الحكمة من عظيم بيان القرآن الكريم والسنة النبوية عن قصة الخلق

بواسطة : د. علي محمد الصلابي

الحكمة من عظيم بيان القرآن الكريم والسنة النبوية عن قصة الخلق

بقلم: د. علي محمد الصلابي

إن الله عز وجل ربط بين الخلق وبين الحكمة والعلة من الخلق، فلم يخلق الله الخلق عبثاً ولا لعباً، وإنما خلق الخلق جميعه لحكمة، وخلق تفاصيل الخلق لحكم عظيمة يدركها الإنسان في خلقته، وفيما حوله من المخلوقات التي يمتلأ بها الكون؛ من حيوانات، وحشرات، وشجر، ونبات، ومن بحار، وأنهار، وجبال، وسهول، ورياح، وأمطار، وهي حكم متعددة ومتداخلة يؤكد بعضها بعضاً، ويسوق بعضها بعضاً في صور من الجلال والإبداع والكمال، وغايتها وحقيقتها تحقيق العبودية لله دون ما سواه، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۝ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الدخان: 38-39].

يخبر سبحانه وتعالى عن كمال قدرته، وتمام حكمته، وأنه ما خلق السماوات والأرض لعباً ولا لهواً، ولا سدىً من غير فائدة، وأنه ما خلقهما إلا بالحق، وخلقهما مشتمل على الحق، وأنه أوجدهما ليعبدوه وحده لا شريك له، وليأمر عباده وينهاهم ويثيبهم ويعاقبهم.

وإن الحكمة من أعظم معالم حديث القرآن الكريم والسنة النبوية عن قصة الخلق، فالخلق صفة من صفات الله سبحانه، كما أن أثر هذه الصفة فعل من أفعال الله المنزهة عن العبث واللعب، وإذا تقرر أن كل ما في الكون مخلوق لله سبحانه، من كائنات وما يصدر عنها من أفعال -كما سيأتي مزيد توضيح له في ثنايا هذا الكتاب بإذن الله تعالى- فإن من استقر في نفسه ذلك، وترسَّخ في قرارة قلبه، تنفتح له آفاق عظيمة في تلمُّس أسرار الخلق العظيم، وما يجري فيه من حركة وسكون، وسعادة وبؤس، ورخاء وشدة، وعز وذل، وخيرٍ وشر، وحرب وسلم، وحياة وموت، ونصر وهزيمة.

ولقد قال الله سبحانه في قصة من أكثر القصص إيلاماً وأشدها أذى، تلكم هي قصة الإفك الأثيم الذي افتُري على الطاهرة المصون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، قال الله فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة النور: 11].

قال ابن كثير: أي يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم ﴿الَّذِي لَا يَأْتِيْهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [سورة فصلت: 42] الآية، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنهما وعنها وهي في سياق الموت قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحبك، ولم يتزوج بكراً غيرك، وأنزل براءتك من السماء.

لقد كان هذا الأمر -الذي هو في ظاهره شر-خيراً لآل أبي بكر وللمسلمين من بعدهم، فقد كان شهادة من الله بمنزلة هذه الأسرة الطاهرة، التي تعرضت لكثير من الأذى والتهم الباطلة. حيث تولى الله الدفاع والذبَّ عنها والشهادة لها بالخيرية، ودفع السوء عنها؛ بما لم يكن للأمة أن تدفعه بقدر ما دفعه القرآن ونافح عنها به، ليس في وقت تنزّل القرآن ووقوع هذه الحادثة الآثمة فحسب، وإنما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى في موضوع الحكمة كلاماً نفيساً أوضح فيه معالمها وبيَّن فيه أدلتها وأثرها في إيمان العبد بربه، ومعرفته به سبحانه، وأنها من لوازم الإيمان، وردَّ على الشبهات حول نفي الحكمة بأسلوب علمي، استوفى فيه الموضوع من جوانبه كلها، يقول رحمه الله تعالى: قد دلت أدلة العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة؛ أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها فنذكر بعض أنواعها.

ومن ثم ذكر -رحمه الله- اثنين وعشرين نوعاً من أنواع الأدلة على إثبات الحكمة؛ من الخلق والأمر، وعقّب على ذلك مبيناً أهمية إثبات الحكمة والإيمان بها في خلق الله وأمره، وخطر إنكارها أو تجاهلها على إيمان العبد وعبوديته لله سبحانه وتعالى، فيقول في ذلك: وكيف يتوهم ذو فطرة صحيحة خلاف ذلك وهذا الوجود شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتمَّ عناية، وما في مخلوقاته من الحكم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة، والعواقب الحميدة، أعظم من أن يحصره عقل، ويكفي الإنسان بفكره وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيأته، فإنه لو استنفد عمره لم يحط علماً بجميع ما تضمّنه خلقه من الحكم والمنافع على التفصيل، والعالم كله علويه وسفليه بهذه المثابة. ثم قال: وسبحان الله كيف يستجيز أحد أن يظن برب العالمين وأحكم الحاكمين أنه يعذب كثيراً من خلقه بأشد العذاب الأبدي لغير غاية ولا حكمة ولا سبب، وإنما هو محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب، فلا سبب هناك ولا حكمة ولا غاية، وهل هذا إلا من أسوأ الظن بالرب تعالى؟ ثم بيّن رحمه الله خطر إنكار الحكمة في الخلق في الصد عن دين الله عز وجل، فيقول: وجناية هذا القول على الشرائع من أعظم الجنايات، فإن العقلاء لا يمكنهم إنكار الأسباب والحكم والمصالح والعلل الغائية، فإذا رأوا أن هذا لا يمكن القول به مع موافقة الشرائع، ولا يمكنهم دفعه عن نفوسهم، خلَّوا الشرائع وراء ظهورهم، وأساؤوا بها الظن، وقالوا: لا يمكننا الجمع بينها وبين عقولنا.

والنظر في الحكمة من الخلق لا يقتصر على النظر في المخلوقات الظاهرة؛ كالجسم والسماء والأرض والكواكب والنبات والحيوان، وإنما يتعدى ذلك ليشمل كل ما يجري في هذا الكون من أحداث وأفعال للعباد؛ من حياة وموت، ومن صحة ومرض، ومن تسلط للأعداء وإيذاء لعباد الله الصالحين، أو من نصر للمؤمنين، وهزيمة للكافرين والفاسقين، فكل ما في الكون من أفعال وتصرفات مخلوقة لله سبحانه، ولا يجري في ملكه إلا ما أذن بإجرائه، ووراء كل شيء من ذلك حكم وغايات وعبر وعظات لمن تأملها وتدبّرها، وقد قال الله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ۝ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [سورة الحديد: 22‑23].

أي: لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم؛ لأنه لو قدر شيء لكان، ولا تفرحوا بما آتاكم، أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدّكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس، قال عكرمة: ليس أحد إلا هو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً. والحديث عن الحكمة من الخلق بحر لا ساحل له ولا يمكن حصره.

وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ
 

 

تَدُلُّ على أنّهُ الواحِدُ
 

سبحانه وتعالى وتقدس في علوّه وعظمة سلطانه، وعز ملكوته.

 

المراجع:

  1. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مرجع سابق، 3/282.
  2. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي، ص 719.
  3. قصة الخلق، الخرعان، مرجع سابق، ص 43 – 46.
  4. قصة بدء الخلق وقصة آدم عليه السلام، علي محمد الصلابي، ص. ص 119 – 123، قيد الطباعة.
 

اترك تعليق