجتماعية :(شاب لا يراه أهله إلا عند الوجبة، وهو منزعج!)، فضلا عن  تسميم العلاقة مع شركاء الحياة: الأم، الزوجة، الأخ، الأب، الصديق".

وقال: "يبدأ صحوه بـ"تويتر"، وينام والجهاز إلى جانبه، وقد يصحو عدة مرات في الليلة"، مشيرا إلى أن هذه التقنية  "تحولت عند بعضنا من مواقع التواصل إلى مواقع القطيعة"، وتسببت فى "حالات طلاق بسبب محادثة الفتيات في أمور غير أخلاقية".

ورأى أن فطام النفس وعلاجه "مقدور عليه بتعزيز الإرادة، والاستعانة بالله، والانحياز للبرامج العملية كالزيارات والجلسات العائلية ورحلات الأصدقاء"، مشددا على ضرورة "علاج وتوظيف هذه الشبكات للتواصل العائلي"، مثل  "قروبات على الواتس آب للعائلة، ألعاب أسرية مشتركة على السوني، وغيرها".

الخيال والإدمان

واعتبر د. العودة أن هناك علاقة ما بين الخيال والإدمان قائلا: "عندما تزور مدينة مشهورة بتجارتها أو طبيعتها أو فسادها «مدينة الخطيئة بتايا أو لاس فيجاس مدينة القمار»تحتفظ بذكرياتها المرة"، و"حين تزور مدينة  مشهورة بقدسيتها "مكة  أو المدينة" تحتفظ بذكرياتها الروحانية الطيبة".

وهنا لفت فضيلته إلى ضرورة صناعة الذكريات الطيبة حتى لا نقع فريسة الحنين إلى الإثم قائلا: "اصنع ذكريات جميلة.. صلِّ جمعة.. تعرف على أهل المسجد.. صم يومًا.. قم ليلة.. صل ضحى.. رطب عينيك بدمعة..اختم المصحف.. تعرف إلى أهل الخير.. قم بجولة صدقات وأعطيات.. ادعم مشروعًا خيريًّا في البلد".

وقال: "سافرت لمعصية، أعقبها بسفر طاعة، صرفت ألف دولار في طريق الشيطان، اصرف مثلها في سبيل الله"، مضيفا "مقابل عادة سيئة أدمنتها، اصنع عادة حسنة وارعها واسقها وفضلها على أختها".

وأشار إلى أن "الخيال يتذكر الصور والمواقف المرتبطة برغبة أو متعة ولو كانت حرامًا والشيطان يزين الحرام"، مضيفا "نشِّط خيالك الإيجابي.. تصور نفسك صالحًا ناسكًا تقيًا يلتمس الناس بركة دعواتك.. أو في مجلس علم وحكمة، أو في مقام قدوة لولدك أو طلابك".

حلول نظرية

وأشار د, العودة إلى أن  الحل ليس مرتبطًا بعرض حلول نظرية أو ابتكارها، بل في إمكانية هذه الحلول ومدى توفرها للمصاب"، موضحا "حين نقول: الانشغال بشيء آخر، ما هذا الشيء الآخر؟ وكيف يمكن توفيره؟ هل الفرد يوفره لنفسه؟ أم الأسرة؟ أم المجتمع؟ أم السلطة؟"

وقال: "يظل الفراغ سيد الموقف محليًّا وعالميًّا، ولذا يظل الإدمان مشكلة متفاقمة"، محذرا من خطورة البطالة في تفاقم الأزمة موضحا "التقاعد عن العمل يزيد المعرضين للمشكلة".

علامات أخرى

وحول علامات الإدمان بين العودة أن "الضيق والندم والحزن والاكتئاب قرينة الإدمان، وربما يفر إلى الوهم ويرى نفسه مصابًا بالسحر أو الجن أو العين!"، معتبرا أن "اليأس من الحل نتج عن تكرار الفشل".

وأشار د. العودة إلى أن المدمن ينسى التعب والإرهاق، وقد تساوت عنده الحياة والموت حتى يحصل على مطلوبه، ثم يسقط فجأة تحت وطأة إنهاك شديد، لافتا إلى أنه "قد ينكر حالته المرضية، وقد يرى نفسه مبتلى لا حيلة في شفائه".

ونوه إلى ضرورة أن تكون هناك قناعة داخلية لدى المستهدفين وإحساسهم بأهمية البحث عن حل، مشيرا إلى أن البعض " يعالجون المشكلة بعيدًا عن تداعياتها وأسبابها وظروفها، ويقدمون حلولًا مبتورة، لأنهم يركزون على ذات المشكلة دون معالجة الأوضاع المحيطة".

سورة الحرب على الإدمان

كما اعتبر أن سورة المطففين هي سورة الحرب على الإدمان، فالتطفيف ليس فعلًا عابرًا، وإنما هو إدمان سرقة الغني للقليل الطفيف من قوت الفقير بأنانية وجشع"، مبينا أن الـ «سجّين»، الذي توعدهم به الله ـ تعالى ـ هو سجن في الآخرة يقابل ما سجنوا فيه أنفسهم من عادة الفجور والتطفيف.

تحريك الإيمان

وأشار الشيخ سلمان إلى أن "تحريك الإيمان بالبعث والوقوف بين يدي الله شعور يهز الوجدان، ويصنع حالة عاطفية قوية من شأنها أن توقظ الإرادة النائمة" مشيرا إلى أن "القرآن يعلمنا عدم اليأس مع تكرار الفشل {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ.... اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ، منوها إلى أهمية  "الصحبة الخيرة التي تأخذك في هذا السبيل، وتشعرك بأن العالم بخير، فضلا عن قراءة تجارب الناجحين في الخلاص وكتبهم والتشبه بهم".

وأشار إلى بعض الكتب الناجحة في علاج بعض أنواع الإدمان مثل كتاب دينيس هولي، «لماذا لا أتوقف عن فعل ذلك؟» حاكيًا تجربة فريدة، وألن كار «الطريقة السهلة للإقلاع عن التدخين». وكذلك كتاب «كيف تخلِّص شخصًا تحبه من براثن الإدمان» للدكتور أحمد شهيب، لمن هم حول المدمن كالوالدين والزوجة والأصدقاء، مشيرا إلى أنه كتاب ممتع حافل بالقصص والنصائح الواقعية.

نية التغيير

وأوضح د. العودة أن "نية التغيير وإظهار ذلك للنفس بوضوح يعني بداية الاستعداد للواقع الجديد"، معتبرا أن "نية التغيير تعني نقص التكيف مع الواقع السيئ المراد تغييره، لتنسجم قوى النفس الواعية وغير الواعية وتتآخى".

ونوه إلى أن اعتقاد البعض صعوبة الإقلاع عن التدخين يرجع "لأنهم يفكرون بما سوف يتركون، وليس بما سوف يفعلون". وقال: "التفكير بطريقة: سأترك التدخين، يدفعك للاستمرار فيه!"، موضحا: "حين تريد السفر والحجز فأنت لا تخبر الموظف المختص بالأماكن التي (لا) تريد السفر إليها، والفنادق التي (لا) تريد أن تسكنها، وإنما بما تريد".

طرق الإقلاع

وبين الشيخ سلمان أن الإقلاع عن التدخين من خلال طريقتين: إما نقص تدريجي بالتخفيف وفق التقنية اليابانية المشهورة «الكايزن Kaizen »، أو الترك الحاسم والنهائي الذي تعززه إرادة قوية، وهذا ما تؤكده تجارب د. ألن كار، فهو ضد فكرة التدرج"، والذي اعتبر أن «الوحش» موجود في عقلك وبدنك، واللهفة تزداد للسيجارة كلما قلل منها.

نصائح

ووجه د. العودة مجموعة من النصائح الهامة للإقلاع عن التدخين قائلا:  "اتخذ قرارًا حاسمًا. تخيل أنك أصبت بمرض، وكنت في خيار بين ترك الإدمان أو بتر ساقيك أو الموت!"، مشددا على ضرورة عدم الاستسلام للأعراض الانسحابية، لأنها "تستمر لثلاثة أسابيع تمثل «جوعًا» للسيجارة وبعدها تأتيك لحظة الإلهام التي تنظر فيها إلى السماء فتجدها أكثر جمالا".

ودعا كذلك إلى "تعود الحديث إلى الأشخاص الإيجابيين وليس المحبطين أو السلبيين"، مشددا على ضرورة "الدعاء والإلحاح بصوت يسمعه الداعي شديد التأثير في برمجة إيجابية تحفز قوى النفس للاستجابة".

الدعاء وصناعة الثقة

وأكد د. العودة أن "الدعاء يسهم في تجاوز الشعور السلبي وصناعة الثقة بأن الله يصنع لنا أفضل مما نريد"، فضلا عن ضرورة "تعزيز الانتماء الأسري في جميع المراحل لأنه يصنع البيئة الملائمة للانتصار".

وشدد كذلك على "أهمية الحلول الاستراتيجية الشاملة التي يقوم بها المجتمع والمؤسسات المدنية والأسر المتعاونة"، فضلا عن "مراكز علاج الإدمان، والإرشاد النفسي، والأندية المخصصة للمتعافين حول العالم، وإعادة التأهيل شخصيًّا وخلقيًّا ومهنيًّا واجتماعيًّا عملية جبارة ومتنوعة تتطلب عشرات المؤسسات المتخصصة الطوعية والرسمية".


اترك تعليق