السيسي و(30-6-20)

بواسطة : د. أشرف دوابة

السيسي و(30-6-20)

بقلم: د. أشرف دوابة (عضو الاتحاد)

 

كلمات قالها السيسي في لقاءات متعددة: "30/ 6/ 20 حوريكم دولة ثانية".. "آه مصر حتبقى في موضع تاني 2020".."30/ 6/ 20 زي ما وعدت الدولة قلتلكم 30/ 6/ 20 حنقدم لكم دولة بشكل مختلف خالص".. ومن ورائه خرج حملة المباخر من الإعلاميين ليزينوا قول السيسي الذي لا يعرف سوى لغة الوعود والأماني وما يعد الشعب المصري ويمنيهم إلا غرورا.

لقد مر 30 حزيران/ يونيو 2020 واستيقظ الشعب وقد وجد مصر في "موضع تاني" وبشكل مختلف، لكن ليس في التنمية والحكم الرشيد، بل في الاستبداد والفساد وانهيار الاقتصاد وتسارع الوفيات وتضخم الديون وضياع الإنسان.

لقد مضت سبع سنوات منذ الانقلاب العسكري وسيطرة العسكر على مقاليد الحكم، وكلام سيدهم المعسول وإرهابه الملحوظ. والحكم على هذه الفترة المظلمة من تاريخ مصر يتطلب الرجوع إلى ما كتبناه منذ تولي السيسي حكم مصر، ولخصناه في ثلاثة مصطلحات تكشف عن سلوكه الاقتصادي في الحكم هي: التجريف، والتوريط، والتخدير.

وقد بدا التجريف مبكرا من خلال سعي السيسي لفك عقدة الشرعية من خلال التنازل عن ثروات مصر وشريان حياتها، حيث تنازل عن ثلاثة حقول غاز في المياه الإقليمية المصرية بالبحر الأبيض المتوسط لقبرص واليونان وإسرائيل، تقدر قيمتها بنحو 330 مليار دولار. وأهدر حق مصر التاريخي في مياه النيل لصالح إثيوبيا بتوقيعه على وثيقة إعلان المبادئ بذات الخصوص، طمعا في العودة للاتحاد الأفريقي، كما تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية طمعا في مزيد من الأرز الخليجي.

وامتد التجريف من خلال عسكرة الاقتصاد، ومزاحمة القطاع الخاص، والتخلص مما تبقى من القطاع العام، وتم تعديل البنية التشريعية لتكون خادمة لهذا الهدف، فتم تعديل قانون المناقصات لإسناد المشروعات بالأمر المباشر للجيش، مع حظر الطعن من طرف ثالث على العقود المبرمة، وتم السماح لوزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة التابعة لهما والمخابرات العامة بتأسيس شركات حراسة المنشآت ونقل الأموال، والسماح للقوات المسلحة بتأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي. ثم جاء بعد ذلك إنشاء صندوق تحيا مصر بصورة تفتقد للشفافية والمحاسبة، وسار على هذا النهج الصندوق السيادي الذي منح السيسي سلطات مطلقة، وفتح الباب لبيع أصول مصر من خلال تحصين العقود التي يبرمها الصندوق ضد الطعون القضائية، ومنع الطعن عليها من أطراف ثالثة.

كما بدا التجريف واضحا أيضا من خلال رفع الدعم عن الكهرباء والمياه والغاز، وزيادة الضرائب وتطبيق في ذلك اقتصاد الصدمة، حيث زادت الضرائب لتصل في موازنة 2020/2021 إلى مبلغ 975 مليار جنيه، بنسبة 75 في المئة من الإيرادات العامة بزيادة 108 مليار جنيه، أي بنسبة 13 في المئة عن العام السابق. وكانت في عهد مرسي 267 مليار جنيه، وفي بداية عهد السيسي 306 مليارات جنيه، ومن ثم بلغت هذه الزيادة نسبة بزياة 265 في المئة، 219 في المئة على التوالي.

كما امتد التجريف إلى سعر صرف الجنيه المصري من خلال تعويم الجنيه المصري، وهبوط قيمته بنسبة تعدت 100 في المئة.

وامتد التجريف كذلك إلى العاملين المدنيين في الدولة. ففي الوقت الذي عمل السيسي على زيادة رواتب الجيش وبصورة مبالغ فيها، جعل جل همه السعي لتخفيض أجور العاملين المدنيين في الدولة، وتخفيض عددهم للنصف. بل امتد التجريف للقضاء على أي وسيلة لكشف الفساد، فعزل وسجن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات عند كشفه للفساد.

أما التوريط فبدا واضحا من خلال توجه السيسي الملحوظ نحو الديون الداخلية والخارجية واعتماد سياسة ترقيع الديون، والرضوخ لصندوق النقد الدولي، والتضحية بثروات مصر وسيادتها وأجيالها المستقبلية، حيث بلغ الدين العام المحلي في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2019 مبلغ 4.1 تريليون جنيه، مقارنة بمبلغ 1.4 تريليون جنيه بعد الانقلاب مباشرة، و1.6 تريليون جنيه في بداية عهد السيسي، بزيادة بنسبة زيادة 193 في المئة، 156 في المئة على التوالي. وإذا أضيفت لذلك الديون الخارجية بات حجم الكارثة أكثر وضوحا، فقد أصبح الإسهال في الدين الخارجي للسيسي غاية، حيث بلغ الدين الخارجي 112.6 مليار دولار في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2019، مقارنة بمبلغ 43.2 مليار دولار بعد الانقلاب مباشرة، و46.2 مليار دولار في بداية عهد السيسي، بزيادة بنسبة زيادة 161 في المئة، 144 في المئة على التوالي.

وقد تجاوز الدين الداخلي والخارجي معدل الخطورة، حيث بلغت نسبته 97 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، هذا في الوقت الذي تم اقتراض خلال الأيام القليلة الماضية 13 مليار دولار. وأوردت بيانات الموازنة العامة للدولة 2020/ 2021 أن خدمة الدين العام "فوائد وأقساط" تقدر بـ1.12 تريليون جنيه، أي ما نسبته 88 في المئة من إجمالي الإيرادت العامة التي تقدر بمبلغ 1.28 تريليون جنيه، وهو ما يعني تآكل الموارد، والأسوأ القادم.

أما التخدير فبدا واضحا من تسويق السيسي للوعود، والمشاريع الوهمية الوجود، أو الموجودة ولكنها غير ذات جدوى موضوعا أو توقيتا، فهي مشروعات في جلها ذات تمويل باهظة التكاليف قليلة العائد، وبعيدة كل البعد عن تحقيق تنمية حقيقية وتوفير فرص عمل بصورة مناسبة. وهذه نتيجة طبيعية لإصابة نظام الحكم بالحول التنموي وغياب الأولويات، وفي مقدمة ذلك مشروع تفريعة قناة السويس، من أجل ما سماه السيسي رفع الروح المعنوية للمصريين. وكذلك مشروع المليون وحدة سكنية، ومشروع استصلاح مليون ونصف فدان، واللذين اختفيا كما اختفى مشروع عبد العاطي كفتة. وكذلك مشروع العاصمة الجديدة الذي تبلغ تكلفة مرحلته الأولى فقط 45 مليار دولار لبلد يعاني من شح في العملة الصعبة. ومشروع عربيات السيسي وثلاجاته الذي يعكس سطحية التفكير في حل مشكلة البطالة. ومشروع شبكة الطرق التي تصدعت مع أول تجربة وأكلتها مياه الأمطار. ومشروع مثلث التعدين الذهبي الذي بات مصيره كمشروع منجم ذهب السكري الذي يقع في مثلث التعدين، وبات الحصول على معلومات عنه ضربا من الخيال. ومشروع حقل الغاز شروق الذي وصفوه بأنه أكبر كشف غازي يتحقق في مصر وفي مياه البحر المتوسط، في حين أنه تم عقد صفقات مصرية مع الكيان الصهيوني لتوريد الغاز لمصر.

كما بدا التخدير واضحا جليا من خلال الزوبعة الإعلامية التي صاحبت انعقاد المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ في آذار/ مارس 2015 وتفاهماته التي تعدت 175 مليار دولار، وتحولت كغيرها إلى سراب. وتكرار إعلان السيسي عن مشروع تنمية سيناء وهو يقتل ويهجر أبنائها صبحة وعشيا. وكذلك إعلانه عن مشروع الإسكان الاجتماعي لتخدير الفقراء.

إن هذا غيض من فيض في عهد السيسي الذي يعيش نظامه على تكريس الطبقية، فلا مكان للشعب إلا آلة القتل أو السجن، وأذرعته في ذلك الجيش والشرطة والقضاء والإعلام.

وهو يسير بمصر من فشل إلى فشل، وليس بعيدا الفشل الذريع في إدارة أزمة كورونا والتضحية بحياة المصريين وتركهم فريسة لسياسة مناعة القطيع، حتى بات الموت مستباحا. وخلق رئيس وزرائه لذلك شماعة الأطباء تضاف إلى شماعة الإخوان التي يعلق عليها دائما فشله، رغم تفاني الأطباء في عملهم وتضحيتهم بأنفسهم في ظل ضعف الإمكانيات.

والاقتصاد المصري (بصفة عامة) في عهد السيسي لم يعرف معنى للاستثمار سوى فتح الباب للمال الساخن، الذي يدخل ويخرج دون قيمة مضافة، مع ربح لصاحبه بغير حساب، فضلا عن تجميل المؤشرات الاقتصادية، سواء بالنسبة لمعدلات النمو أو البطالة أو التضخم، حتى بات الانفصام بينها وبين واقع المصريين لا يحتاج لمتخصص لإثبات ذلك، فلم يجد المواطن المصري سوى لباس الغلاء والجوع والخوف يحيط به من كل جانب، ووعود السيسي السرابية من كل ناعق.

 


اترك تعليق