فتح القسطنطينية – 2 من 11

بواسطة : د. أحمد رشاد

فتح القسطنطينية – 2 من 11

بقلم: د. أحمد رشاد (عضو الاتحاد)

 

المشهد الأول

استعدادات الفاتح للفتح

ولعل من الأفضل أن نتحدث عن أحداث معركة فتح القسطنطينية من خلال مجموعة من المشاهـــد والتي تشكل في مجملها أحداث المعركة منذ الإعداد لها حتى الفتح المبارك المبين .

   المشهد الأول :

الإعداد للفتح

  1. المعاهدات والاتفاقيات

أدرك محمد الفاتح أن نجاحه في فتح القسطنطينية يتطلب التفرغ الكامل لهذه المهمة والإعداد المسبق لها بدقة تامة وسرية مطلقة لذلك حرص على اختيار معاونيه من الثقاة الذين لا يرقى الشك إلى إخلاصهم .

ومن خطط السلطان الفاتح في حروبه انه قبل أن يهاجم أي مدينة او قلعة يعمل على حصارها وعزلها وقطع الاتصال بينها وبين البلاد التي قد تأتى ألي نجدتها .

     والقسطنطينية عاصمة الامبراطورية الشرقية التي ظلت على مدى عشرة قرون معقل النصرانية في الشرق لن يسع أوروبا النصرانية أن تظل مكتوفة اليدين تنظر غالى مصرعها في يد المسلمين بغير اكتراث ولا مبالاة فقام الفاتح بمجموعة من الاتفاقيات والإجراءات السياسية والتي تهدف الى حرمان مساندة الدولة البيزنطية من الدول الأوربية  فقام الفاتح بعقد الاتفاقات السلمية مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد ويجعل جبهة الحرب من اتجاه واحد وبالتالي يقضى على فكرة فتح جبهات أخرى ضد المسلمين ليتفرغ لعدو واحد وجهة حرب واحدة فضلا عن منع مساعدة أوربا لبيزنطة وحرمانها من الوقوف معها ، فجدد السلطان المعاهدة مع البندقية في سبتمبر 1452 م / شعبان 856 هـ بناء على طلب منها وهى التي كانت بين الدولة البيزنطية والدولة العثمانية في عهد السلطان مراد الثاني ، وأكد السلطان محمد الفاتح لإمبراطور الدولة البيزنطية مونستانس التزامه الصارم بهذه المعاهدة التي عقدت بين سلفيهما ، وعقد هدنة مع هونياد المجرى مدتها ثلاث سنوات ، كما عقد اتفاقيات أخرى مع الافلاق والبوسنة وغيرها من الدول والامارات ، وقوبلت سفارات جزر بحر إيجة في أدرنه عاصمة الدولة البيزنطية بحفاوة كبيرة وتساهل السلطان محمد الفاتح مع صربيا وعقد الفاتـح معها معاهــدة تحقق بعض الامتيازات لهذه الدولة النصرانية ، غير أن هذه المعاهدات لم تصمد أمام هجوم السلطان محمد الفاتح على القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ، حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها لصد الهجوم التركي الإسلامي ضد القسطنطينية النصرانية الأرثوذكسية ، مشاركين لبنى عقيدتهم من النصارى متناسين عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين.

  1. الجيش والأسلحة

بذل السلطان محمد الفاتح جهودا عظيمة فى تقوية الجيش العثماني من تخطيط وترتيب وإعداد للقوى البشرية الضاربة والتي بلغ تعدادها ربع مليون مجاهد وعنى بتدريبهم تدريبا خاصا على فنون القتال الحديثة والمختلفة بمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للمهمة العظيمة وهى تحقيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى فتح القسطنطينية ، لذلك أعد الفاتح جنوده إعدادا إيمانيا ومعنويا وغرس روح الجهاد فسبيل الله في قلوبهم عسى أن يكونوا هم الجيش المقصود في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتفتتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش ، هذا فضلا على اهتمام السلطان الفاتح على وجود العلماء بين الجنود فكان له أكبر الأثر في تقوية عزائم الجنود وشغفهم لهذا الفتح العظيم

لقد  انهمك السلطان محمد الفاتح بكليته في الاستعداد والتأهب للحصار وقد أدرك أنه سيكون حصارا طويلا شاقا لذلك اعتني السلطان محمد الفاتح عناية خاصة بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية ومن أهمها المدافع التي أخذت اهتماما خاصًا منه حيث أحضر مهندسًا مجريًا يدعى ” أوربان ” كان بارعًا في صناعة المدافع  ، بل كان أمهر صانع للمدافع في زمانه ، فأحسن  السلطان استقباله ووفر له جميع الإمكانات المالية والمادية والبشرية وصمم العديد من المدافع الضخمة وكان على رأسها المدفع السلطاني المشهور والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه ، وقد أشرف السلطان نفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها  .

         وكان قد طاف ببعض بلدان أوربا وعرض صناعته على بعض ملوكها فلم يصغ إليه أحد ، فذهب إلى القسطنطينية ولبث هناك زمنا يقدم خدماته للإمبراطور ويعينه على اتخاذ أسباب الدفاع على هذه المدينة ، غير أن الإمبراطور ضن عليه بالمال ، وقد كان أوربان رجلا جشعا يحب المال حبا جما ، ففر إلى السلطان الفاتح الذى بالغ في الحفاوة به وفتح له أبواب خزانته وغمره بالمال والعطايا ، ثم سأله الفاتح : هل يمكنك أن تصنع مدافع أكبر من التي صنعتها حتى الآن : فأجاب أوربان : في استطاعتي أن أصنع لك مدفعا يدك أسوار القسطنطينية ولو كانت في مناعة أسوار بابل ، غير أنى مهندس ولست جنديا فلا أعرف أين توضع المدافع فبادره الفاتح ضاحكا بقوله : أنا الجندي ما عليك إلا أن تصنع المدافع التي أريدها ، أما أين توضع وكيف نصوب فدع ذلك لي ، وقدم السلطان الفاتح له جميع الامكانيات المالية والمادية والبشرية وشرع أوربان في صنع المدافع يعاونه في ذلك المهندسان التركيان صاريجة ومصلح الدين ويشرف عليها السلطان الفاتح بنفسه ، وبعد ثلاثة أشهر أتم أوربان صنع المدافع التي طلبها منه السلطان محمد الفاتح وكان من بينها مدفع ضخم عملاق لم ير مثله قط في ضخامته وكبر حجمه ، فهو يزن سبعمائة طن ، واسع الفوهة ، تزن القذيفة الواحدة التي يقذفها اثنى عشر ألف رطل ، ولا يطيق جره إلا مائة ثور يساعدها مائة من الرجال الأشداء تزحف به زحف السلحفاة فى مهل وتؤدة .  وقد عمل السلطان محمد الفاتح على تمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية لكى تكون صالحة لجر المدافع الكبيرة والعملاقة خلالها إلى القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ، ومع ذلك كله قطع الطريق من أدرنة إلى موضع المدفع العملاق أمام أسوار القسطنطينية في شهرين وهو طريق يقطع عادة في يومين .

وكان لانطلاق القذيفة من هذا المدفع دوى هائل مرعب يصم الآذان ويسمع على بعد ثلاثة عشر ميلا . وعندما أريد تجربته أول مرة في أدرنة أنذر سكان المدينة لئلا يفجعهم هذا الدوى المرعب فتضع الحبالى من النساء ويصعق الكبار والصغار. وانطلقت القذيفة الضخمة إلى مسافة ميل وغاصت في الأرض ست أقدام . وقد استعظم الناس هذا المدفع ونسبوه في تسميته إلى السلطان ودعوه بالمدفع السلطاني وقد كان بحق سلطان المدافع . وصنع أوربان الى جانب هذا المدفع مدافع أخرى ، وسر السلطان الفاتح لنجاح التجربة وأجزل العطاء والمكافأة للعمال وبخاصة الذين صنعوا هذا المدفع العملاق ، وازداد الأتراك حماسا لفتـح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ، كما كان هذا الفتح هو هم السلطان محمد الفاتح الذى شغله بالليل والنهار حتى أرقه وحرم عليه النوم ، وأخذ يقدح زناد فكره في افضل وأنجح الوسائل لهذا الفتح ، وكثيرا ما كان يجتمع بكبار رجال جيشه ويباحثهم ويشاورهم في هذا الفتح وكثيرا ما أدهشهم بخططه وأفكاره وآرائه .

  1. بناء قلعة روميللي حصار

وأقدم السلطان محمد الثاني على خطوة تمهيدية أخرى فشرع الفاتح في بناء قلعة منيعة  قلعة ” رومللي حصار ” إلى جوار القسطنطينية  على الشاطئ الأوربي من البسفور مقابل القلعة التي بناها السلطان بايزيد الأول على الشاطئ الأسيوي عند أضيق موضع من القناة ليحكم بذلك إغلاق هذا الممر ويحول دون وصول أي مساعدة قد تأتى من البحر الأسود .

وقام السلطان باختيار الموقــع الجديد للقلعة في ربيــع الأول من عام 856 هـ / 1452 م وشارك بنفسه في أعمال البناء ، وجلب الفاتح مواد البناء وآلاف الفعالة والبنائين من جميع أنحاء إمبراطورتيه واشترك بنفسه مع كبار رجال دولته والقضاة والفقهاء في أعمال البناء فخلعوا ملابسهم الزاهية الثمينة وانتشروا بين العمال والفعلة وزاحموهم بمناكبهم في نقل الأتربة والأحجار .

         وقسم السلطان الفاتح العمال على فرق ، وعين لكل فرقة قسما خاصا من العمل تقوم بإنجازه وأظهر الجميع همه جبارة ونشاطا عجيبا في العمل الذى لم ينقطع ليلا أو نهارا حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة وصل ارتفاعها الى 82 مترا وأصبحت القلعتان متقابلتين ولا يفصل بينهما سوى 660 متر تتحكمان فى عبور السفن من شرقى البسفور إلى غربيه .

وبذلك يكون السلطان قد كسب موقعًا استراتيجيا واقتصاديا يحول دون وصول الإمدادات القادمة من مملكة طرابيزون عن طريق البحر الأسود وبالتالي عزل القسطنطينية اقتصاديا كما أراد السلطان أن تكون القلعة قاعدة لأعماله الحربية في أوربا ومستودعًا للزاد والعتاد  .

            ولم تمض ثلاثة أشهر حتى أنجـز السلطان بناء هذه القلعة الضخمة الجبارة ( أواخر أغسطس 1452 م ـ شعبان 856 هـ ) في شكل مثلث ، سمك جدار أسوارها عشرون قدما . وعلى رأس كل زاوية من زواياه في كل زاوية منها برج ضخم مغطى بالرصاص سمكه اثنتان وثلاثون قدما. ونصبت على الشاطئ مجانيق ومدافع ضخمة جسمت كالغيلان وقد صوبت أفواهها إلى القناة تمنع السفن من المرور ، ومن ثم سميت هذه القلعة الجديدة ” بوغاز كسن ” أي قاطع البوغاز . وعرفت فيما بعد برومللي حصار أو قلعة الرومللي ووقفت تجاه أختها القلعة التي بناها بايزيد على الشاطئ الأسيوي والتي تدعى ” كوزل حصــــار ” أي القلعة الجميلة أو ” أناضولي حصار ” أى قلعة الأناضول ، وقد أمر الفاتح أيضا بترميمها وتقويتها .

وما أن اكتمل بناء قلعة رومللى حصار على بعد سبعة كيلو مترات من القسطنطينية إلا وكان العثمانيون يسيطرون على مدخلي البسفور من شاطئيه الأسيوي والأوربي وضمنوا منع وصول الإمدادات إلى القسطنطينية وأصبحت كل سفينة تريد العبور من البوسفور تخضع لتفتيش دقيق يجريه الجنود العثمانيون وأن تدفع رسمًا مقابل السماح لها بالعبور .

         وأخذ الامبراطور قسطنطين ينظر إلى القلعة الجديدة وهى تنمو يوما بعد يوم وترتفع وسفن النقل تغدو وتروح تحمل الرجال ومواد البناء من أسيا الى أوروبا وهو لايستطيع منعها أو عرقلتها . واسترسل قسطنطين فى الاستخذاء والتزلف فأخذ يبعث كل يوم إلى مائدة السلطان الفاتح وعماله الذين يقومون ببناء القلعة بأجود الطعام والشراب كأنما كان السلطان الفاتح يسعى من وراء استعداداته إلى ملىء بطنه . ولكن السلطان كان عازما على تنفيذ مخططه ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه ، وكان خيرا لقسطنطين لوكان أبقى كل هذه الأطعمة والأشربة لقومه المحصورين الذين أغلقت عليهم السبل.

         وتذكر الامبراطور قسطنطين صديقه القديم الوزير المرتشى خليل باشا فجمع رجال دولته وشاورهم فى أمره فقالوا له إن هدايانا السابقة إلى خليل باشا إنما كانت لمثل هذا اليوم وإذا كان لهذا البلاء المحدق من دافع فلن يأتينا إلا من قبله ، وأخذ قسطنطين يبعث إليه من جديد بالهدايا من الأسماك المحشوة بالذهب عله يثنى عزم السلطان محمد الفاتح ويصرفه عما هو بسبيله من الاستعداد والتأهب لحصار القسطنطينية ولكن الفاتح لايحفل بشفاعة ووساطت خليل باشا ، وتجهم له تجهما ارتعدت له فرائص الوزيـر الخائن.

         وكان هدف الفاتح من بناء هذه القلعة الجديدة أن تسيطر على مجاز البسفور وأن تكون قاعدة لأعماله الحربية في أوربا ومستودعا للزاد والعتاد والسلاح .وتستطيع نيران هذه القلعة منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابيزون وأبيروس ونيقية ومن غيرهم من المدن التي تستطيع أن تمد القسطنطينية بالمال والعتاد والسلاح والجنود . ولا تزال بقايا هذه القلعة قائمة إلى اليوم تثير عُجب الناظرين إليها .

         وعهد السلطان الفاتح إلى فيروز آغا قيادة القلعة الجديدة ومعه أربعمائة من الإنكشارية وأمره بإحكام قبضته على مجاز البسفور وألا يسمح لأى سفينة بالمرور إلا بعد أن تفتش تفتيشا دقيقا وتؤدى ضريبة المرور ، وإلا أطلق عليها القذائف وأغرقت

  1. بناء الأسطول العثماني

إذا كان السلطان محمد الثاني أعد جيشًا جرارًا يقدر بمائتين وخمسين ألف جندي واستخدم بجوار المدفعية آلات الحصار الضخمة وكل جديد في فنون الحرب   فقد عنى أيضا عناية خاصة بالأسطول العثماني حيث عمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة فأنشأ السلطان أسطولاً ضخمًا وقد ذكرت المصادر الإيطالية أن عدد الأسطول البحري يتكون من عشر pirems وخمس سفن كبرى وسبع وعشرين سفينة صغيرة وعشرين ناقلة pucreb وعدد من القوارب لنقل الرسائل  بينما المصادر البيزنطية قد بالغت في عدد سفن الأسطول   .

وفي حقيقة الأمر فإن السفن التي أعدت لهذا الغرض لابد أن تكون الأعداد وفيرة جدًا لكي تستطيع أن تخترق مياه بيزنطة ولتكون مؤهلة للقيام بدورها في الهجوم على القسطنطينية تلك المدينة البحرية التي لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة وقد ذكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة  

لقد رأى السلطان محمد الفاتح أن الطريق إلى القسطنطينية من ناحية الدردنيل لا تزال مفتوحة تدخل منها السفن وتخرج في حرية تامة، فبذل الفاتح عناية خاصة بالأسطول العثماني وعمل على تقويته وتزويده بالسفن المختلفة ، فأمر بالإسراع في بناء سفن جديدة وإصلاح القديمة ووضعها في بحر مرمرة لمنع أي سفينة أوربية من إمداد القسطنطينية بالعتاد أو الأموال أو الرجال . كما أن الفاتح كان بحنكته العسكرية يعلم أن تلك المدينة البحرية لا يكتمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة وبلغ عدد هذه السفن العثمانية على تقدير المؤرخ الرومي فرانتزتس أربعمائة سفينة على اختلاف أنواعها وأحجامها    ، ولم يكن مسلحا من هذه السفن تسليحا كاملا إلا اثنتي عشرة سفينة فقط  . ولكى لا تدخل هذه السفن إلى ميناء القرن الذهبي فعمل البيزنطيون إلى سد مدخله بسلسلة ضخمة واحتمت السفن البيزنطية وراءها ، أما الأسطول الجنوي فكانت مهمته حمايه وتأمين ميناء القرن الذهبي

 

اترك تعليق