صدق الإيمان ثقة واطمئنان

بواسطة : الشيخ أحمد محي الدين نصار

صدق الإيمان ثقة واطمئنان

بقلم: الشيخ أحمد محي الدين نصار (عضو الاتحاد)

 

إنّ استحكام ضعف الإيمان بالله تعالى في النفس الإنسانية ينتج عن خلل في الاعتقاد والسلوك، الأمر الذي يولّد شعوراً بالخوف من كل شيء والاستكانة والذل والخذلان وعدم الرغبة بالمقاومة أو الصبر والمصابرة، وحتى التكبّر والطغيان والاعتداء على الآخر، هو نتاج عن خوف من فقدان سلطة أو منفعة ما مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وأما الإيمان الصادق بالله سبحانه إذا غمر القلب واستحكم في النفس أمدّها بالثبات والعزة والقوة التي لا تعرف الخوف إلا من الله والقدرة على مواجهة التحديات أياً كانت، كما قال الربّ سبحانه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).

فالمؤمن الصادق دائم التوجّه إلى الله تعالى في كل ما يقوم به من أعمال ابتغاء مرضاته سبحانه، يستشعر معيّة الله تعالى وعونه كما أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك بقوله: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ). وهذه الاستقامة الإيمانية كفيلة بأن تبثّ في نفس الإنسان الشعور بالأمن والطمأنينة واليقين بأنه لا يمكن لأي قوة في هذه الحياة أن تلحق به ضرراً أو أن تمنع عنه خيراً إلا بمشيئة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).

فالمؤمن الصادق لا يتملكه الخوف أو القلق وهو قادر على مواجهة الشدائد والمصائب والمظالم في كل مواقعها، وصدق الله القائل: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وهو آمن على رزقه، لأنه على يقين أن رزقه بيد الله سبحانه، وأن الله سبحانه مقسم الأرزاق بين الناس ومقدرها، قال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ). فهو لا يخاف الفقر، وإذا قدر الله تعالى له أن يكون قليل الرزق فهو راض بما قدره الله له، قنوع بالقليل الذي لديه، كثير الحمد لله على نعمه الأخرى الكثيرة عليه، ومع الرضا والقناعة والحمد يبذل وسعه للنهوض بمستوى معيشته لما رسخه الإيمان في أعماق قلبه من يقين منبثق من قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).

والمؤمن الصادق يؤمن بقضاء الله وقدره، فالإيمان بالقضاء والقدر يكسبه الكثير من الصفات المحمودة، فالنعمة لا تبطره، والمصيبة لا تزعزع إيمانه بل يصبر ويحتسب وهو على يقين أن الله سبحانه سيعوضه خيراً يرضيه في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وهو يعلم أن كل شيء بقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقد يكون فيما يكره الفائدة المحققة، وفيما يحب الشر المستطير، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

والمؤمـن الصادق يحــدوه الأمــل فلا ييأس ولا يقنط لأن الله سبحانه نهاه عن ذلك بقوله: (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وفي ظلال الأمل المصحوب بالعمل والأخذ بالأسباب يعيش المؤمن حياته؛ فإذا حارب المعتدي وقاوم المحتل كان واثقاً بالنصر، قال تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ). وإذا ظُلِم أو بُغِي عليه ولم ينتصر له فإنه يتجه إلى ربه بالدعاء لينصره على من ظلمه، وهو على يقين أن دعوة المظلوم مستجابة ولو بعد حين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلومِ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمامِ. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: وعزَّتي وجَلالِي لَأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حِينٍ).

والمؤمن الصادق إذا قدّر الله عليه المرض الذي يمنعه من التحدي والتصدي والانجاز لم ينقطع أمله في العافية لقوله تعالى: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ)، وإذا انتابته كارثة من كوارث الزمن كان على رجاء من الله أن يأجره في مصيبته ويخلفه خيراً منها، قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). وكذلك إذا أدركته الشيخوخة، واشتعل رأسه شيباً، لم ينفك يرجو حياة أخرى فيها شباب بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادة بلا شقاء، قال تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا، لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، فهو لا يخاف الموت لأنه يعلم أنّه حقيقة لا مفر منها، وأن لكل إنسان أجلاً محدداً، وإذا جاء أجله فلن يستطيع أن يؤخره، قال تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وبهذا اليقين يعمل في حياته الدنيا معداً نفسه للحياة الآخرة بالإيمان بالله وعبادته والعمل الصالح.

إنّ المؤمن الصادق يعلم أن كل بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون، فإذا اقترف خلال مسيرة جهاده ودعوته ذنباً لم ييأس من مغفرة الله، ومهما يكن ذنبه عظيماً فإن عفو الله أعظم، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

هذا المؤمن الصادق إذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار لقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)، وفي ظل هذا الأمل الذي يغمر جوانح المؤمن في كل أحواله فإن الصعاب تهون، والبعيد يدنو، وتتحقق للنفس سكينتها وتقوى مناعتها ضد الأمراض مهما كانت، ويعيش حياته بثقة واطمئنان، وتنطبع نفسه على الثبات واحتمال المكاره، ودائماً يبدو قوياً مقداماً، وشجاعاً جواداً، فالأجل عنده محدود، والرزق مكفول، والأمور كلها بيد الله يصرفها كما يشاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

اترك تعليق